قطعت الدوقة الصمت ، وصوتها يحمل نبرةً تجمع بين التودد ومحاولة استعادة السيطرة:
“سمو الأميرة.. لقد رتبنا كل شيء. المأدبة الملكية ستُقام الليلة، والجناح الشرقي -الذي لا يفتحه الدوق إلا لكبار الملوك- قد أُعد ليكون مقر إقامتكِ المريح.”
وضعت ريشيليا الفنجان على الطاولة الرخامية، لم يصدر عنه سوى رنينٍ خفيف.
لكنه في ذلك الصمت بدا كدقة جرس.
نظرت إلى الدوقة بهدوء وقالت:
“أقدر كرم أريندور يا سيادة الدوقة، لكنني أعتذر ب أدبٍ عن العشاء الليلة.”
تجمدت ابتسامة الدوقة، وتبادلت نظرة سريعة مع الدوق الذي كان يراقب الموقف بصمتٍ عميق.
تابعت ريشيليا بنبرةٍ رخيمة:
“لقد وعدتُ ‘أمي مارتا’ و ‘أبي راين’ بأن أتناول معهما حساءهما الدافئ في الملحق.”
ساد صمتٌ ثقيل…
الدوقة، التي كانت تقيس الأمور دائماً بميزان الطبقات، لم تستطع كبح دهشتها فقالت:
“ولكن.. ذاك ملحقٌ للخدم يا سمو الأميرة ! كيف يبيتُ زمرد فالدوريا في مكانٍ كذاك ؟ الجناح الشرقي يليق بمقامكِ، أما هناك..”
قاطعتها ريشيليا بابتسامةٍ باردة ولكنها راقية:
“المقامُ يا سيادة الدوقة تسكنه الروح، لا الجدران. غرفتي القديمة في الملحق كانت المتسع الذي احتضن أحلامي حين ضاقت بي الدنيا. النوم فيها الليلة ليس تقليلاً من شأني، بل هو وفاءٌ للذات التي صمدت داخل تلك الجدران .”
كان الدوق “أريندور” يرتشف شايه ببطء، وعيناه لا تبارحان وجه ريشيليا.
لم يكن ينظر إلى التاج الزمردي الذي يزين رأسها.
بل كان يقرأ “الثبات” في نبرة صوتها وهي ترفض أجنحة القصر الفاخرة.
في تلك اللحظة، تدفق في ذهنه شريط الذكريات.
كيف كانت هذه الفتاة تمر بوقار صامت وهي تحمل أدوات التنظيف
وكيف هي الآن ترفض بروتوكولات القصور لتجلس على مائدة خشبية بسيطة.
قال الدوق في سره:
‘هذا ليس مجرد تواضع.. إنه كبرياءٌ من نوعٍ نادر. هي لا تحتاج لسريرٍ حريري لتثبت أنها أميرة، بل هي تضفي الرفعة على الملحق بمجرد وجودها فيه.’
رأى الدوق في عينيها “الأصالة” التي افتقدها في نبلاء القصور الذين لا يهمهم سوى المظاهر.
أدرك أن ريشيليا تمتلك أعظم صفة لمستقبل دوقية أريندور:
الوفاء..
فالتي لم تنسَ يد مارتا وراين وهي في أوج عظمتها.
لن تخون عهداً ولن تتخلى عن شعبها يوماً.
انتقل بصره إلى ابنه آريوس ؛ رأى كيف يحيطها بنظراته.
لم يكن اهتماماً عابراً، بل كان انبهاراً حقيقياً بشخصيتها.
ابتسم الدوق ابتسامةً خفية ، تكاد لا تُرى.
وقال بصوتٍ عميق قطع حيرة الدوقة وإلحاحها:
“دعيها يا عزيزتي.. فالأميرة ريشيليا لا تبحث عن فخامةٍ صنعناها نحن ، بل تسكن في فخامةٍ صنعتها هي بروحها. إن وفاءها لمن مدوا لها يد العون يوماً، هو الضمان الوحيد الذي يجعلني أطمئن على مستقبل ابني.. وعلى مستقبل هذه الدوقية.”
أطبق الدوق يده على مقعده الخشبي الفاخر.
و تابع بنبرةٍ تحمل قراراً غير معلن:
“لقد أصبتَ الاختيار يا آريوس. فالتاج قد يُمنح لأي أميرة ، لكن ‘النبل’ لا يُمنح إلا لمن يشبه سمو الأميرة ريشيليا.”
كانت هذه الكلمات بمثابة “مباركة” رسمية لم تكن ريشيليا تطلبها، لكنها فرضتها بصدقها.
شعر آريوس حينها ب غصة فخر في حلقه.
فوالده الصارم، الذي لا يقتنع بسهولة، قد انحنى أخيراً أمام عظمة “الأميرة” التي أصبحت سيدة القلوب.
كانت الدوقة “إيزابيل” تعبث بطرف وشاحها الحريري في توترٍ لم تستطع إخفاءه.
لم يكن صمت الدوق أو وقار ريشيليا كافيين لتهدئة عاصفة البروتوكول في رأسها.
اندفعت إيزابيل قائلة بنبرة مشحونة بالقلق:
“ولكن يا سمو الأميرة.. أرجو أن تتفهمي موقفي ! إن خبر مبيت أميرة فالدوريا العظيمة في ملحق للخدم سيجعل من دوقية أريندور مادة للسخرية في كل القصور. حتى وإن قدموا لكِ العون يوماً، فقد اختلف الأمر الآن تماماً.. أنتِ اليوم ضيفة الإمبراطورية، وتركي لكِ تغادرين القصر الرئيسي هو تقليلٌ من شأننا ومن مقامكِ الرفيع.”
تدخل آريوس هنا، وصوته الهادئ الحازم يقطع لجاجة والدته:
“أمي.. أرجوكِ.”
التفت نحو الدوقة إيزابيل بنظرة تفيض بالاحترام لكنها غير قابلة للتفاوض، وتابع:
” الاميرة ريشيليا لا تطلب إذناً لتكون على طبيعتها، بل تمنحنا شرف معرفة جوهرها. احترام رغبتها هو أسمى آيات الترحيب التي يمكن أن نقدمها لها الليلة. دعيها تمضي حيث يملي عليها قلبها.”
تبادلت ريشيليا وآريوس نظرة خاطفة؛ كانت نظرةً اختصرت كل كلمات الامتنان.
ثم وقفت ريشيليا ب خيلاءٍ هادئ، و نظرت للدوق والدوقة مع إيماءة ملكية تفيض بالرقي:
“أستأذنكم الآن.. سمو الدوق و الدوقة شكراً لإستضافتكم.”
غادرت ريشيليا القصر، وما إن اقتربت من الملحق حتى فاحت رائحة الحساء الساخن والأعشاب البرية.
التعليقات لهذا الفصل " 42"