في الممرات الخلفية للقصر، حيث يتسلل ضوء النهار الشاحب ليرسم ظلالاً باهتة على الجدران، كانت ريشي تمضي بخطىً متسارعة يسكنها الارتباك.
كانت تحتضن سلة صغيرة، تحمي محتواها بوشاح حريري وكأنها تخبئ سرًا ثمينًا لوالدتها “مارتا”.
سحرتها الزخارف الذهبية التي تلتف حول الأعمدة بترفٍ أخّاذ.
فتاهت عيناها في تأمل ذلك البذخ، ولم تدرك أنها على وشك الاصطدام بقدَرها خلف تلك الزاوية الحادة.
“آه!”
انطلقت الشهقة من أعماقها حين ارتطمت بجسدٍ لم يكن بشري الليونة، بل كان صلباً كصخرة عتيدة نُحتت من رخام القصر.
سقطت السلة من يدها، وتناثرت محتوياتها بضجيجٍ كسر صمت المكان.
في تلك اللحظة، شعرت ريشي ببرودة مفاجئة تغزو الممر، وكأن الشتاء قد قرر أن يسكن بين تلك الجدران فجأة.
رفعت رأسها ببطءٍ يشوبه الخوف، لتصطدم عيناها بنظراتٍ حادة، عميقة، بلون البحر في أوج عواصفه.
كان هو.. الدوق “أريوس”. وقف بشموخٍ يطاول السقف، مرتدياً بدلة سوداء قاتمة كليلٍ لا فجر له، بملامح مرسومة ببرودٍ جليدي لا يعرف الهوادة.
تأمل الدوق الفتاة التي كانت تنتفض أمامه كعصفورٍ مبلل، ثم رمق الفوضى عند قدميه بنظرة متعالية، دون أن يحرك ساكناً للمساعدة.
وبصوتٍ رخيم، له صدىً في الصدر لكنه خالٍ من حرارة الروح، قال:
“أضاق بكِ اتساع هذا القصر، أم أنكِ اعتدتِ السير وعيناكِ معلقتان في السحاب؟”
تبعثرت الكلمات في حنجرة ريشي، وحاولت جاهدةً لملمة شتات نفسها وهي تنحني بذعر لتجمع ما سقط:
“أعتذر.. سيدي الدوق.. لم أكن أقصد.. أنا فقط..”
قاطعها ببرودٍ حاد كالشفرة:
“احرصي في المرة القادمة ألا تطأ قدماكِ ممرات الجناح الخاص.”
استدار ليرحل بخطواته العسكرية الواثقة التي كانت تترك أثراً من الرهبة في الرخام، لكن شيئاً ما جعله يتسمر مكانه.
لمح وميضاً غريباً انبعث من تحت ثوبها حين انحنت؛ خيطاً ذهبياً رفيعاً تدلت منه قلادة استقرت للحظة على الأرض.
قبل أن تواريها يد ريشي المرتجفة بسرعةٍ مريبة.
في تلك الثانية، شعر الدوق بوخزةٍ مجهولة المصدر في أعماق صدره .
التفت نحوها نصف التفاتة، وقال بنبرة خفتت حدتها لكن زاد غموضها:
“ارفعي رأسكِ حين أخاطبكِ..”
تمتمت بصوتٍ مخنوق:
“ن.. نعم سيدي، أعتذر بشدة، لن أعود لهذا الممر مجدداً.”
نظر إليها طويلاً، بنظرة فاحصة.
ثم غادر تاركاً خلفه رائحة خشب الصندل والوقار الطاغي، بينما بقيت ريشي في مكانها، تسمع دقات قلبها وهي تقرع صدرها بعنف.
رحل أريوس، لكن صورته ظلت محفورة في ذاكرة ريشي؛ تلك الملامح التي نُحتت بقسوة الصوان، والعينان اللتان سلبتا منها الهواء.
أما هو، فرغم قناعه الجليدي، كان ثمة اضطراب غريب يجتاح كيانه.
توقف في نهاية الممر المظلم، ووضع يده على موضع قلبه، متفحصاً تلك النبضات التي خانت هدوءه لأول مرة.
“تلك العينان..”
همس لنفسه بصوتٍ خافت ابتلعه السكون.
لم تكن مجرد عامية فقيرة..
كان في نظراتها حزنٌ عتيق، لغزٌ لا ينتمي لهذا المكان.
وتلك القلادة.. لم تكن يوماً حليّة ترتديها عامة الناس، لكنه آثر الصمت وتجاهل حدسه.
عاد أريوس إلى مكتبه، لكن الحروف في أوراقه بدت كأشباحٍ لا معنى لها.
كانت صورة ريشي وهي ترتجف أمامه تطارده، وشعر لأول مرة أن قلبه الذي ظنه قطعة من جليد، بدأ يستشعر “حرارة” مجهولة..
حرارة بدأت تذيب بصمتٍ ذلك الصقيع الذي غلّف حياته لسنواتٍ طوال.
التعليقات لهذا الفصل " 6"