بدا أن هيردين والفرسان الذين كانوا يتفحصون المنطقة أمامهم لم يكتشفوا ذلك الشيء بعد.
“هيرد—”
ولكن قبل أن تناديه، ظهرت يد ضخمة وهاجمتهما.
“كواانغ—!”
دوى صوت انفجار هائل، وتحطمت الأشجار وتناثرت الثلوج المتراكمة فوقها كعاصفة ثلجية حجبت الرؤية.
“بلير!”
عندما استعادت بلير وعيها، كان أول ما رأته هو وجه هيردين بتعبيراته المتشنجة وهو يتفحص حالتها.
لقد لاحظ هيردين حركة الوحش قبل الهجوم مباشرة، وبفارق لحظة واحدة، احتضن بلير وتدحرج بها على الأرض، أما الحصان فلم يكن له أثر، ويبدو أنه قد هرب.
“سيدي! سيدتي!”
جاءت أصوات الفرسان من بعيد عبر ذرات الثلوج العالقة في الهواء.
استجمعت بلير قواها وتفقدت أولاً القاقم الذي كانت تحمله في حضنها، وبسبب حمايتها له بيديها غريزياً، نجا القاقم ولم يصب بأذى.
“هل يمكنكِ النهوض؟”
سأل هيردين، وبدلاً من الإجابة، شدّت بلير جسدها، فقام هيردين بمساعدتها على النهوض وهي تترنح من الصدمة.
في تلك الأثناء، هدأت الثلوج وبدأت الرؤية تتضح تدريجياً، ومن وراء الضباب ظهر عملاق بعين واحدة؛ لقد كان “سايكلوبس”، وهو وحش سحري يتخذ شكلاً بشرياً.
تسمرت بلير في مكانها عندما التقت عيناها بتلك العين العملاقة، ومدّ السايكلوبس يده لمهاجمتهما فور اكتشافه لمكانهما.
لاحظ هيردين ذلك، فأحاط جسده بـ “الأورا” لتقويته وحمل بلير بين ذراعيه، ثم قفز بسرعة لتجنب الهجوم، وكانت خفته تفوق قدرات البشر بمراحل.
في تلك اللحظة، بدأ الفرسان الذين عثروا عليهما بمهاجمة السايكلوبس بالسهام.
توالى صوت السهام وهي تشق الهواء، لكنها لم تنجح إلا في تشتيت انتباه السايكلوبس قليلاً دون إلحاق ضرر جسيم به.
استغل هيردين تلك الفرصة وانضم إلى الفرسان، فهرع قائد الفرسان نحوه ونحو بلير.
“سيدي! سيدتي! هل أنتما بخير؟”
“لحسن الحظ، نعم. كايل، خذ المجموعة الأولى وأخرج السيدة من الغابة، أما المجموعة الثانية فستبقى معي لصد الوحش.”
“أمرك.”
ابتعد قائد الفرسان مسرعاً لنقل أوامر سيده إلى الجنود.
خلع هيردين عباءته ووضعها فوق كتفي بلير.
“احتفظي بها لبعض الوقت.”
نظرت بلير إليه بذهول، لم تكن هناك أي علامة للخوف على وجهه؛ ربما كان هذا رد فعل طبيعي بالنسبة لشخص عاش في الخطوط الأمامية للحروب، وفي الشمال حيث تعيث الوحوش السحرية فساداً.
لكن بلير لم تكن كذلك.
‘إذا سارت الأمور كما في الماضي، فلن يتعرض هيردين للخطر، ولكن..’
كان الوحش الذي أمامها مرعباً، واحتمالية إصابته كانت تخيفها أيضاً؛ فرغم معرفتها بالمستقبل الآمن، إلا أن الخوف من حدوث مكروه تملكها.
أمسكت بلير بذراع هيردين الذي كان يهم بالتوجه نحو السايكلوبس دون تفكير، شعرت أن عليها قول شيء ما، لكن الكلمات لم تسعفها.
اكتفت بالنظر إليه فقط.
نظر هيردين تارة إلى اليد التي تمسك به، وتارة إلى وجه بلير المذعور، ثم أطلق ضحكة خفيفة.
“هل تعتقدين أنني سأموت؟”
سلم هيردين بلير إلى قائد الفرسان الذي وصل في تلك اللحظة، وتقدم نحو السايكلوبس، بينما أحاطت أورا زرقاء بجسده وسيفه.
“سيدتي، يجب أن نذهب.”
حثها قائد الفرسان بينما كانت تنظر بذهول إلى ظهر هيردين المبتعد.
كانت تعلم؛ بقاؤها هنا لن يفيد بل سيكون عبئاً عليه، لكن قدميها وعينيها رفضتا التحرك.
قفز هيردين عالياً متسلقاً ذراع السايكلوبس الذي كان يحاول مهاجمته، وحاول تفعيل سحر مدمج عبر التلاعب بالمانا، وفي تلك اللحظة شعر أن جسده ليس كالمعتاد.
تصدت يد السايكلوبس لنصل سيفه الذي كان يستهدف عنقه، ولو كان في حالته الطبيعية لكانت تلك الضربة قد قطعت اليد والعنق معاً.
‘المانا..’
كانت كمية المانا التي يمكنه التحكم بها أقل بكثير من المعتاد؛ ورغم أنها كانت لا تزال تفوق مانا الآخرين بمراحل، إلا أن هذا النقص المفاجئ أحدث ثغرة في تكتيكه.
“كووورر!”
زأر السايكلوبس غضباً من الجرح الكبير في يده، ولوّح بذراعه نحو هيردين.
ارتبك هيردين للحظة من الموقف غير المتوقع، لكنه تفادى الهجوم بسرعة، واستعاد هدوءه فوراً ليضع خطته التالية.
اندفع بسرعة تحت السايكلوبس وقطع ساقه؛ ليمنعه من الهروب وإلحاق الضرر بآخرين.
‘التالي، الذراع.’
بما أن الذراع اليمنى قد أصيبت بجرح بليغ بدلاً من العنق قبل قليل، فقد استهدف هذه المرة الذراع اليسرى.
ولكن في اللحظة التي قطع فيها ذراع السايكلوبس اليسرى، أمسكت به الذراع اليمنى الجريحة، وضغط هائل سحق جسده.
“هيردين..!”
صرخت بلير التي كانت تهم بالمغادرة مع قائد الفرسان بعد امتطاء الحصان.
في تلك اللحظة، ظهرت دائرة سحرية حمراء تلمع بين عنق بلير وعظمة الترقوة، وفي الوقت ذاته، مرت ذكرى عابرة في رأس هيردين.
صورة لبلير وهي في شهور حملها الأخيرة، تنظر إليه بعينين توشكان على البكاء.
‘ما هذا..؟’
وبينما كان هيردين يتساءل عن تلك الذكرى المفاجئة، شعر بالمانا التي كانت ناقصة قبل قليل وهي تفيض مجدداً، ولم يضيع تلك الفرصة.
تحكم بالمانا فوراً وأطلق سحراً، فمزقت المانا المتفجرة من داخله يد السايكلوبس.
أحاط هيردين سيفه بالأورا وفي الوقت نفسه جسد دائرة سحرية ضخمة؛ فظهرت في الهواء سيوف من ضوء يميل للزرقة، وانهمرت كالمطر الغزير فوق السايكلوبس.
“كوووأك!”
قطع هيردين عنق السايكلوبس الذي كان يتلوى من الألم، ليرتخي جسد الوحش أخيراً ويسقط جثة هامدة.
مسح هيردين الدماء الساخنة التي تناثرت على وجهه بظهر يده، وحينها فقط شعر بألم في بطنه، فتقطب حاجباه تلقائياً.
يبدو أن أضلاعه قد كُسرت عندما أمسك به السايكلوبس.
‘لماذا لم أتمكن من التحكم بالمانا بشكل صحيح قبل قليل؟’
خلال الشهرين الماضيين اللذين انشغل فيهما بالتحضير للزفاف، اكتفى بالتدريبات البدنية فقط، ولم يجرِ تدريبات باستخدام المانا.
لكن حتى لو تراجعت قدرة التحكم بسبب إهمال التدريب، فلا يمكن أن يتأثر المقدار المطلق للمانا.
إلا إذا كان جزء من المانا الكامنة داخله قد اختفى فجأة.
ولكن بالنظر إلى أنه استطاع استخدامها مجدداً كالسابق، فيبدو أنها لم تختفِ؛ إذ لا يمكن للمانا أن تتلاشى ثم تعود في تلك اللحظة القصيرة. لقد كان أمراً غريباً.
“هيردين.”
أفاق هيردين من أفكاره عند سماع صوت بلير.
عندما رآها تنظر إليه بعينين قلقين، تداخلت صورتها مع الصورة التي مرت برأسه قبل قليل؛ صورتها وهي حامل.
تلك الذكرى، ماذا كانت بحق الجحيم؟
* * *
توقف الاحتفال بسبب الظهور المفاجئ للوحش السحري.
استدعى إيفان حراس ميدان الصيد الإمبراطوري لمعاقبتهم، وأمر فرسان الإمبراطورية بالتحقيق في الحادثة، كما أُلغيت مأدبة المساء التي كانت مقررة في القصر.
وبسبب ذلك، ساد القلق بين النبلاء الذين كانوا متحمسين لاستقبال العام الجديد.
ولكن، بما أنه لا يمكن إلغاء أول صلاة في العام الجديد لشكر الإله والأسلاف، فقد تقرر إقامة الصلاة بعد موعدها بعدة ساعات.
عند وصولهما إلى المعبد، توجه هيردين وبلير إلى الجناح الجانبي أولاً، لعلاج أضلاعه المكسورة.
لكن لم يكن هناك أي كاهن مرسل متاح، فاستقبلهم أحد الكهنة بوجه مرتبك.
“يا إلهي، ماذا نفعل؟ لقد غادر جميع الكهنة المُرَسلين أماكنهم للتو..”
في المعبد، فقط أولئك الذين يتم اختيارهم من قبل الحاكم يصبحون كهنة مُرَسلين قادرين على استخدام السحر المقدس؛ لذا كان عددهم قليلاً مقارنة بالكهنة العاديين، وكانوا دائماً مشغولين.
“من المؤكد أن هناك شخصاً واحداً على الأقل يقوم بإعطاء دروس الكهنوت، سأحضره فوراً.”
وبعد أن انتهى الكاهن من توجيههما وهمَّ بالخروج من غرفة الاستراحة، تذكر شيئاً والتفت نحو هيردين قائلاً:
“آه، كما يعلم سعادتكم، في حالات الإصابات الداخلية يجب التعامل بدقة، لذا يفضل خلع ملابس الجزء العلوي.”
خرج الكاهن، وبقي الاثنان وحدهما.
بدأ هيردين بخلع ملابسه العلوية قطعة قطعة، حاولت بلير مساعدته في أخذ ثيابه، لكن هيردين علقها على كرسي قريب.
شعر أن إعطاء ثيابه لتلك المرأة الصغيرة سيجعلها تبدو وكأنها غارقة تحت كومة من القماش.
سأل هيردين بلير وهو يفك أزرار قميصه:
“هل حقاً تستطيعين رؤية المستقبل؟”
نظرت إليه بلير لبرهة ثم قالت:
“..لقد قلتَ إنك لا تصدقني.”
كان صوتها هادئاً، لكن نبرتها كانت تحمل لوماً دفيناً.
“قد يكون من الصعب التصديق في المرة الأولى، ولكن إذا تكررت أمور مثل ما حدث اليوم، فسأضطر للتصديق حتى لو لم أرغب في ذلك.”
خلع هيردين ملابسه العلوية تماماً، وعندما واجهت بلير جسده العضلي نصف العاري، أدارت رأسها بعيداً ببطء لتتجنب نظراته.
أمسك هيردين بوجنة بلير برقة ليلتقي بعينيها وقال:
“تحدثي. ماذا رأيتِ أيضاً في المستقبل؟”
نظرت إليه بلير ملياً، كانت عيناه لا تزالان باردتين، لكنهما لم تكونا مليئتين بالاستهزاء كما في الليلة الماضية.
لكن لم يكن هناك ما تخبره به.
هل سيصدقها لو قالت إنها ماتت على يد شخص ما وعادت للماضي، وأن المدبر قد يكون هو؟
في الأصل، إن ما يهمه معرفته عن المستقبل ليس هذا، بل الحادثة المتعلقة بحريق قصر الإمبراطورة؛ ولكن بما أنها هي نفسها لا تعرف الحقيقة، لم يكن بإمكانها إخباره بشيء.
قررت بلير في هذه اللحظة أن تتظاهر بأنها كانت مجرد أحلام مشؤومة.
في تلك اللحظة..
“سيادة الدوق، سيدتي، سندخل الآن.”
فُتح الباب مع صوت الكاهن الذي ذهب لإحضار الكاهنة المُرَسلة، ودخل الاثنان.
التفتت بلير نحو الباب بعفوية، وعندما رأت الكاهنة المُرَسلة التي تتبع الكاهن، تسمرت في مكانها.
“مرحباً بك، سيادة الدوق، وأنتِ أيضاً أيتها السيدة.”
مييلا إلياس.
المرأة التي كانت عشيقة هيردين في حياتها السابقة، والمرأة التي ستصبح كذلك قريباً.
التعليقات لهذا الفصل " 20"