الفصل 19 : صغير فَقَد أمه
**********
“هل الأمر صعب؟ هذا التخمين بسيط جداً.”
نظراته الباردة وصوته المليء بالاستهزاء اخترقا بلير، واضطربت عيناها وهي تنظر إليه.
‘..هو لا يصدقني.’
شعرت بصدق مشاعره هذه المرة أكثر من أي وقت مضى.
لقد أخطأتُ في تقديري.
وقوفه في صفي في أمر لينا لم يكن إلا لأنه لم يحتمل وقاحة الخدم، فإهانة زوجته هي إهانة له لا أكثر.
شعرتُ بالسخف من نفسي لانتظار شيء منه.
أطرقت بلير ببصرها لتتجنب نظراته، وارتجفت رموشها وهي تغمض عينيها ببطء وتفتحهما.
دفعت بلير صدره لتخرج من بين ذراعيه.
“..أنا آسفة، لقد كان حلماً رأيته.”
خرج صوتها مرتجفاً رغم محاولتها إخفاء ذلك، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
راقب هيردين ظهرها من خلف الباب وهو يغلق، ثم أفرغ ما تبقى من الويسكي في الكأس وشربه دفعة واحدة.
كان الخمر الذي صبه في معدته الفارغة ساخناً كأنه ابتلع كتلة من النار.
* * *
تردد صدى حوافر الخيل في الغابة الشتوية الهادئة.
طار الطيور الجبلية المذعورة من الصوت، وبسبب ذلك الاهتزاز الصغير، تساقطت الثلوج البيضاء المتراكمة بكثافة على الأشجار.
كان صيد الشتاء يسير بسلاسة هذا العام أيضاً.
كان الحدث الأول في مهرجان رأس السنة هو أن تذهب كل عائلة إلى ميدان الصيد الإمبراطوري لإحضار أول أضحية حية للإله.
على عكس مهرجانات الصيد الأخرى، لم يكن صيد الشتاء يتم بشكل جماعي، بل تقوم به كل عائلة على حدة.
وبما أن الحاكم سيسر بالأضحية الأكثر قيمة، تنافس النبلاء في الخفاء لاصطياد أفضل فريسة؛ لقد كان حدثاً يمس كبرياء العائلات.
ولأنه كان حدثاً تتنافس فيه العائلات، رافقت السيدات والآنسات أزواجهن وعائلاتهن على الخيول كاستثناء، وكانت بلير واحدة منهن.
اتجهت نظرات هيردين، الذي كان يبحث عن فريسة فوق بساط الثلج الأبيض، نحو بلير التي تتبعه.
وعندما رأى وجهها المحمر من البرد، خطرت بباله ذكرى الأمس.
‘غداً سيظهر وحش سحري في ميدان الصيد.’
لو كان كلامها صحيحاً، فهذا يعني أن وحشاً سيظهر هنا اليوم. وكان من الغريب أن تأتي بنفسها إلى هذا المكان الخطير وهي تعلم ذلك.
‘بماذا تفكر بحق الخالق؟’
أطلق هيردين تنهيدة منخفضة ثم نادى قائد فرسان دلمارك الذي كان يتبعه.
“كايل.”
اقترب الفارس بجواده منه عند سماع النداء.
“ابذل قصارى جهدك في حماية الدوقة.”
“أمرك مطاع.”
أشار قائد الفرسان بعينيه إلى بلير مخاطباً جنوده، ونقل إليهم أمر هيردين، فاقترب الفرسان الذين فهموا المعنى من بلير.
من خلف ظهر هيردين، سمع صوت سعال خفيف، مما جعل مابين حاجبي هيردين يضيق، وأصبحت نظراته التي تبحث عن فريسة فوق الثلج أكثر انشغالاً.
في تلك اللحظة، سُمع صراخ حيوان من بعيد.
“كوييييك!”
بدا وكأنه صراخ خنزير بري.
ومع صوت رفرفة أجنحة الطيور، سُمع صوت بلير وهي تشهق من المفاجأة.
لكن صراخ الخنزير لم يتوقف، بل توالى، مما يعني أن الصياد لم يتمكن من الإيقاع به بضربة واحدة ويستمر في إطلاق السهام عليه؛ كان الصوت مزعجاً.
‘يا له من أحمق، كم سيهدر من السهام لأنه لا يستطيع الإيقاع به؟’
وبينما كان هيردين يسخر من ذلك الرامي الفاشل، صرخ أحد الفرسان بلهفة.
“سيدي، هناك قاقم أبيض هناك!”
في المكان الذي أشار إليه الفارس، ظهر قاقم يتجول فوق الثلج الأبيض.
فرو القاقم باهظ الثمن، والأبيض منه هو الأغلى على الإطلاق؛ وسيكون أضحية مناسبة للإله.
سحب هيردين قوسه على الفور وأطلق السهم.
اخترق السهم القاقم بدقة، وتناثرت دماؤه فوق الثلج الأبيض.
بعد أن تأكد هيردين من أن القاقم لم يعد يتحرك، استدار بجواده ليعود، لكن شجرة قديمة مجوفة لفتت انتباهه.
ترجل من حصانه واقترب، ليرى داخل الشجرة صغير قاقم لم يفتح عينيه بعد.
‘..هل كان لها صغير؟’
أخرج هيردين خنجراً من جيبه، وفي تلك اللحظة، سمع صوت بلير من خلفه.
“هيردين.. ماذا تفعل الآن؟”
“في حال عدم وجود أم ترعاه، سيصبح فريسة لحيوان مفترس بعد وقت قصير، لذا من الأفضل له أن يموت الآن مع أمه.”
“لا تفعل!”
نزلت بلير من حصانها بسرعة وأمسكت بيده التي تحمل الخنجر، فضاق مابين حاجبي هيردين.
“ماذا تفعلين؟”
“قد ينجو.”
“رضيع لم يفتح عينيه بعد، وفي هذا الشتاء حيث يصعب العثور على طعام؟”
“حتى لو كان مصيره الموت بعد فترة قصيرة كما تقول،
فلا يمكن تسمية هذا رحمة؛ العيش ليوم إضافي أفضل.”
سخر هيردين؛ هل هو تفاؤل بلا أساس أم نفاق؟ أياً كان، فقد كان نوعاً يكرهه.
“هل ستفكرين هكذا وأنتِ تُؤكلين حية من قبل ذئب؟”
اختار هيردين كلمات فجة عمداً لاستفزازها، ليكسر تفاؤلها أو نفاقها، ولكن..
“أنا من سيرعاه.”
تلك المرأة التي كانت تتبع مشيئته دائماً متظاهرة بالاستسلام، وقفت ضده الآن دون أن تتراجع بكلمة واحدة، وبعينين حادتين أكثر من أي وقت مضى.
بدت وكأنها أم تحمي صغيرها، ولم يعجبه ذلك المنظر.
ما قيمة هذا الكائن الصغير؟
“لستُ أدري ما إذا كان ذلك الصغير سيرغب في أن يتم تبنيه من قبل شخص وقف متفرجاً على موت أمه.”
رد هيردين بتهكم مذكراً بلير بموقفها.
لو كان لهذا الكائن الصغير عقل ومشاعر، لفضل الموت على أن تتبناه يد عدوه، تماماً كما يكره هو العائلة الإمبراطورية وزوجته المزيفة التي هي فرد منها.
أدركت بلير معنى كلامه فامتقع وجهها قليلاً، لكنها لم تتراجع في النهاية.
نظرت بلير بعينين غارقتين إلى جثة الأم التي كان الفرسان يجمعونها وقالت.
“..ومع ذلك، أم هذا الصغير ستتمنى له البقاء حياً ولو بهذا الشكل.”
في تلك اللحظة، تدخل أحد الفرسان الذي كان يراقب الجدال المتوتر بين سيديه بإحراج.
“عذراً.. سيدي، أعتقد أن تربيته كما قالت السيدة ليست فكرة سيئة؛ بما أنه قاقم أبيض، يمكننا تربيته ثم سلخ فرواه واستخدامه..”
تلقى الفارس الذي حاول المساعدة نظرة ازدراء من بلير، فأدرك أنه أخطأ في الكلام وصمت.
أطلق هيردين تنهيدة منخفضة وسحب يده التي كانت تمسكها بلير واستدار.
أدركت بلير المعنى، فأخرجت الصغير من العش بعناية؛ شعرت بحرارة جسد واضحة من ذلك الكائن الذي هو أصغر من كف اليد.
بدأ الصغير الذي لم يفتح عينيه يطلق صرخات حزينة وكأنه يبحث عن أمه، فغص حلقها عند رؤيته.
‘ماذا حدث لأسيل بعد موتي؟’
حينها فقط، تذكرت أسيل الذي لابد وأنه تُرك وحيداً بعد موتها.
ربما قتله المجرم لاحقاً، وحتى لو نجا بمعجزة، لابد وأنه كان شوكة في عين هيردين الذي يحب مييلا.
في كلتا الحالتين، كان من الواضح أن النهاية لم تكن سعيدة للطفل.
بشكل مفاجئ، شعرت بالكراهية تجاهه.
نظرت بلير إلى ظهر هيردين المبتعد، ثم استعادت وعيها بسماع صراخ القاقم؛ خلعت قفازها ووضعت الصغير بداخله.
مد أحد الفرسان الذي كان يراقب المشهد يده.
“سيدتي، سآخذ هذا الصغير أنا، تفضلي بركوب الحصان أولاً.”
“لا، سآخذه أنا.”
“لكن سيكون من الصعب عليكِ ركوب الخيل بهذا الوضع، كما أنه خطر..”
“سأذهب مشياً.”
رغم كلمات الفارس المليئة بالقلق، ظلت بلير ثابتة على رأيها.
وبينما كان الفارس متردداً، اقترب هيردين بجواده بعد أن سمع حوارهما.
اقترب بخطوات واسعة، وحمل بلير بخفة وأجلسها على حصانه.
“هيردين..؟”
رمشت بلير بعينيها بذهول من تصرفه المفاجئ.
امتطى هيردين الحصان خلف ظهرها فوراً وأمر الفارس.
“تولَّ أمر حصان السيدة.”
وبدلاً من يدي بلير المشغولتين، أحاط خصرها بذراع واحدة ليدعمها، وأمسك لجام الحصان باليد الأخرى وبدأ يقوده ببطء.
كانت عيناه الباردتان تنظران للأمام لا إليها، لكن ذراعه التي تحيط بها كانت صلبة وكأنه لن يسمح لها بالسقوط.
نظرت بلير إليه وهو لا ينظر إليها، ثم خفضت رأسها.
كان عليها أن تشكره لأنه تحمل العناء لأجلها، لكنها لم تستطع الكلام وهي تسمع صرخات صغير القاقم الحزينة.
ومع ذلك، شعرت بالسخف من نفسها لأن حضن هذا الرجل البارد كان دافئاً، ولأنها شعرت بالأمان فيه غريزياً.
مرت رياح الغابة الشتوية بينهما الغارقين في الصمت، وعندما سعلت بلير من البرد، وضع هيردين قبعة الفراء الملحقة بعباءتها فوق رأسها.
“لقد قلتِ إن وحشاً سيظهر، فلماذا تبعتِنا إلى هنا؟ كان بإمكانكِ البقاء.”
لم تكن نبرته تهكماً بقدر ما كانت تعبيراً عن انزعاجه من لحاقها بهم للصيد.
‘بالحديث عن ذلك..’
لم يظهر أي وحش سحري بعد؛ كانت أصوات الطيور تُسمع بين الحين والآخر، لكن لم يُسمع أي صراخ.
‘بما أن مرافقتي لهم في الصيد اليوم هي بحد ذاتها تغيير عن الماضي، فهل تغير المستقبل أيضاً؟’
إذا كان الأمر كذلك، فمن الأفضل ألا أثير الشكوك وأقول إنه كان حلماً.
وبينما كانت بلير تهم بالرد على هيردين، رأت شيئاً بين أشجار الصنوبر.
بدأت حدقتا بلير تهتزان بعنف عند رؤيته.
ما ظهر بين الأشجار كان عيناً ضخمة.
في تلك اللحظة، تحركت الحدقة والتقت عيناها بعين بلير، فشعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري.
التعليقات لهذا الفصل " 19"