لكن علامات القلق كانت واضحة على وجهه المحفور عليه الزمن.
لم تكن هذه مجرد فارسة مبتدئة ، بل هي أميرة فالدوريا وزمرّدتها النادرة
وأي مكروه يصيبها سيكون كارثة على المملكة.
تقدم نحوها بخطوات رزينة، وأشار بيده إلى الجواد الأسود الشامخ “رعد”
الذي كان يزفر بشدة ويضرب الأرض بحافره ، معلناً عن كبريائه وعنفوانه.
قال المعلم بنبرة صوت خفيضة سادها الحرص البالغ:
“سمو الأميرة.. هذا الجواد، ‘رعد’، هو من أنبل الخيول الإمبراطورية، ولكنه أيضاً أشدها جموحاً. الدوق آريوس اختاره لكِ لثقته بقوة إرادتكِ، ولكنني، بصفتي معلمكِ، واجبي الأول هو الحفاظ على سلامتكِ. ركوب الخيل ليس مجرد مهارة، بل هو لغة تواصل تعتمد على الثقة المتبادلة، و’رعد’ لا يمنح ثقته بسهولة.”
نظرت ريشيليا إلى الجواد بهيبة وإعجاب ، وشعرت برهبة أولية من طول قامته وعضلاته المفتولة.
التفتت إلى المعلم وقالت بصوت هادئ ومستقر:
“أفهم قلقك يا معلم ، ولكنني جئت هنا لأتعلم، ولأثبت للدوق آريوس ولنفسي أنني قادرة على مجاراته. أخبرني، كيف أبدأ؟”
أخذ المعلم نفساً عميقاً، وبدأ بتقديم نصائحه الذهبية.
وعيناه تراقبان كل حركة للجواد:
“أولاً وقبل كل شيء، الخيل تشعر بمشاعركِ. إذا كنتِ خائفة، سيشعر هو بالخوف والتوتر. عليكِ أن تكوني هادئة وواثقة، ولكن دون تكبر. اقتربي منه ببطء، من جهة الكتف اليسرى، ولا تنظري مباشرة في عينيه في البداية، فهذا يعتبر تحدياً بالنسبة له.”
تابعت ريشيليا تعليماته بدقة، وتقدمت ببطء نحو “رعد”.
أصدر الجواد صهيلاً خفيضاً وتراجع خطوة، فثبتت ريشيليا في مكانها.
وتذكرت نصيحة والدتها عن “الثبات الهادئ”.
أكمل المعلم نصائحه بحرص شديد:
“الآن، مدي يدكِ ببطء، واجعليه يشم رائحتكِ. دعي كفكِ مفتوحة ليرى أنكِ لا تحملين شراً. إذا قبل بوجودكِ، امسحي برفق على عنقه وجبهته. تحدثي إليه بنبرة صوت هادئة وناعمة، فالخيل تفهم لغة العاطفة.”
وضعت ريشيليا يدها برفق على جبهة “رعد”، وشعرت بنبضاته السريعة تحت كفها.
همست له بكلمات ناعمة ، فهدأ الجواد قليلاً واستسلم لمسحتها.
قال المعلم بابتسامة نادرة ارتسمت على وجهه الصارم:
“لقد قبل بكِ يا سمو الأميرة. هذه علامة جيدة جداً. الآن، سننتقل للمرحلة التالية، وهي الاعتلاء. تذكري، حركة واحدة خاطئة، أو تسرع غير مدروس، قد يؤدي إلى سقوطكِ وإصابتكِ. عليكِ أن تكوني حذرة جداً، وأن تتبعي تعليماتي بحذافيرها.”
ساعدها المعلم بوضع قدمها في الركاب، وأمسك برأس “رعد” بإحكام.
“الآن، اجلسي باستقامة ، وأرخي كتفيكِ. لا تشدي الأعنة بقوة، بل اجعليها مرتخية قليلاً. ساقاكِ يجب أن تكونا قريبتين من بطنه، ولكن دون ضغط قوي. تذكري، ‘رعد’ سيستجيب لأدنى حركة من جسدكِ، لذا كوني واضحة في أوامركِ.”
بدأت ريشيليا جولتها الأولى ببطء حول الميدان، والمعلم يسير بجانبها
و يقدم لها النصائح والتصحيحات باستمرار.
كانت تشعر بتوتر أولي ، ولكن مع كل خطوة، بدأت تتناغم مع حركة الجواد، وتشعر بثقة متزايدة تملأ قلبها.
استمرت الجولة الأولى لقرابة الساعة، كان خلالها المعلم الملكي يراقب كل خلجة من عضلات “رعد” وكل حركة من يدي ريشيليا.
ومع اقتراب نهاية الحصة التدريبية، بدأ التوتر يزول عن جسد ريشيليا ليحل محله إيقاع متزن.
فبدت فوق صهوة الجواد كأنها جزء منه، تتمايل مع حركته بمرونة فطرية أدهشت المعلم.
قال المعلم وهو يمسك بلجام الجواد ليتوقف:
“يكفي لهذا اليوم يا سمو الأميرة. جسدكِ لم يعتد بعد على هذا المجهود، والعضلات ستبدأ بالتمرد عليكِ غداً إن لم نتوقف الآن. لقد أبليتِ بلاءً حسناً، بل إن ‘رعد’ بدا وكأنه وجد غايته معكِ.”
ترجلت ريشيليا عن صهوة الجواد بمساعدة المعلم، وشعرت بوخزٍ خفيف في قدميها وشدٍ في ظهرها
لكن ابتسامة النصر كانت تضيء وجهها.
مسحت على عنق الجواد للمرة الأخيرة وهمست له:
“شكراً لك يا رعد.. غداً سنركض أسرع.”
عادت ريشيليا نحو جناحها بخطوات ثقيلة نوعاً ما من التعب
وما إن فُتحت الأبواب الكبرى حتى استقبلتها وصيفاتها بلهفة.
كانت ملامح الإرهاق واضحة عليها، لكن عينيها كانتا تلمعان بحيوية
لم تعهدها الوصيفات منذ رحيل الموكب.
قالت إحدى الوصيفات وهي تساعدها على خلع قفازات الجلد:
دخلت ريشيليا إلى غرفة الاستحمام الفسيحة، حيث كان البخار العبق برائحة الخزامى والبابونج يملأ المكان.
ساعدتها الوصيفات على خلع زي الركوب قطعة قطعة، ثم انغمست في الحوض الرخامي الدافئ.
شعرت برعشة استرخاء تسري في جسدها المنهك.
وكأن الماء يغسل عنها تعب التدريب وضجيج التفكير.
بدأت الوصيفات بتدليك أكتافها بزيوت عطرية مهدئة.
بينما كانت أخرى تغسل شعرها الذهبي الطويل برغوة الصابون المعطر.
ساد هدوء تام ، لم يقطعه سوى صوت خرير الماء وهمسات الوصيفات اللطيفة.
قالت ريشيليا وهي تغمض عينيها وتستند برأسها إلى حافة الحوض:
“لم أكن أعلم أن التعب الجسدي يمكن أن يمنح العقل كل هذا الصفاء.. أشعر وكأنني بدأت أتصالح مع هذا الانتظار.”
بعد الاستحمام ، لفتها الوصيفات بأردية قطنية ناعمة.
وساعدنها على الجلوس أمام المرآة لتجفيف شعرها وتصفيفه ببساطة.
ارتدت ثوباً من الحرير الخفيف المريح، واتجهت نحو سريرها الوثير
الذي تفوح منه رائحة النظافة والورد.
استلقت ريشيليا، وشعرت بأن جسدها يغوص في الوسائد المخملية.
وقبل أن يغلبها النعاس ، مدت يدها نحو الساعة الرملية التي تركها آريوس
وقلبتها لتشاهد حبات الرمل الزمردية وهي تسقط بهدوء..
لقد انقضى يوم آخر ، و باتت أقوى بخطوة ، وأقرب بقلب.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 52"