مرت أيامٌ عدة على رحيل الموكب، بدأ فيها القصر يستعيد إيقاعه الهادئ والرزين.
لم تكن الإمبراطورة تفضل المكاتب المغلقة في صباحاتها.
بل كان ملاذها المفضل هو “الشرفة الأندلسية” المعلقة فوق جناحي الزهور.
حيث تتدلى عناقيد الياسمين الأبيض كستائر طبيعية.
وتختلط رائحة القهوة الصباحية بعبير الأرض الندية بعد رذاذ الفجر.
كانت الشمس ترسل خيوطاً ذهبية فاترة تداعب قطع الخزف الرقيق على المائدة.
بينما جلست ريشيليا قبالة والدتها، وقد بدت أكثر هدوءاً واستعداداً لما هو آت.
وضعت الإمبراطورة فنجانها الصغير، ونظرت إلى ابنتها بنظرة فاحصة يملؤها الحب والخبرة.
وقالت بصوت ناعم:
“انقضى أسبوع يا ريشيليا.. أرى أن بريق عينيكِ بدأ يتحول من الحنين إلى التفكير. هذا هو الوقت المناسب لنضع النقاط على الحروف قبل أن تصبحي سيدة دوقية أريندور.”
اعتدلت ريشيليا في جلستها، وشعرت بنسيم الصباح يداعب خصلات شعرها.
فقالت بصدق:
“أفكر كثيراً فيما ينتظرني هناك يا أمي. أريندور ليست غريبة عليّ، فقد مشيتُ في طرقاتها يوماً كفتاة بسيطة، والآن سأعود إليها بلقب يحمل ثقل الممالك.”
ابتسمت الإمبراطورة وأشارت بيدها نحو الأفق البعيد:
“وهنا تكمن قوتكِ الخفية. ركزي جيداً فيما سأقوله لكِ؛ في أريندور، سيحاول النبلاء اختبار ‘الأميرة’ التي فيكِ، لكن الشعب سيبحث عن ‘الإنسانة’ التي عرفها من قبل. نصيحتي لكِ ألا تخلعي ثوب البساطة تماماً، بل ارتدي فوقه وشاح الحكمة. كوني الدوقة التي تفهم وجع المزارع لأنها عاشت قريبة منه، وتعرف بروتوكول القصر لأنها ابنة إمبراطور. هذا المزيج هو ما سيجعلكِ لا تُقهر.”
صمتت لبرهة ثم أضافت بنبرة أكثر عمقاً:
“أما عن آريوس.. فالرجل الذي يقضي يومه بين صليل السيوف وخرائط الحرب، لا يحتاج لزوجة تكرر له ما يسمعه من وزرائه. كوني له ‘الملاذ’. اجعليه يشعر أن بيتكما هو المكان الوحيد الذي يمكنه فيه خلع درعه الثقيل والتنفس بحرية. كوني المستشارة التي تهمس بالحقيقة حين يصمت الجميع، والقلب الذي يرمم ما كسرته أعباء الحكم.”
نظرت ريشيليا إلى خاتم الزمرد في يدها، وشعرت أن كلمات والدتها تبني في داخلها حصناً من الثقة.
فقالت بهدوء:
“أريد أن أكون له السند الذي لا يلين، والشريكة التي يفتخر برأيها قبل جمالها.”
ربتت الإمبراطورة على يد ابنتها بحنان:
“ستكونين كذلك وأكثر يا عزيزتي. والآن ، بما أننا انتهينا من درس ‘السياسة والقلب’، أظن أن ساحة التدريب تنتظر ‘فارسة’ جديدة. لقد أخبرني المعلم الملكي أن الجواد الذي اختاره لكِ آريوس قبل رحيله بدأ يتململ في اصطبله، فهل أنتِ مستعدة لترويضه؟”
أومأت ريشيليا برأسها بوقار، وقد طبعت كلماتها والدتها في قلبها كدرس لحياتها القادمة.
تتبعها وصيفاتها الثلاث اللواتي كنّ ينتظرن خلف الستائر الياسمينية.
ما إن دخلت جناحها الملكي ، حتى تحول الهدوء إلى حركة نشطة ومبهجة.
بدأت الوصيفات بتجهيز زِيّ الفروسية الذي أُعد خصيصاً لهذه الرحلة الجديدة.
خلعت ريشيليا ثوب الصباح الحريري بمساعدتهن.
وارتدت ملابس الركوب العملية والأنيقة في آنٍ واحد.
سترة من الجلد السويدي الفاخر بلون الزيتون العميق.
وبنطال مريح ومتين، وحذاء طويل من الجلد الأسود المصقول يصل لركبتيها.
بينما كانت إحدى الوصيفات تُحكم ربط خصلات شعرها الذهبي في ضفيرة عريضة ومتماسكة خلف ظهرها.
سألتها وصيفة أخرى بفضول ومرح:
“سمو الأميرة.. هل أنتِ خائفة؟ المعلم الملكي معروف بصرامته، والجواد الذي اختاره الدوق آريوس يبدو هائجاً قليلاً.”
ابتسمت ريشيليا وهي تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة الكبيرة
وقد بدت ملامحها أكثر حدة وقوة بهذا الزي، وقالت بصوتٍ واثق:
“الخوف هو أول عدو يجب أن أهزمه قبل أن أطأ أرض أريندور كدوقة. آريوس اختار لي هذا الجواد لأنه يعلم أنني قادرة على ترويضه، وأنا لن أخذل ثقته بي.”
بعد أن انتهت من ارتداء قفازاتها الجلدية، غادرت ريشيليا الجناح بخطى واسعة.
تاركةً خلفها همسات وصيفاتها المعجبة بشجاعتها.
سارت عبر أروقة القصر الطويلة حتى وصلت إلى بوابة ساحة التدريب الملكية.
هناك ، في الميدان الممهد حيث تختلط رائحة العشب بالتراب.
كان ينتظرها المعلم الملكي ، وإلى جانبه الجواد الأسود كأبنوس الليل
يلمع جلده ببريق فضي تحت أشعة الشمس التي ارتفعت قليلاً.
وقف الجواد ، الذي أطلق عليه المعلم اسم “رعد”، شامخاً بقامة فارعة.
يضرب الأرض بحافره بقوة تنم عن عنفوان وكبرياء.
وكأنه يتحدى من يجرؤ على الاقتراب منه.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 51"