على أيّ حال، هي مجرّد زيارةٍ قصيرة، فبعد بضعة أشهر لا بُدّ أن أعود إلى العاصمة لأجل حفلة التّقديم إلى المجتمع.
“ألا يُمكنكِ المجيء معنا وحسب؟”
قال كالاد ببساطة، من دون أن يساعد الموقف بكلامه.
“ما زال عليّ البقاء هنا كي تُدار دار النّشر.”
رَفضتُ بحزمٍ لكن بابتسامةٍ صغيرة. فالبقاء في العاصمة ما زال أيسر من نواحٍ كثيرة، رغم وجود البوّابة وكرة الاتّصال.
أمّا قرار الانتقال الدّائم إلى الإقطاعيّة، فذلك أمرٌ مؤجَّل إلى حينه.
“لا تُطيلوا الكلام وغادروا.”
“أظنّ أنّه من الأفضل لو جئتَ معنا أنت أيضًا يا كايل…”
“أنا هنا أو هناك، الأمر سيّان. لا أريد أن أكرر ما قلتُه من قبل.”
لوَّح كايل بيده في الهواء وكأنّه يُطردهم بتبرّم، لكنّني لاحظتُ أنّ أليكسيس كان يحدّق فيه بنظرةٍ مشبعةٍ بالحنين والقلق.
ومع ذلك، بعد لحظاتٍ قليلة، عبر الجميع البوّابة وذهبوا إلى الإقطاعيّة.
“ها قد صار المكان أهدأ قليلًا.”
“بالفعل.”
والآن، بعد أن كان القصر يعجّ بالنّاس، لم يتبقَّ سوى نحن الاثنين، وساد صمتٌ غريب.
صحيح أنّنا لم نكن نلتقي كثيرًا رغم عيشنا معًا، لكن مجرّد فكرة البقاء معًا وحدنا جعلت الجوّ مختلفًا.
“هممم… بعد العشاء، إن لم يكن لديكِ ما تفعلينه، ما رأيكِ أن نلعب الشطرنج سويًّا؟”
“موافقة! بالتّأكيد أوافق.”
إنّه أمرٌ رائع.
سأتناول عشاءً شهيًّا، ثم ألعب الشطرنج مع كايل، وبعدها أعود لغرفتي لأقضي الليل أقرأ رواياتٍ كتبها آخرون غيري.
فقد بدأ أخيرًا يظهر في هذا العالم كُتّابٌ جيّدون وأعمالٌ جديدةٌ مثيرة.
ابتسمتُ له ابتسامةً مشرقة، بينما كان ينظر إليّ بدهشة.
الآن… أنا حرّةٌ بالكامل!
***
“بما أنّ لويس من العائلة الإمبراطوريّة، فالأجدر أن نُعطيه اهتمامًا خاصًّا.”
“وجيرارد أيضًا مبارز السّيف الإمبراطوريّ، لذا لا أظنّه أقلَّ شأنًا في أن يرتبط بـ’روز’.”
كان الحوار يدور في وليمةٍ صاخبةٍ بالضّحكات بين الملكة ريلين، والأميرة سيلينا، والأميرة روزابيل.
جلسنَ معًا لجمع الأخبار الواردة من حفلات الشّاي والتجمّعات الأرستقراطيّة ومناقشتها، وانضمّت إليهنّ هذه المرّة الإمبراطورة إينيت.
“ما رأيكِ أنتِ يا روزابيل؟”
“أ- أظنّ أنّ لويس هو الأفضل.”
تذكّرت سيلينا أنّ روزابيل كانت من قبل من أشدّ المؤيّدين لـ إدوين، لكن يبدو أنّها غيّرت رأيها منذ مدّة.
ولو نظر إليهنّ شخصٌ من بعيد لظنّ أنّه اجتماعٌ رفيع الذّوق والهيبة.
لكنّ حديثهنّ لم يكن سوى جدالٍ محتدم حول شخصيّاتٍ خياليّة في رواية!
“إنّه لأمرٌ مؤسف أن يُظلَم إدوين وجيرارد. ومع ذلك، ليس رأينا وحدنا، بل معظم شعب الإمبراطوريّة يتحدّثون عن الأمير الثّاني لويس.”
“الطّبيعي أن ينال الشّخص الجديد الاهتمام الأكبر. لكن بما أنّ لويس أمير، فهو غير صارمٍ في كلامه وأفعاله، ولا نعرف النّتيجة قبل أن نراها.”
لقد أصبح النّقاش محتدمًا حول أبطال الرّواية.
روزابيل كانت قد وقعت بالفعل في سحر لويس، بطل الجزء الثّالث.
بينما ظلّت سيلينا تفضّل جيرارد وحده، لما يمتلكه من قوّة وحنان معًا.
الإمبراطورة إينيت، الّتي كانت صامتة حتى الآن تحدثت.
“سمعتُ أنّ الكاتبة قد رقصت مع رايان ثلاث مرّات، أليس كذلك؟”
فأجابت سيلينا بسرعة:
“نعم، ولو تكرّر ذلك ثلاث مرّات فهذا يعني أنّه كان مهتمًّا بها فعلًا.”
كانت إينيت قد قرأت هي أيضًا الرّوايات الّتي أرسلتها لها الملكة ريلين، ووافقت على إقامة الحفل التنكّري بفضلها، لكنّها لم تُبدِ من قبل اهتمامًا حقيقيًّا بالتّفاصيل.
وما جعلها تنتبه الآن لم يكن القصّة بحدّ ذاتها، بل لأنّ بطلها كان ابنها الوحيد ووليّ العهد رايان!
“إقطاعيّة البارون فقيرةٌ من نواحٍ كثيرة… هذا مؤسف.”
لو كانت على الأقلّ إقطاعيّةً تابعةً لكونتٍ لكان الأمر مختلفًا.
تمتمت إينيت بهذه الكلمات وهي تحتسي رشفةً من النّبيذ.
فقالت الملكة ريلين:
“بما أنّ أميرة مملكة كريون رُفِضت من قِبَل رايان، فالأفضل أن نبحث له عن عروسٍ من داخل الإمبراطوريّة. وأرى أنّ الآنسة من عائلة مونتران تناسبه.”
فهي عائلةٌ عظيمة، صاحبة جمالٍ وعلمٍ ومكانة، وقد التقت أكثر من مرّة بوليّ العهد في القصر، وأُعجِب الجميع بانسجام حديثهما.
أومأت إينيت برأسها موافقةً.
“إذن فور انتهاء حفلة التّقديم، سنُعلِن الأمر رسميًّا.”
كانت قد سمحت لابنها بالمشاركة في الحفل التنكّري أثناء مهرجان التّأسيس، كفُسحةٍ صغيرةٍ من مسؤوليّاته الشّاقّة كوليّ للعهد.
لكنّها لم تتوقّع أن تكون كلّ اللّقطات الثّلاث التي صُوِّرت له مع الفتاة نفسها!
“لكن… يا صاحبة الجلالة، هل لي أن أعرف من أعجبكِ أكثر في الرّواية؟”
التعليقات لهذا الفصل " 38"