كان سلف هيردين، الدوق الأول لدلمارك، بطلاً أنقذ الإمبراطورية في حرب السحر الأخيرة.
وللحصول على القوة اللازمة لحماية الإمبراطورية، عقد عقداً مع ‘وحش مقدس’ أصبح الآن حيواناً أسطورياً.
وكان الثمن الذي قبضه مقابل ذلك هو جسد قوي يمكنه استخدام (الأورا) والسحر في آن واحد.
في الأصل، لا يمكن للبشر استخدام سوى قوة واحدة منهما.
لكن الدوق الأول استطاع التعامل مع الأورا والسحر معاً بفضل عقده، وقادت تلك القوة الحرب إلى النصر.
لكن القوة العظيمة يتبعها ثمن عظيم.
فإن استخدام الأورا والسحر معاً يشبه استخدام النار والزيت معاً؛ فإذا تم التعامل معهما ببراعة يحققان تناغماً مذهلاً، ولكن في حال الخطأ، يؤدي ذلك إلى انفجار القوة وخروجها عن السيطرة.
هذه القوة التي حصل عليها رب الأسرة الأول انتقلت عبر الدماء إلى الأجيال اللاحقة.
وفي الغالب كانت القوة سلاحاً جباراً لحماية البلاد، لكنها في بعض الأحيان كانت تجلب النحس.
والد هيردين، الدوق السابق، كان أحد الأحفاد الذين ورثوا تلك القوة، وقد استخدمها لمصلحة سكان مقاطعته والإمبراطورية كما فعل أسلافه.
كان الجميع في الإمبراطورية يهابونه ويحلمون بمكانته.
لكن المأساة حلت فجأة.
في العام الذي بلغ فيه هيردين الثانية عشرة، وأثناء رحلة عائلية، وُجدت والدته مقتولة على يد وحش سحري.
ويُقال إن الدوق السابق عندما وجد جثتها، فقد السيطرة على قوته وذبح جميع الوحوش في تلك الغابة بوحشية، ثم انتحر ليحمي ابنه من نفسه بعد أن فقد السيطرة.
وهكذا سقطت عائلة دلمارك التي كانت محط أنظار الجميع.
انتشرت مأساتهم بعيداً عبر ألسنة أولئك الذين يتخذون من مصائب الآخرين مادة للتحلية.
حتى وصلت إلى مسامع بلير التي تعيش في القصر الإمبراطوري.
كان الناس يتظاهرون بالحزن على سقوط عائلة دلمارك أمام الآخرين، لكنهم في الخفاء كانوا يتهامسون عما إذا كان هيردين، الذي ورث نفس قوة والده، سيفقد السيطرة يوماً ما ويقوم بمذبحة لا ترحم.
‘ومع ذلك، أريد الفوز هذه المرة حتماً..’
في النهاية، تغلبت رغبة الفوز لدى بلير على خوفها، واقتربت من هيردين.
من وراء البطاقات، ظهرت عيناه العميقتان كبحيرة زرقاء بوضوح، وكذلك رموشه الطويلة التي تظلها.
‘إنه جميل.’
عندما واجهت بلير هيردين في الحقيقة، بدا لها فتى عادياً رغم كونه مخيفاً بعض الشيء، وليس ذلك الشخص المرعب كما في الشائعات.
وفي اللحظة التي فكرت فيها بذلك، رفع هيردين، الذي كان يتفحص بطاقاته وهو يطرق بصره، نظره لتلتقي عيناهما.
فزعت بلير من التقاء عينيها بعينيه الزرقاوين الصافيتين وسحبت أي بطاقة وقعت عليها يدها بسرعة.
‘آه.’
البطاقة التي سحبتها على عجل كانت بطاقة اللص لسوء الحظ.
لحسن الحظ، استطاعت بلير الفوز بفضل سحب إزميرالدا لبطاقة اللص منها، وانتهت اللعبة والبطاقة في يد هيردين.
لقد خسر هيردين عمداً لينهي اللعبة، لكن بلير في ذلك الوقت لم تكن تعلم.
وعندما كانت بلير، التي اشتعلت حماستها للتو، تحاول خلط البطاقات مرة أخرى، فتح هيردين فمه وتحدث.
“سأستأذن بالانصراف الآن.”
“يا إلهي، هل مر الوقت بكل هذه السرعة؟”
“سأراكِ غداً يا جلالة الإمبراطورة.”
نظرت إزميرالدا إلى هيردين بعينين قلقين وقالت.
“هيردين، أنا أفهم مشاعرك، لكن لا داعي لأن تضغط على نفسك لحضور احتفال الغد.”
“لا بأس.”
ألقى هيردين التحية لإزميرالدا وبلير ونهض من مكانه.
بعد خروجه، بقيت إزميرالدا وبلير وحدهما في غرفة الاستقبال كما تمنت بلير أخيراً.
سألت إزميرالدا بلير بنعومة وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
“ما رأيكِ في هيردين بعد مقابلته؟ هل تعتقدين أنكما ستصبحان صديقين؟”
ترددت بلير ولم تستطع الإجابة فوراً.
بصراحة، لم تكن تعتقد أنها ستصبح صديقة لهيردين، فقد كان مختلفاً تماماً عن كل من قابلتهم في حياتها حتى الآن.
لقد أثر موقف هيردين قبل قليل في بلير تأثيراً كبيراً.
فلم يتحدث إليها بود كبقية الناس، ولم يبتسم لها، وأدركت بعد رؤيته أن المظهر الأنيق والكلمات المؤدبة لا تعني بالضرورة أن الشخص جيد.
بالطبع لم يكن شخصاً مرعباً كما في الشائعات، لكنه لم يبدُ شخصاً جيداً مهما نظرت إليه، فقد كان شرساً ومخيفاً مهما تظاهر بالأدب.
لكن بلير، التي لم ترد تخييب أمل إزميرالدا، اختلقت كذبة.
“مم.. إنه قليل الكلام مما يجعل التعامل معه صعباً، لكنني أظنه شخصاً جيداً.”
لكنها لم تستطع إخفاء أصابعها التي تتحرك بتوتر، ولا عينيها اللتين تتهربان من نظرة إزميرالدا.
“الكذب عادة سيئة يا بلير.”
أصاب ملاحظة إزميرالدا بلير في مقتل.
ولم يكن أمامها خيار سوى قول الحقيقة.
“في الواقع.. أشعر أن لورد دلمارك مؤدب، ولكنه يفتقر للأدب في الوقت ذاته.”
انفجرت إزميرالدا ضاحكة بعد سماع انطباع بلير الصادق.
“من الجيد أن هيردين لم يسمع هذا الكلام.”
شعرت بلير بالقلق من صراحتها الزائدة وأضافت بسرعة.
“لـ، لكن هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها، وبما أنه شخص عزيز على جلالتكِ، فأنا متأكدة أنه شخص جيد، أنا أعني هذا حقاً.”
ابتسمت إزميرالدا وهي تراقب بلير التي تحاول تجميل صورة هيردين، وأشارت إليها بيدها لتقترب.
فهمت بلير معنى تلك الإشارة واقتربت لتجلس بجانبها.
ربتت إزميرالدا على شعر بلير بهدوء ووافقتها الرأي.
“بصراحة، هيردين ليس طفلاً ودوداً، فهو يحمل الكثير من الجراح في قلبه مما يجعله غير بارع في التعامل مع الناس.”
رفعت بلير نظرها إليها وهي تستمتع بلمساتها اللطيفة، وكانت عينا إزميرالدا الزرقاوان تلمعان بضوء ناعم كالعادة.
“لكن، كون قلبه يتألم لا يعني أن عليكِ تحمل عدم الراحة بسببه يا بلير.”
قبلت إزميرالدا جبين بلير المستدير بخفة وهمست.
“لأنكِ أنتِ أيضاً كيان ثمين مثله تماماً.”
أدخل هذا الهمس اللطيف الفرح إلى قلب بلير، لكنه جعلها تشعر ببعض الحزن أيضاً، لأنها لم تسمع مثل هذا الكلام من كاترينا أبداً.
ومع ذلك، ابتسمت بلير لإزميرالدا.
* * *
في اليوم التالي، أشرق العام الجديد.
تضمن الجدول الذهاب إلى الغابة الشتوية في الصباح لاصطياد الأضحية المقدمة للحاكم، وحضور الصلاة في المعبد بعد الظهر، ثم حضور مأدبة القصر الإمبراطوري في المساء.
بما أن طقوس الصباح وبعد الظهر كانت مخصصة للكبار فقط، قضت بلير وقتها في اللعب مع إيفان وأبناء عمومتها، ثم حضرت مأدبة رأس السنة في المساء.
جلست بلير مع والدها الإمبراطور، والإمبراطورة إزميرالدا، ووالدتها كاترينا، وإيفان، لتلقي تهاني العام الجديد من النبلاء.
وبينما كانت التهاني الرسمية والمملة تتوالى، بدأ النبلاء فجأة في الهمس والاضطراب.
استغربت بلير من هذا التحول المفاجئ في الأجواء، ولم تعرف السبب إلا عندما رأت الشخص الذي تقدم تالياً.
لقد كان هيردين.
بعد ثلاث سنوات من الحادثة واعتزاله للناس، ظهر الدوق الشاب اليوم لأول مرة في محفل رسمي.
كان النبلاء يتهامسون وهم يشاهدون هيردين يتقدم نحو الإمبراطور.
“يا إلهي، اللورد الصغير.. أقصد الدوق قد جاء فعلاً، لم أتوقع حضوره المأدبة.”
“معكِ حق، لقد فوجئتُ حتى بحضوره للصيد والصلاة في الصباح.”
“على أي حال، هو الآن رب أسرة دلمارك، ألا يجب عليه إعادة بناء هيبة عائلته ليكون عوناً لجلالة الإمبراطورة؟ رغم أن ذلك لن يكون سهلاً.”
كانت كلماتهم تبدو وكأنهم يشفقون على هيردين الشاب، لكنها في الحقيقة لم تكن سوى مادة دسمة للقيل والقال.
راقبت بلير هيردين بقلب مضطرب وهي تستمع لحديثهم.
“أشعر بالفخر لاستقبال العام الجديد تحت حكم جلالتكم، أدعو الله أن يمنّ بفضله على الإمبراطورية في هذا العام أيضاً.”
كان هيردين، الذي وقف أمام الإمبراطور والنبلاء بصفته رب أسرة، لا يزال صغيراً، لكن هيبته لم تكن تقل عن أي رب أسرة آخر.
بل على العكس، كان يلمع أكثر بسبب صغر سنه.
ولكن، هل كان مجرد شعور من بلير أن مظهره وهو يؤدي دور رب الأسرة بكل ثبات يبدو هشاً وخطراً؟
استمرت عينا بلير في ملاحقة هيردين حتى بعد أن ألقى التحية وتراجع بسلام.
انتهت فقرة تقديم التهاني للعائلة الإمبراطورية وبدأت المأدبة.
وبينما كان النبلاء يجتمعون في مجموعات صغيرة لتبادل الحديث، بقي هيردين وحيداً في مكانه.
لم يقترب منه أحد، لكن أعينهم وألسنتهم التي لا تتوقف عن الهمس كانت موجهة نحوه.
“لورد دلمارك الصغير.. أقصد الدوق، يقولون إنه كان بجانب الدوق السابق عندما انتحر، أليس كذلك؟”
“يا إلهي! يا له من مسكين، إنه لأمر مذهل أنه لا يزال صامداً بعقل سليم.”
“إنه أمر مثير للإعجاب، ومن ناحية أخرى.. إنه قاسٍ جداً رغم صغر سنه.”
تحدث الجميع بصوت واحد عن المأساة التي حلت بعائلته وعن مستقبله، كانوا يشعرون بالأسى تجاه مأساة عائلة دلمارك ولكنهم يستمتعون بها في الوقت ذاته، وكانوا يخشونها أيضاً.
“ريتشل، لا تقتربي منه، ماذا لو فقد السيطرة فجأة مثل والده وحاول قتلنا جميعاً؟”
لو كانت إزميرالدا موجودة لما تجرأوا على الحديث بمثل هذه الوقاحة، لكن لسوء الحظ، لم تكن إزميرالدا بخير فغادرت مبكراً بعد تلقي التهاني.
بمعنى آخر، لم يكن لهيردين أي حليف في هذه القاعة.
نظرت بلير بقلق إلى هيردين الذي كان يستمع إلى ذلك الهمس بصمت.
هو يصمد بوجهه الهادئ المعتاد، لكن هل قلبه الذي يستمع لكل هذا بخير؟
سرعان ما فقد المتحدثون عن هيردين وعائلة دلمارك اهتمامهم وانتقلوا للموضوع التالي، وكأنهم ينتقلون للطبق التالي في وجبة الطعام.
لم يغادر هيردين المكان بهدوء إلا بعد أن انصرف اهتمام الناس عنه.
شعرت بلير بالقلق من مظهر هيردين وهو يغادر القاعة بعينين خاليتين، فتبعته إلى الحديقة الخلفية للقاعة.
بمجرد خروجها، لفحت ريح الشتاء الباردة وجنتيها.
كانت الحديقة الليلية المضاءة بأنوار خافتة هادئة، لو كان الفصل صيفاً لكانت ممتلئة بالناس الذين يستمتعون بالمأدبة، لكن الجو البارد جعلها خالية تماماً.
‘أين ذهب؟’
وبينما كانت بلير تلتفت باحثة عن هيردين، سمعت صوت أنين متألم من مكان ليس ببعيد.
التعليقات لهذا الفصل " 17"