كان هواء العاصمة البارد يداعب أطراف ثوب ريشيليا الحريري وهي تقف وحيدة.
تحاول استجماع شتات نفسها بعد هذا اللقاء.
سكنت الحركة من حولها ، ولم يقطع هدوء الليل إلا صوت خطوات واثقة تعرفها جيداً.
لم تلتفت ، لكن قلبها خفق بشدة حين استقر آريوس بجانبها.
مسنداً يديه على السور الرخامي للشرفة الإمبراطورية.
ساد توتر ملموس في البداية ؛ كان الصمت ثقيلاً بمشاعر الشهور الماضية
وبفجوة الألقاب الجديدة التي فصلت بينهما.
نظر آريوس إلى الأفق البعيد ، ثم التفت إليها بهدوء غلبت عليه الرقة، وقال بصوت خفيض:
“لم أتخيل يوماً أن الطريق الذي بدأ في ممرات القصر ، سينتهي بنا هنا.. في شرفة القصر الإمبراطوري .”
بدأ التوتر يذوب تدريجياً ليحل محله هدوء حزين.
نظرت إليه ريشيليا بعينيها الزمرديتين اللتين كادتا تدمعان.
وهمست:
” الدوق آريوس.. الكثير قد تغير. لم أعد تلك الفتاة التي كانت تختبئ في ظلك.”
هنا، ترك آريوس وقاره الدوقي جانباً، واقترب منها بخطوة جعلت أنفاسهما تلتقي.
قال بصدقٍ زلزل كيانها:
“الألقاب لا تعنيني يا سمو الأميرة ريشي . لقد قررتُ فسخ خطوبتي من سيسيليا. سأنهي كل شيء لأتقدم لكِ رسمياً.”
اتسعت عينا ريشيليا من الصدمة، وشعرت بوجعٍ يمزق صدرها.
رغم أنها كانت تتوق لسماع هذه الكلمات، إلا أن كرامتها وأخلاقها العالية منعتها من الفرح.
وضعت يدها على صدرها وقالت بصوت متهدج:
“لا تفعل ذلك يا دوق .. أرجوك. لا أريد أن أكون السبب في تحطيم ميثاق أو إيذاء ابنة خالتك . لستُ بتلك الأنانية التي تستغل مكانتها الجديدة لتأخذ قلباً ليس ملكها أمام العالم. سيسيليا هي خطيبتك، والجميع ينتظر هذا الزواج.”
أمسك آريوس بيديها المرتجفتين، وضغط عليهما بقوة وثبات.
و قال بلهجة قاطعة لا تقبل الجدل:
“لقد اتخذتُ هذا القرار قبل أن أعرف أنكِ أميرة فالدوريا.. وقبل أن أراكِ هنا الليلة. كنتُ سأفسخ الخطوبة لأبحث عنكِ في كل مكان، حتى لو كنتِ لا تزالين مجرد ‘ريشي’ التي عرفتها من قبل. وجودكِ اليوم بلقبكِ الملكي لم يغير قراري، بل أعطاني الشجاعة لأعلنه أمام الملأ. قلبي لم يكن يوماً لسيسيليا، وأنتِ تعرفين ذلك.”
شعرت ريشيليا بصدقه يتدفق عبر يديه إلى قلبها.
كانت مشاعرها مزيجاً من الذهول العارم والفرح الخفي الذي حاولت كبته.
رأت في عينيه إصراراً لا يلين ، وتأكدت أن الرجل الذي أمامها قد حسم أمره بالفعل.
ليس طمعاً في لقبها ، بل إخلاصاً لتلك المشاعر التي ولدت في “الملحق” ونضجت في غيابهما.
ساد صمت طويل بعد كلمات آريوس القاطعة.
كانت ريشيليا تنظر إلى يديه اللتين تحيطان بيديها، وشعرت لأول مرة منذ زمن طويل بالأمان الذي افتقدته.
لم تجبه بكلمة ، فمشاعرها كانت أعمق من أن تُصاغ.
لكن نظرة عينيها الزمرديتين كانت تحمل مزيجاً من الامتنان والخوف من القادم.
التعليقات لهذا الفصل " 37"