ألقيتُ نظرةً خاطفةً فبدا لي أنَّ السيدة ديانا و كاتارينا مشغولتان بالحديث عن المأدبة ، و لم يبدُ عليهما اهتمامٌ كبيرٌ بما يحدث هنا.
‘أشعر بالتوتُّر لسببٍ ما …’
ابتلعتُ ريقي و أنا أومئ برأسي لتيرنوكس.
في تلك اللحظة —
طاخ-
“!”
“أجل. لذا لا تفارقي جانبي و لو للحظةٍ واحدة. فالقصر الإمبراطوريُّ ليس مكانًا رومانسيًّا كما تظنين”
دفع جينوس تيرنوكس بعيدًا و أمسك بيدي ، ثمَّ أردف و هو يساعدني على صعود العربة.
و مع ذلك ، لم يوجِّه نظره نحوي أبدًا.
“كفف … أجل ، أنا أيضًا سأرافقكما كحارس ، لذا لا تقلقي كثيرًا”
تيرنوكس ، الذي دُفع للخلف فجأةً ، لم يبدُ عليه الانزعاج ، بل كان وجهه يوحي بأنَّه سيموت من الضحك.
تعمَّدتُ الضغط بقوَّةٍ على اليد التي تمسكني ، و حمَّلتُ كامل وزني عليها و أنا أصعد العربة.
قد لا يشعر جينوس بشيء ، لكنَّها كانت إيماءةً تحمل مشاعر استيائي.
و هكذا ، استقررتُ في مكاني داخل العربة.
و عندما صعد جينوس أيضًا ، امتلأت العربة الواسعة تمامًا.
حتَّى تيرنوكس ، الذي جلس بجانب السائق ، استقرَّ في مكانه.
“هيا!”
هييييينغ-!
مع صهيل الخيل ، بدأت العربة بالتحرُّك.
‘لقد بدأت الرحلة حقًا’
نصفُ قلق ، و نصفُ حماس.
كان قلبي المتَّجه نحو القصر الإمبراطوريِّ مشوشًا لسببٍ ما.
***
‘مذهل!’
لقد عزمتُ بالتأكيد ألَّا أتصرَّف كمبتدئة.
لكن بمجرَّد نزولي من العربة ، شعرتُ بالانبهار من فخامة القصر الإمبراطوريِّ التي خطفت أنفاسي …!
تحت الثريَّات الضخمة التي تتألَّق دون توقُّف —
كانت الأعمدة و الأرضيَّات مكوَّنةً بالكامل من الرخام الثمين ، و فوقها نُقشت زخارفٌ رقيقةٌ و فاخرةٌ بماء الذهب.
‘هل كلُّ هذا ذهبٌ حقيقيّ؟’
بما أنَّه القصر الإمبراطوريُّ ، فلا بدَّ أنَّه كذلك ، أليس كذلك؟
“… فمكِ”
بينما كنتُ أتجوَّل بنظري يمينًا و شمالًا و فمي مفتوحٌ من الدهشة ، قام جينوس الواقف بجانبي بلطفٍ برفع ذقني ليغلق فمي.
بما أنَّ الجميع ارتدى الأقنعة أثناء الانتقال بالعربة ، كان جينوس يرتدي قناعًا أحمر يغطِّي نصف الوجه بتصميمٍ مشابهٍ لقناعي.
لهذا السبب ، لم تكن تعابير وجهه واضحةً تمامًا ، لكنَّ لمسته كانت رقيقةً بلا شك.
“كحم كحم … لكنَّني لم أرَ مشهدًا كهذا طوال حياتي”
هززتُ كتفي و أشرتُ بذقني نحو الأمام بخفَّة.
يبدو أنَّني لم أكن الوحيدة ، فالحاضرات الصغيرات اللواتي بدين و كأنَّهنَّ يحضرن المأدبة للمرَّة الأولى كنَّ يدخلن و هنَّ يدرن رؤوسهنَّ باستمرار.
‘لكن بما أنَّني الدوقة ، يجب أن أحافظ على وقاري’
بينما كنتُ أعدِّل قناعي و أتنحنح دون سبب ، ضحكت السيدة ديانا بخفَّة.
“قد يحدث هذا في المرَّة الأولى. القصر الإمبراطوريُّ يبدو جديدًا في كلِّ مرَّةٍ آتي فيها. يبدو أنَّه يزداد فخامةً يومًا بعد يوم”
خلف القناع ، بدت عيناها الزرقاوان الحكيمتان حادَّتين لسببٍ ما.
في تلك اللحظة ، انحنى الخادم الذي تحقَّق من بطاقة الدعوة عند الباب و قال: “تمَّ التأكُّد. تفضَّلوا بالدخول”
أوه ، و أخيرًا …
ابتلعتُ ريقي و بدأتُ بالمشي.
كانت قاعة مأدبة القصر الإمبراطوريِّ الضخمة التي انفتحت أمام عينيَّ عالمًا آخر تمامًا.
و لكن …
بمجرَّد ظهورنا ، ساد صمتٌ مفاجئٌ في تلك القاعة الكبيرة.
رغم أنَّ الداخل كان مزدحمًا جدًا لأنَّنا دخلنا في وقتٍ متأخِّرٍ نسبيًّا ، إلَّا أنَّ المكان أصبح هادئًا كالمقابر في لحظة.
انتابتني القشعريرة دون سبب. هل يعقل أنَّهم تعرَّفوا علينا؟
‘لكننا نرتدي الأقنعة ، فكيف؟’
بينما كنتُ على وشك الشعور بالارتباك —
“لا تتوتَّري”
مدَّ جينوس يده بخفَّة ، بينما كان لا يزال يثبِّت نظره للأمام.
أمسكتُ بيده بحذر و أكملتُ المشي ، و حينها فقط اندلعت صيحات الإعجاب من كلِّ مكان.
“يا إلهي ، مَن يكون هؤلاء؟”
“انظروا إلى حجم تلك الجواهر. من الواضح أنَّها عائلةٌ تمتلك ثروةً طائلة”
“و ماذا عن ذلك الفستان! إنَّه من المجموعة الجديدة! لقد قيل بالتأكيد إنَّه نفد من الأسواق …”
كان الجميع يتهامسون بشدَّةٍ لدرجة أنَّني فقدتُ تركيزي رغم أنَّني كنتُ أمشي و أنظر للأمام فقط.
هل يعقل أنَّني ضغطتُ على يده من شدَّة التوتُّر؟
قام جينوس بمسح ظهر يدي بإبهامه برقة.
شعرتُ و كأنَّه يخبرني أنَّ كلَّ شيءٍ سيكون بخير ، لذا استجمعتُ شتات نفسي و فردتُ كتفيَّ.
على أيِّ حال ، أردتُ أن أبدو واثقةً من نفسي.
بعد ذلك ، دخلت السيدة ديانا ثمَّ كاتارينا على التوالي.
تلا ذلك ما يشبه العرض العسكريَّ الصغير.
“هااااا …”
استقررنا بجانب منصَّة العرش التي كانت لا تزال فارغة.
فتحتُ مروحتي بسرعة مثل بقيَّة السيدات خوفًا من أن يكتشف أحدٌ أنَّ طاقتي قد استُنزفت ، و شعرتُ حينها فقط أنَّني استعدتُ أنفاسي.
و على أيِّ حال …
‘الجميع يرتدون ملابس فاخرةً للغاية!’
يبدو أنَّ مظهري لم يكن مبالغًا فيه أبدًا!
شعرتُ حقًا و كأنَّني خطوتُ أوَّل خطواتي في المجتمع الراقي.
بسبب شعوري بالغرابة ، ظلَّ جسدي يتصلَّب باستمرار.
في تلك اللحظة ، جاءني صوتٌ حذر.
“معذرة ، هل أنتِ … الآنسة رينيه؟”
هذا الصوت هو!
“الآنسة ليليان؟”
“نعم ، هذا صحيح!”
رأيتُ صديقاتي اللواتي كوَّنتُ معهنَّ علاقةً في مقاطعة سيليست. يبدو أنَّ الآنسات الثلاث قد دخلن أوَّلًا و كنَّ يتبادلن الأحاديث.
يا إلهي ، لا أصدِّق مدى سعادتي برؤيتهنَّ!
“الآنسة جولي ، و الآنسة سيرينا أيضًا! كيف حالكنَّ؟”
“بخير بالطبع!”
بسبب سعادتي ، بدأتُ أقفز في مكاني دون وعي ، فسمعتُ جينوس الواقف بجانبي يطلق ضحكة ساخرة.
‘تشه. فلتفعل ما تشاء’
يبدو أنَّ الدوق الواقف بجانبي لم يكن من الممكن إخفاؤه ، فانحنت الآنسات بوضعيَّة ‘الكيرتسي’.
“سـ-سمو الدوق …”
“كفى سلامًا. هل نسيتنَّ أنَّ هذه حفلة تنكُّريَّة؟”
طقطق الدوق على قناعه ثمَّ صمت.
ها قد عاد لتصرُّفاته تلك مرَّةً أخرى!
تجاهلتُ جينوس ببساطة و هرعتُ نحو الآنسات.
تحدَّثت ليليان ، التي كانت ترتدي فستانًا بلونٍ أخضر فاتح ، بإعجابٍ مستمرّ: “سمو الدوقة ، كنتُ أعلم أنَّكِ جميلة ، لكنَّكِ اليوم مميَّزةٌ حقًا!”
“هذا صحيح! هل لاحظتِ كيف حبس الجميع أنفاسهم و هم يراقبون دخولكِ مع سمو الدوق؟”
بعد ذلك ، وافقت سيرينا على كلام ليليان و غطَّت فمها و هي تضحك بخفَّة.
“نعم … لكن كيف عرفتنَّني؟ عندما ساد الصمت في القاعة أثناء دخولنا ، ظننتُ أنَّ قناعي قد سقط”
“ممم ، هالة شخصٍ مثل سمو الدوق لا يمكن إخفاؤها بسهولةٍ حتَّى بالقناع”
“في الحقيقة ، لم نتعرَّف عليكما فورًا … بل صُدمنا أوَّلًا بظهور ثنائيٍّ مثاليٍّ للغاية”
ماذا؟ رغم أنَّهم لم يتعرَّفوا علينا ، فقد صُدم الجميع هكذا؟
‘سيُصدم الجميع عندما يعلمون أنَّ ذلك الرجل هو دوق الشمال …’
تخيَّلتُ بالفعل مشهد منتصف الليل عندما سيخلع الجميع أقنعتهم.
“أجل ، أجل! شعرتُ و كأنَّني في حلم. ظهور شخصين يتألَّقان تحت الثريَّات … كان مجرَّد النظر إليكما يسحر الألباب!”
أمسكت جولي بوجنتيها و بدت و كأنَّها لا تعرف ماذا تفعل من شدَّة التأثُّر.
حقًا ، إنَّها فتاةٌ تحبُّ الرومانسية كما هو متوقَّع.
“هوهو …”
كحم ، كنتُ أشعر ببعض الخجل فأخذتُ أحرِّك مروحتي فحسب.
“سمو وليِّ العهد يدخل الآن!”
يبدو أنَّ النبلاء قد انتهوا جميعًا من الدخول ، فبدأ ظهور أفراد العائلة الإمبراطورية.
“ماذا؟ رغم أنَّها مأدبة تنكُّريَّة ، هل يُسمح بمناداة الأسماء هكذا؟”
“يبدو أنَّ أفراد العائلة الإمبراطورية يحافظون على المظاهر فحسب. بما أنَّ نمط مأدبة الميلاد قد تغيَّر فجأة ، فلا بدَّ من وجود مثل هذه الثغرات. لا تهتمِّي كثيرًا”
فهمت. إذن وليُّ العهد لن يستفيد شيئًا من ارتداء القناع.
جينوس ، الذي حلَّ تساؤلي بسهولة ، أدار رأسه نحو الباب.
ساد الهدوء مرَّةً أخرى في تلك القاعة الكبيرة.
و دخل رجلٌ ببطءٍ إلى القاعة و هو يرتدي ابتسامةً خفيفة ، و كأنَّه معتادٌ على تسليط الأضواء عليه.
خلف زيِّه العسكريِّ الرائع الذي يجمع بين اللونين الأبيض و الذهبي ، كانت ترفرف عباءةٌ ذهبيَّةٌ مطرَّزةٌ بفخامة.
لوَّح بيده يمينًا و شمالًا بتصرُّفٍ طبيعي ، فاندلعت صيحات الإعجاب من كلِّ مكان.
“العيون الذهبية المتألِّقة المميَّزة للعائلة الإمبراطورية لا يمكن إخفاؤها حتَّى لو حاولوا!”
“يا إلهي … سمو وليِّ العهد وسيمٌ كالعادة اليوم!”
كانت جولي الواقفة بجانبي على وشك الإغماء.
بالطبع ، أنا أيضًا كنتُ أحاول جاهدةً استراق النظر لمشاهدته.
لكن كان هناك عائقٌ لم أكن قد فكَّرتُ فيه.
‘آه! لأنَّها مأدبة تنكُّريَّة ، لا يمكنني رؤية وجهه!’
إذن كيف يبدو شكله؟ دعوني أشاهد الرجل الوسيم المشهور في الإمبراطورية!
و في هذه الأثناء ، كانت رؤيتي ، و أنا قصيرة القامة حتَّى مع ارتداء الحذاء ، لا تظهر لي سوى مؤخِّرات رؤوس الناس.
رغم أنَّ وليَّ العهد كان أطول من الآخرين برأسٍ تقريبًا ، إلَّا أنَّ المسافة كانت بعيدة ، فكان لا يظهر لي سوى شعره الأشقر البلاتيني بين الحين و الآخر.
“… هل تريدين أن أحملكِ على كتفيَّ؟”
قال جينوس و هو يعقد ذراعيه بذهول.
“لماذا تفتعل مشكلةً مرَّةً أخرى؟”
“ما الفائدة من النظر لشخصٍ مثل وليِّ العهد”
كان يتفوَّه بكلماتٍ وقحةٍ بصوتٍ عكر.
فوجَّهتُ له توبيخًا حادًّا: “أوه. هذا غير لائق! رغَم أنَّه بطل اليوم ، لا يجب أن تتحدَّث عنه هكذا”
“عندما تتركين زوجكِ الواقف أمامكِ و تنشغلين برجلٍ آخر ، فمن الطبيعي ألَّا تخرج مني كلماتٌ طيَّبة”
تشه. أصدر جينوس صوت استهجانٍ بأنفه و أدار رأسه بعيدًا.
تسبَّبت كلماته تلك في احمرار وجهي بشدَّة.
‘مـ-ماذا. هل تغار من شيءٍ كهذا؟ هذه أوَّل مأدبةٍ لي ، فلتسامحني قليلًا!’
لكن للأسف ، بينما كنتُ أتجادل معه ، انتهى دخول وليِّ العهد بالفعل.
صعد وليُّ العهد إلى المنصَّة و جلس على كرسيٍّ بجانب العرش المركزي ، كان أصغر قليلًا لكنَّه لا يقلُّ عنه فخامة.
بل عندما جلس ، أصبح أقرب للجهة التي نقف فيها فبدا أوضح.
“أووه …”
هيئةٌ تفيض بالوقار لمجرَّد جلوسه باستقامة.
كان حقًا يليق بكونه وليَّ عهد إمبراطورية.
“… هل سيُثقب وليُّ العهد لمجرَّد أنَّكِ تنظرين إليه هكذا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 76"