بعدَ فترةٍ وجيزةٍ ، فُتحَ بابُ الكوخِ و ظهرتْ بيتي مجددًا و هي تحملُ صينيةً.
“لقد أعددتُ وجبةَ الإفطارِ مرةً أخرى”
“شكرًا لكِ …”
منذُ قليلٍ ، عندما حدثتْ فوضى الحطبِ (؟)—
بسببِ تدحرجي على الأرضِ الموحلةِ ، اتسختْ ثيابي و شعري اللذانِ غيرتهما للتوِّ في الصباحِ.
بدأتْ بيتي تلقي عليَّ التوبيخاتِ بأسلوبٍ غيرِ مباشرٍ ، ملمحةً إلى أنَّها لم تَرَ موقفًا غريبًا كهذا من قبلُ ، ثُمَّ قامتْ بتسخينِ الماءِ و غسلي بقوةٍ في وقتٍ قصيرٍ.
بما أنَّ هذهِ هي المرةُ الأولى التي أتعرضُ فيها لـ ‘عمليةِ غسلٍ’ دقيقةٍ كهذهِ من قِبَلِ شخصٍ ما و أنا بالغةٌ ، فقد شعرتُ بالخزيِّ للمرةِ الثانيةِ اليومَ بعدَ سقوطي على مؤخرتي أثناءَ محاولةِ استخدامِ الفأسِ …
لكنَّ بيتي كانتْ قد عادتْ لتكونَ تلكَ الخادمةَ الصامتةَ و كأنَّ شيئًا لم يكنْ.
‘… حسنًا ، استمتعي بالأمرِ فحسب’
من ذا الذي يستطيعُ هزيمةَ شخصٍ يستمتعُ بما يفعلُ؟
علاوةً على ذلكَ ، فإنَّ غمرَ جسدي بالماءِ الدافئِ و وضعَ الزيوتِ العطريةِ ذاتِ الرائحةِ الجميلةِ كانَ رفاهيةً لا توصفُ.
بمجردِ أن فكرتُ في أنَّ الأمورَ الجيدةَ تظلُّ جيدةً ، شعرتُ براحةٍ أكبرَ.
و ها هي وجبةُ الإفطارِ قد وُضعتْ مجددًا.
‘الطعامُ!’
عندما فتحتُ الغطاءَ الفضيَّ الموضوعَ فوقَ الصينيةِ ، استقبلتني اليومَ أيضًا سلطةٌ تبدو شهيةً.
و بجانبها بعضُ حباتِ الطماطمِ الصغيرةِ ، و الشوفانِ ، و قليلٌ من لحمِ البطِّ المشويِّ ، و حتى بيضةٌ مقليةٌ جميلةٌ بصفارٍ مكشوفٍ.
لقد كانتْ وجبةً صحيّةً مثاليّةً و متوازنةً.
بما أنَّ أحدَ أسبابِ وفاتي في حياتي السابقةِ ربّما كانَ عاداتي الغذائيةَ السيئةَ بعدَ الشربِ و النومِ ، فقد كنتُ مهتمةً بهذا الأمرِ ، و هنا زالَ ذلكَ القلقُ.
‘تبدو لذيذةً’
بينما كنتُ أرمشُ بعينيَّ و أرفعُ الشوكةَ ، لاحظتُ أنَّ بيتي الواقفةَ بجانبي كانتْ ترتجفُ لسببٍ ما.
و بمناسبةِ الحديثِ عن ذلكَ ، رأيتُ بلوراتِ الثلجِ متراكمةً فوقَ شعرِها البنيِّ و كتفيها.
شعرتُ ببعضِ الذنبِ ، فبدلًا من البدءِ بالأكلِ ، نهضتُ من مكاني و نفضتُ الثلجَ عن كتفي بيتي و قلتُ.
لذا ، قبلَ بضعةِ أيامٍ ، سألتُ بيتي إذا كانَ بإمكانِها إحضارُ شيءٍ لأقرأَهُ ، فأخبرتني بوجودِ مكتبةٍ في القلعةِ الرئيسيةِ.
لكنَّها قالتْ إنَّها كانتْ مهجورةً لفترةٍ طويلةٍ و تحتاجُ لتنظيفِها من الداخلِ …
“أجل. هل انتهى التنظيفُ؟”
“الأمرُ هو … في الحقيقةِ ، لا توجدُ أيدٍ عاملةٌ فائضةٌ في قلعةِ الدوقِ الآنَ. الـ … الجميعُ مشغولونُ حقًّا ، و أنا أيضًا …”
“حقًّا؟”
“نعم. لذا يبدو أنَّهُ سيكونُ من الصعبِ عليكِ استخدامُها في الوقتِ الحاليِّ”
“مـمـم”
التقطتُ حبةَ طماطمٍ بالشوكةِ و وضعتُها في فمي.
انفجرَ العصيرُ المنعشُ داخلَ فمي.
“إذن سأنظفُها أنا”
“… نعم؟”
“ما الصعبُ في ذلكَ؟ هل يمكنني الذهابُ بعدَ الانتهاءِ من الإفطارِ؟”
“سيدتي ستقومُ بالتنظيفِ بنفسِها؟ بهذا الجسدِ الرقيقِ؟ يا إلهي! ذراعُكِ قد تسقطُ بمجردِ حملِ منفضةِ الغبارِ!”
“……”
… بماذا تظنّني هذهِ الفتاةُ حقًّا؟
“بالطبعِ … سيدتي هي مَن قامتْ بتجميلِ هذا المكانِ بشكلٍ رائعٍ خلالَ أسبوعٍ واحدٍ بهذا الجسدِ الصغيرِ. لقد شعرتُ بالدهشةِ حقًّا و أنا أختلسُ النظرَ إليكِ بينَ الحينِ و الآخرِ …”
“أنتِ تختلسينَ النظرَ؟”
“آه ، لا ، لا! لستُ كذلكَ! أنا مجردُ خادمةٍ يجبُ أن أكونَ يدَ سيدتي و قدمَها … لـ … لذا … على أيِّ حالٍ ، يجبُ أن تحذري من الفأسِ …!”
“ما حدثَ قبلَ قليلٍ … كانَ فقط لأنَّ الفأسَ ثقيلٌ”
“يمكنني حملهُ بيدٍ واحدةٍ”
“……”
تبًّا ، لقد هزمتني عضلاتُ حياتِها اليوميّةِ.
في المستقبلِ ، عندما أبدأُ بالعملِ في الحديقةِ ، ألن أتمكنَ من التخلصِ من هاتينِ الذراعينِ اللتينِ تشبهانِ أغصانَ الأشجارِ الجافةِ يومًا ما ، حتى و إن لم أصلْ لمستوى بيتي؟
في الواقعِ ، ألم أحولْ هذا الكوخَ لشيءٍ لائقٍ بيديَّ خلالَ أسبوعٍ واحدٍ؟
لذا ربّما يمكنني القيامُ بتنظيفِ المكتبةِ بشكلٍ جيدٍ أيضًا؟
الأمرُ يختلفُ عن تقطيعِ الحطبِ.
بينما كنتُ أحاولُ الإلحاحَ على بيتي مجددًا لعدمِ معرفتي للاستسلامِ—
سبقتني بيتي التي كانتْ تفتحُ فمَها و تغلقهُ باستمرارٍ.
“القلعةُ الرئيسيةُ … ألا يمكنكِ ألا تذهبي إليها؟”
“لماذا؟”
“هذا ، حتى لو سألتِ … مـمـم ، كيفَ يمكنني قولُ ذلكَ …”
بدَا و كأنَّ بيتي تبذلُ قصارى جهدِها و تتحدثُ بلفٍ و دورانٍ لكي لا تجرحَ مشاعري.
“يمكنكِ التحدثُ بصدقٍ. لماذا …”
“لا تسألي عن السببِ! على أيِّ حالٍ ، أنا أقولُ هذا لمصلحتكِ يا سيدتي. أظنُّ أنَّهُ من الأفضلِ ألا تذهبي للقلعةِ الرئيسيةِ”
بدَا أنَّ بيتي تجدُ حرجًا كبيرًا في الإجابةِ.
أومأتُ برأسي و كأنَّني فهمتُ و سألتُ.
“فهمتُ … إذن هل يمكنني تقطيعُ الحطبِ؟”
“……”
تغيرتْ تعبيراتُ وجهِ بيتي ، التي كانتْ تراقبني قبلَ قليلٍ ، لتصبحَ شرسةً في لحظةٍ واحدةٍ.
وجهُ بيتي اللطيفُ و جسدُها الصغيرُ يذكراني بكلبِ ‘المالتيز’ ، لكنَّ هيبتَها الآنَ لا تقلُّ عن هيبةِ ‘سيربيروس’.
سألتُ مجددًا و أنا أشعرُ بقطراتِ العرقِ تتصببُ منّي.
“و هذا أيضًا لا يجوزُ؟”
“بالطبعِ لا يجوزُ! أيُّ دوقةٍ في هذا العالمِ تفعلُ ذلكَ …!”
“و لكنْ لا يوجدُ شيءٌ ممتعٌ غيرُ ذلكَ …”
“… لا ، لا يجوزُ. حتى لو نظرتِ إليَّ بتلكَ النظرةِ التي تشبهُ نظرةَ الأرانبِ! أـ … أنا …”
“؟”
أرنبٌ …؟ أنا …؟
لم أرغبْ حقًّا في تخيلِ شكلي كما تراهُ بيتي الآنَ …
و لكن ، بما أنَّهُ لا يوجدُ شيءٌ لأفعلهُ حاليًّا سوى تقطيعِ الحطبِ ، فمنَ المؤكدِ أنَّ يومي سيكونُ مملًّا إذا حُرِمتُ منهُ أيضًا.
سيكونُ من الرائعِ لو نظفتُ المكتبةَ و قرأتُ الكتبَ.
لماذا ترفضُ ذهابي للقلعةِ الرئيسيةِ إلى هذا الحدِّ؟
هل هو بسببِ ذلكَ الرجلِ ذي القامةِ الضخمةِ و الصدرِ العريضِ ، الذي طلبَ منّي ألّا ألفتَ نظرهُ؟
“الأمرُ يتعلقُ بالدوقِ ، أليسَ كذلكَ؟ أنتِ تخافينَ أن ألفتَ نظرهُ. هل سيتمُّ توبيخُكِ يا بيتي إن حدثَ ذلكَ؟”
“……”
“إذن لن أذهبَ”
أجل. لا يمكنني أن أجعلَ بيتي في موقفٍ محرجٍ بسببي.
يمكنني البحثُ عن متعةٍ أخرى.
بينما كنتُ أفكرُ في تغييرِ خطتي قائلةً: ‘ربّما أصعدُ ذلكَ الجبلَ الخلفيَّ في هذهِ الأثناءِ …’
التعليقات لهذا الفصل " 4"