الفصل 12 : خزانة الذكريات
*************
في اليوم التالي، لبّت بلير دعوة هيردين وأتت إلى مكتبه.
كان في المكتب هيردين ورجل في منتصف العمر لم تره من قبل في انتظارها. لم يكن من الصعب تخمين هوية ذلك الرجل.
بمجرد أن رأى الرجل بلير، انحنى لها باحترام شديد.
“أنا مارسيل، المنوم المغناطيسي. يشرفني جدا لقاؤكِ، يا سمو الأميرة. بل يجب أن أناديكِ الآن بلقب دوقة.”
تحدث مارسيل وهو ينظر بالتناوب إلى يد بلير وعينيها.
كان من المعتاد عند لقاء أفراد العائلة الإمبراطورية أو نساء النبلاء رفيعي المستوى أن يقبل الرجال ظهر أيديهن كدليل على الاحترام والتقدير.
وبالنسبة لها، وهي التي عاشت عشرين عاما كأميرة، كان هذا أمرا مألوفا وطبيعيا.
أدركت بلير ذلك ومدت يدها إليه.
ولكن في تلك اللحظة، نهض هيردين الذي كان يستند بظهره إلى مكتبه ومر بينهما قائلا:
“لدينا جدول أعمال تالٍ، فلنبدأ على الفور.”
أنزل المنوم المغناطيسي يده التي بقيت معلقة في الهواء بوقار مرتبك بعد أن اعترضه هيردين، وبدأ على الفور في التحضير لجلسة التنويم المغناطيسي.
جلست بلير على كرسي هزاز في زاوية من المكتب، وراقبت هيردين بعينين قلقتين.
كان هيردين واقفا في مكانه، ويبدو أنه ينوي مراقبة عملية التنويم المغناطيسي وهي تجري.
“هيردين. إذا كنت مشغولا، يمكنك الذهاب لمباشرة أعمالك وتركي هنا، لا بأس.”
“قيل لي إن الذين يستحضرون ذكريات يصعب تذكرها يعانون من الألم أحيانا. لذا، أليس من واجبي كزوج أن أبقى بجانبكِ؟”
عند سماع ذلك، اعتقد المنوم المغناطيسي أن الدوق يهتم بزوجته كثيرا، لكن بلير كانت تعلم الحقيقة.
فعلى عكس كلماته التي تبدي القلق، كانت عيناه الزرقاوان اللتان تحدقان بها ببرود تقولان:
‘كيف لي أن أصدقكِ؟’
أغمضت بلير عينيها وكأنها تمحو ذلك الصوت البارد من رأسها، ثم فتحتهما ببطء.
“أنا مستعدة. ابدأ يا مارسيل.”
انطفأت الأنوار التي كانت تضيء الغرفة المعتمة، وبدأ البندول المتدلي من يد المنوم المغناطيسي في الحركة.
تبعت عينا بلير حركة البندول وهي ترمش ببطء، ثم انغلقتا تماما.
ولم يعد يتردد في الغرفة الهادئة سوى صوت المنوم المغناطيسي المنخفض.
“أنتِ الآن تعودين إلى ذلك اليوم، قبل عشر سنوات، عندما اندلع الحريق في قصر الإمبراطورة. لا بد أنكِ كنتِ في العاشرة من عمركِ تقريبا. هل هذا صحيح؟”
“…… نعم، صحيح.”
كان صوت بلير وهي تجيب متمتما ببطء، وكأنها تتحدث وهي في غمار النوم.
بقي هيردين يراقب المشهد وهو يستند إلى حافة النافذة عاقدا ذراعيه.
“ماذا تفعلين الآن؟”
“أنا ذاهبة…… إلى قصر الإمبراطورة. بالسر من وراء أمي. فأمي تكره ذهابي إلى هناك.”
“إذن عليكِ الإسراع. لقد حان وقت وصولكِ تقريبا. هل وصلتِ؟”
“نعم……. الإمبراطورة ترحب بي.”
“ماذا تفعلين هناك الآن؟”
“أشرب الكاكاو الدافئ وأتحدث. وألعب الورق مع الخادمات أيضا.”
“ماذا يحدث بعد ذلك؟”
“يبدو أنني نمت.”
“افتحي عينيكِ ببطء. ماذا ترين؟”
عند سؤال المنوم المغناطيسي، تلاشت الابتسامة الخفيفة من وجه بلير الذي كان هادئا طوال الوقت.
“…… المكان مظلم.”
“يبدو أنها ليلة مظلمة جدا. ألا ترين أي شيء حولكِ؟”
“لا شيء. سوى فساتين…….”
“فساتين؟ أين أنتِ؟”
“…… يبدو أنني داخل خزانة الملابس.”
مع كلمات بلير، أصبحت نظرات هيردين حادة.
في وقت الحادث، كانت بلير ملقاة في ممر قصر الإمبراطورة، حيث وجدها الفرسان الذين أتوا لإنقاذ الإمبراطورة وقاموا بإخراجها.
وفي غرفة الإمبراطورة، وُجدت إزميرالدا وخادمتها ميتتين شنقا.
لم يكن أحد يعرف حقيقة ما حدث هناك في ذلك اليوم.
فالخادمات اللواتي كن يقمن في قصر الإمبراطورة في ذلك اليوم، نمت جميعا بعد شرب شاي يحتوي على منوم، ليرحلن بسلام مع القصر الذي التهمته النيران.
وكانت بلير هي الناجية الوحيدة من ذلك الحادث.
كانت ذكرى بلير تتوقف عند استيقاظها داخل خزانة ملابس قصر الإمبراطورة. كان ذلك كل شيء.
لم تكن تملك أي ذكرى منذ خروجها من الخزانة إلى الممر وحتى لحظة إنقاذها.
لذا، فإن البحث الحقيقي عن الذكريات سيبدأ من الآن.
أدرك المنوم المغناطيسي ذلك أيضا واعتدل في جلسته.
“ماذا تفعلين هناك؟”
“لا أعرف. لقد استيقظتُ فحسب لأجد نفسي داخل الخزانة…….”
“إذن، هل نخرج إلى الخارج؟”
بمجرد أن اقترح المنوم المغناطيسي ذلك، شهقت بلير بقوة. بدا عليها الرعب.
“…… لا يمكنني الخروج.”
“لماذا؟ هل الباب مغلق؟ أم أن هناك مشكلة أخرى؟”
“لا، لا أعرف. لا يمكنني الخروج. لا يجب…… أن أخرج.”
ضاقت المسافة بين حاجبي هيردين وهو يراقب بلير.
فلا بد أن حقيقة ذلك اليوم موجودة خلف باب الخزانة الذي لا تستطيع رؤيته.
“حسنا، ما رأيكِ في النظر قليلا من فرجة الباب فقط؟ لترَي ما يحدث في الخارج.”
“لا أريد أن أرى……. لا أريد الرؤية. أنا خائفة…….”
بدأت بلير في البكاء وهي تهز رأسها رفضا، وكأنها عادت طفلة في العاشرة من عمرها في ذلك الوقت.
“مهما كان هناك، ومهما حدث، فلن يصيبكِ أي مكروه. هيا، خذي نفسا عميقا.”
“نار، نار……. الدخان يدخل.”
بدأت بلير في السعال واللهاث وكأنها تستنشق الدخان حقا.
“إذن، لنخرج من الخزانة الآن. افتحي الباب.”
“الباب…… الباب لا يفتح.”
كان صوت بلير يلهث برعب شديد. فحاول المنوم المغناطيسي تهدئتها.
“أنتِ تستطيعين فتح ذلك الباب. سيفتح إذا أردتِ ذلك.”
في ذلك اليوم، عُثر على بلير في الممر.
وسواء ساعدها أحد أم خرجت بقوتها الخاصة، فلا بد أن باب الخزانة قد فُتح في النهاية.
كان من المرجح جدا أن اعتقاد بلير بعدم قدرتها على الخروج هو جدار من صنع عقلها الباطن.
لكن بلير استمرت في عدم القدرة على فتح الباب.
“آه……. لا أريد. لا أريد هذا……. أنقذوني. أنقذوني، أرجوكم. أنا أختنق…….”
في النهاية، بدأت تبكي وتتلوى بجسدها كله.
وقد غابت الدماء تماما عن وجهها الشاحب بالفعل.
عندها فقط، أدرك هيردين لماذا حاولت بلير إخراجه قبل بدء جلسة التنويم المغناطيسي.
“…… توقف.”
لكن المنوم المغناطيسي، وكأنه لم يسمع الكلمة، استمر في إجبار بلير.
“يجب أن تفتحي الباب. يجب أن تخرجي من ذلك الباب!”
“آه……. آه……. هأ…….”
أصبح نفس بلير أكثر تسارعا.
وكأنها ستفقد حياتها حقا.
كانت المرأة النحيلة ترتجف بشدة كغصن في مهب الريح.
بدا الأمر وكأنها ستموت فعلا لو استمر الوضع هكذا.
عند رؤية ذلك، سقط قلبه بين ضلوعه.
إذا كان هذا المشهد تمثيلا، فعلى هذه المرأة أن تصبح ممثلة في فرقة مسرحية، لا مجرد دوقة مملة.
نهض هيردين من مكانه بجانب النافذة وأمر المنوم المغناطيسي:
“…… أيقظها.”
“لقد اقتربنا من الهدف. يجب تجاوز هذا الجدار لإيقاظ الذكريات المدفونة في العقل الباطن.”
استمر المنوم المغناطيسي المستغرق في جلسته في الضغط على بلير، متجاهلا أمر هيردين.
“هيا، افتحي الباب. يجب أن تخرجي لكي تعيشي. هياـ”
أمسك هيردين بتلابيب المنوم المغناطيسي ورفعه للأعلى.
“قلت لك توقف وأيقظها!”
عندما واجه المنوم المغناطيسي عيني هيردين المليئتين بالرغبة في القتل، أدرك أخيرا أنه قد أثار غضبه وتجمد في مكانه.
“أ، أنا أعتذر. يا صاحب السمو.”
تركه هيردين وكأنه يلقي به، ثم اقترب من بلير.
“استيقظي يا بلير.”
احتضن بلير التي كانت لا تزال تلهث وكأن أنفاسها ستنقطع، وساعدها على الاعتدال.
عندها فتحت بلير عينيها فجأة وهي تنتحب وتتلوى من الألم. وفي الوقت نفسه، انهمرت الدموع التي كانت عالقة في عينيها.
“هأ……. هئ…….”
ولكن حتى بعد استيقاظها من التنويم المغناطيسي، كانت لا تزال عاجزة عن التنفس وكأنها محاصرة داخل النيران.
أما عيناها، فقد كانت مفتوحة فحسب دون أي تركيز.
بدأ هيردين في التربيت على ظهرها وهي ترتجف بشدة وهمس لها بصوت منخفض:
“تنفسي. ببطء.”
ومع لمسات يده التي كانت تمسح على ظهرها بهدوء، بدأت أنفاس بلير تستعيد استقرارها بنفس السرعة.
وعيناها اللتان كانتا غائبتين، بدأت تستعيد بريقها تدريجيا مع كل رمشة.
وأخيرا، عندما انعكست صورته بوضوح في عينيها الأرجوانيتين المبللتين بالدموع، تنهد هيردين تنهيدة خفيفة.
ترك المنوم المغناطيسي المذعور خلفه، وحمل بلير إلى غرفة نومها.
أجلس هيردين بلير على السرير وتفقدها مرة أخرى، ليرى ما إذا كانت صورته لا تزال تنعكس في عينيها.
وبعد أن تأكد من ذلك، نهض من مكانه.
“هيردين.” استوقف صوتها الملّح هيردين وهو يهم بالانصراف.
“قبل قليل في الذكرى، سمعت صوتا غامضا. سمعت شخصا يتحدث خارج الخزانة. لم أتمكن من سماع ما يقال لأن الصوت كان منخفضا، ولكن…….”
نظر إليها هيردين لبرهة متسائلا عما تقوله فور استعادتها لوعيها، ثم أطلق ضحكة ساخرة.
كانت المرأة تتحدث عن الذكرى التي رأتها في التنويم المغناطيسي قبل قليل.
رغم أنها كانت الشخص الذي اختار الموت داخل الخزانة في نهاية المطاف رغبة في الهروب من تلك الذكرى.
“ربما في جلسة التنويم القادمة، سأتمكن من الخروج…… من الخزانة. فالصوت الذي سمعته اليوم هو صوت لم أسمعه من قبل.”
شعر هيردين بغضب مفاجئ وهو يستمع إلى صوتها الهادئ الذي يتحدث عن المرة القادمة.
لقد كانت تبكي وكأنها ستموت قبل قليل، وكانت تلهث بصعوبة.
والآن، وهي لا تزال بعينين محمرتين لم تجف دموعهما بعد، تبدأ بالحديث عن ذلك الأمر، وهذا ما جعله يشعر بالذهول.
“هل هذا هو الشيء المهم الآن؟”
كان صوته يحاول كبح مشاعره قدر الإمكان، لكن البرود في عينيه كان واضحا.
إذن، ما هو الشيء الأكثر أهمية؟
رمشت بلير بعينيها وهي لا تفهم سبب غضبه.
“الغرض من استدعاء المنوم المغناطيسي هو إيقاظ الذكريات.”
فكرت بلير في سبب غضبه لبرهة، ثم خمنت السبب في النهاية.
لقد اعتقدت أنه غاضب لأنها لم تستطع الصمود واستيقظت، رغم أنها اقتربت أخيرا من حقيقة ذلك اليوم.
“سأحاول الصمود لفترة أطول في المرة القادمة. لن يكون هناك أي خلل في العقد، لذا لا تقلق كثيرا.”
تحدثت بهدوء، لكن يدها الصغيرة الموضوعة فوق اللحاف كانت لا تزال ترتجف.
لدرجة أنه كان بإمكانه رؤية ذلك بوضوح.
التعليقات لهذا الفصل " 12"