كان الضباب الصباحي لم يغادر حدائق الملحق بعد ، حين وصلت عربة بسيطة.
نزلت منها أرنا بهدوئها المعتاد، وإميليا التي كانت تفرك يديها بتوتر واضح.
وقفت الفتاتان أمام مدخل الملحق، تنظران للأعلى نحو الشرفات الأنيقة.
همست إميليا بصوت مرتعش:
“أرنا، هل نطرُق الباب حقاً ؟ يقولون في المدينة إنها عادت بموكب يضم مئات الفرسان.. هل تتوقعين أنها لا تزال تتذكر شكلنا حتى؟”
أصلحت أرنا ياقة فستان إميليا وقالت بصوت خفيض يحاول التماسك:
“ريشي لا تنسى يا إميليا.. لكنني أخشى أن البروتوكول قد وضع جداراً بيننا وبينها.”
في تلك اللحظة ، فُتح الباب الخشبي العريض، وخرجت مارتا بابتسامتها الأمومة المعهودة.
وما إن رأتهما حتى هتفت:
“أهلاً بالجميلات ! كانت ريشي بانتظاركما منذ الفجر، لم تكف عن النظر من النافذة!”
دخلتا “غرفة الاستقبال” الدافئة ، وفجأة ، سُمع وقع أقدام خفيفة على الدرج الخشبي.
ظهرت ريشيليا ، بجمالها الهادئ وفستانها الربيعي البسيط.
و شعرها الذهبي الذي يلمع تحت ضوء الشمس المنسل من النوافذ.
تسمرت إميليا مكانها، وحاولت ب ارتباك شديد أن تحييها بوقار مضحك.
وهي تتعثر بطرف ثوبها:
“سـ.. سمو الأميرة الإمبراطورية.. نتشرف بـ..”
لم تكمل جملتها ، لأن ريشيليا اختصرت المسافة بركضة طفولية وارتمت في أحضانهما معاً..
وهي تضحك من قلبها:
“توقفي يا إميليا! إن انحنيتِ مرة أخرى سأظن أنكِ أصبتِ بتشنج في ظهرك ! أرنا.. إميليا.. لقد اشتقتُ إليكما لدرجة أنني كنت سأذهب لبيوتكما سيراً على الأقدام لو تأخرتما دقيقة واحدة!”
شعرت الفتاتان ب حرارة العناق، فتبدد الخوف فوراً.
تراجعت ريشيليا قليلاً ، وأمسكت ب أيديهما وهي تتأملهما ب حب:
“أنا ريشي.. صديقتكما التي كانت تسرق معكما ثمار التفاح من حديقة المدرسة، والتاج الذي يتحدث عنه الناس ليس له مكان بيننا.”
خرجن الثلاثة نحو وسط المدينة ، يمشين جنباً إلى جنب كما كنّ يفعلن في أيام الدراسة.
كانت إميليا في البداية تمشي بحذر، تنظر لريشيليا ب نوع من الرهبة
لكن ريشيليا بدأت تمازحهما وتذكرهما بمواقف قديمة مضحكة
حتى عادت “الروح” القديمة للمجموعة.
توقفن أمام محل صغير للعطور والزيوت.
شهقت إميليا وهي تنظر لزجاجة عطر مزينة:
“انظري يا ريشي.. هذا العطر الذي كنا نحلم دائماً بشمه ، والآن هو أمامنا !”
طلبت ريشيليا من صاحب المحل ثلاث زجاجات ، وقدمت لواحدة لكل منهما بابتسامة:
“لا أحلام بعيدة بعد اليوم.. أريدكما أن تتذكرا هذا اليوم كلما فاحت هذه الرائحة.”
تابعت أرنا بهدوء وهي تتأمل الناس الذين ينظرون لريشيليا ب إعجاب:
“لقد أصبحتِ حديث الجميع يا ريشي.. الجميع فخور بكِ، لكننا فخورون أكثر لأنكِ لم تتغيري.”
ضحكت ريشيليا وهي تجذب أذرعهما:
“يكفي كلاماً جاداً ! إميليا، هل رأيتِ بائع الفطائر هناك ؟ أراهن أنكِ لا تزالين تستطيعين أكل ثلاث فطائر في دقيقة واحدة!”
انطلقت الضحكات مجدداً ، وبدأن يركضن في السوق بخفة
يتبادلن الأحاديث عن الموضة ، والكتب ، وأحلام المستقبل..
و كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظات الجميلة التي تسبق الرحيل.
وصلت الفتيات الثلاث إلى ذلك الزقاق القديم الذي تفوح منه رائحة القهوة المحمصة والخبز الطازج
حيث يقع “مطعم العم توماس” الصغير.
كان هذا المطعم ملاذهنّ السري في أيام الدراسة.
حين كنّ يجمعن قروشهنّ القليلة ليتقاسمن طبقاً واحداً من الفطائر الدافئة.
توقفت ريشيليا أمام الباب الخشبي المتهالك قليلاً، ونظرت إلى اللوحة المعلقة بابتسامة حنين.
همست إميليا وهي تفرك ذراعيها:
“هل يعقل أن العم توماس لا يزال يضع تلك الطاولة المكسورة في الزاوية ؟ ريشي.. هل تظنين أنه سيعرفكِ بملابسكِ هذه؟”
ضحكت ريشيليا وهي تدفع الباب برفق ، ليصدر صريره المعهود الذي لم يتغير.
دخلت الفتيات ، وكان المكان يعج برائحة الحساء الدافئ.
في الزاوية ، كان العم توماس ، برأسه الأصيب وشببه الأبيض ، يمسح الطاولات بخرقة قديمة.
رفع رأسه ونظر عبر نظاراته السميكة، ثم تجمد مكانه.
سقطت الخرقة من يده وهو يهمس بذهول:
“آنستي الصغيرة ؟ ريشي ؟”
تقدمت ريشيليا بخطوات واثقة وعانقت الرجل المسن ب رقة.
وقالت بصوت يملؤه الوفاء:
“نعم يا عم توماس.. ريشي عادت، ومعها جوعٌ لا يشبعه إلا فطائرك التي لا تُنسى.”
جلسن على تلك الطاولة الخشبية في الزاوية، بعيداً عن أعين المارة.
وضع العم توماس أمامهن الفطائر المليئة بالعسل والقشطة، ورفض تماماً أن يأخذ أي مقابل.
قائلاً إن رؤية “أميرة فالدوريا” في مطعمه المتواضع هي أعظم مكافأة.
بدأت إميليا تأكل بنهم وهي تضحك:
“أرنا، انظري ! الطعم لم يتغير أبداً ! ريشي.. أخبرينا بصدق، هل الطعام في القصر الإمبراطوري ألذ من هذا؟”
ابتسمت ريشيليا وهي تأخذ قضمة صغيرة، ثم نظرت إليهما ب جدية هادئة:
“في القصر، الطعام يُقدم في أطباق من ذهب، لكنه يفتقد لنكهة الصدق التي أجدها هنا معكم. هناك، كل لقمة مراقبة ببروتوكول، أما هنا.. فأنا أتنفس.”
ساد صمتٌ قصير ، قطعتْه أرنا بنبرتها الرزينة، وهي تمسك يد ريشيليا فوق الطاولة:
“ريشي.. غداً ستغادرين. هل أنتِ خائفة ؟ أعني.. فالدوريا بعيدة ، والمسؤوليات ليست سهلة.”
تنهدت ريشيليا بعمق ، وظهرت لمحة من القلق في عينيها الزمرديتين:
“لستُ خائفة من المسؤولية ، أنا خائفة أن تمر سنوات ولا أجد فرصة لأجلس معكم هكذا مرة أخرى.”
ردت إميليا وهي تمسح العسل عن طرف فمها بحماس:
“لن نسمح بذلك ! سنرسل لكِ رسائل كل أسبوع، وسنخبركِ بكل “الفضائح” الصغيرة في أريندور، حتى تضحكي وأنتِ جالسة في قصركِ!”
بعد الغداء، انطلقن إلى سوق الملابس والأقمشة.
كانت ريشيليا تريد أن تترك لهما ذكرى ملموسة.
دخلن إلى أرقى خياط في المدينة، وأمرت ريشيليا بصنع فستانين من أرقى أنواع الحرير لـ أرنا وإميليا.
واختارت لهما الألوان التي تناسب شخصيتهما:
الأزرق الهادئ لـ أرنا ، والوردي المشرق لـ إميليا.
قالت ريشيليا وهما تحاولان الاعتراض بخجل:
“هذا ليس هبة من أميرة ، بل هدية من صديقة. أريدكما أن ترتديا هذه الفساتين في يوم زفافي القادم.. أريدكما بجانبي ، لتذكراني دائماً بـ ‘ريشي’ التي أحببتماها.”
تعانقت الفتيات الثلاث في وسط المحل ، والدموع بدأت تترقرق في عيونهن.
لم يكن يوماً للتسوق فحسب ، بل كان يوماً لـ “تثبيت جذور الصداقة”
قبل أن تقتلعهن رياح القدر إلى أماكن مختلفة.
مالت الشمس نحو الأفق ، واصطبغت سماء “أريندور” بألوان الأرجوان والذهب.
لتعلن عن رحيل آخر شمس تقضيها ريشيليا كفتاة بسيطة في هذه المدينة.
كانت الفتيات الثلاث يمشين ببطء في طريق العودة نحو الملحق.
وقد غلب عليهن هدوءٌ يفيض بالمشاعر بعد صخب النهار.
توقفت ريشيليا فجأة عند الجسر الحجري الصغير الذي يمر فوق النهر الصافي.
استندت بيديها على سوره الحجري البارد، ونظرت إلى انعكاس قرص الشمس البرتقالي على سطح الماء.
كانت إميليا وأرنا تقفان بجانبها، تراقبان صمتها الطويل.
قالت ريشيليا بصوت خفيض يملؤه الحنين:
“أرأيتما هذا الجمال ؟ لطالما وقفتُ هنا وأنا أحمل سلال الغسيل الثقيلة، كنتُ أغمض عيني وأتخيل أنني طائر يعبر خلف تلك الجبال.. لم أكن أعلم أن حلمي سيتحقق بطريقة تجعل قلبي يرتجف هكذا.”
مسحت إميليا دمعة تسللت رغم مرحها ، وقالت وهي تمسك ذراع ريشيليا:
“ستعبرين تلك الجبال يا ريشي، لكنكِ ستتركين وراءكِ هنا أرواحاً تنتظر عودتكِ دائماً. انظري.. المدينة تبدو وكأنها تودعكِ هي الأخرى.”
عندما وصلوا إلى باب الملحق ، كانت أضواء القناديل الدافئة قد بدأت تشتعل في الداخل.
توقفت أرنا و نظرت بعمق في عيني ريشيليا، ثم أخرجت من جيبها منديلًا مطرزًا ب خيوط حريرية بسيطة.
كانت قد صنعته بنفسها خلال الليالي الماضية.
قدمته لها وهي تقول ب هدوء:
“هذا ليس حريراً إمبراطورياً يا ريشي ، لكنه يحمل رائحة مدينة أريندور.. ورائحة صداقتنا. خبئيه معكِ، ولتكن خيوطه هي الحبل الذي يربطكِ بنا مهما بعدت المسافات.”
أخذت ريشيليا المنديل وضمته إلى صدرها ب قوة ، وعانقت أرنا عناقاً طويلاً.
ثم التفتت لـ إميليا التي كانت تحاول جاهدة أن تبتسم رغم حزن الوداع.
قالت ريشيليا وهي تمسك أيديهما للمرة الأخيرة أمام الباب:
“أعدكما.. لن يمر شهر دون أن تصلكما رسالة مني. ولن أسمح لأي بروتوكول أن يمنعكما من زيارتي في فالدوريا. أنتما لستما مجرد ذكرى من الماضي، أنتما جزء من مستقبلي.”
لوحت لهما ريشيليا وهي تراقب ابتعاد ظليهما في عتمة المساء
وشعرت بأن هذا اليوم قد غسل تعب السنوات الماضية.
دخلت الملحق لتجد مارتا بانتظارها ب كوب من الشاي الدافئ.
بينما كان أرين يجلس في زاوية الغرفة يراقبها ب نظرة فخر.
مدركاً أن ريشيليا التي قضت يومها مع “بسطاء المدينة”..
هي الأميرة الحقيقية التي س تملك قلوب هذه المدينة بل قلوب إمبراطورية بأكملها .
التعليقات لهذا الفصل " 45"