كانت الأجواء في “الدوقية الكبرى” تضج بالحياة ، حيث اختلط عبق الزهور النادرة برائحة البخور الملكي الفاخر.
منذ يومين وريشيليا تقيم مع ابنة عمها سيرافينيا ، تشاركها لحظات الانتظار التي لا تخلو من التوتر الجميل.
داخل الجناح الملكي، كانت سيرافينيا تقف أمام المرآة للمرة الألف ، تعيد ترتيب خصلات شعرها لبلاتيني بيدين مرتعشتين قليلاً.
قالت سيرافينيا وهي تلتفت لريشيليا بملامح يملؤها الارتباك:
“ريشي ، هل يبدو ثوبي مناسباً ؟ هل تعتقدين أن كاي سيعجب به ؟ أشعر وكأن قلبي سيقفز من مكانه ، رغم أنني واجهتُ جيوشاً في التدريبات ، إلا أن مواجهته اليوم ترعبني أكثر!”
ابتسمت ريشيليا برقة وطمأنتها قائلة:
“أنتِ تبدين مذهلة يا سيرا. ولي العهد كاي لن يرى الثوب ، بل سيرى الحب في عينيكِ. اهدئي ، فكل شيء سيكون مثالياً.”
بينما كانت ريشيليا تبتسم لسيرافينيا ، كان عقلها يسافر بعيداً خلف الحدود.
كانت تعلم أن آريوس هو قريب ولي العهد ، وظلّت في أعماقها تأمل ، بل وتتضرع ، أن يظهر ضمن الموكب.
كانت تشتاق لرؤيته ولو لمرة واحدة أخيرة ، لعلها تطفئ نار الحنين التي لا ترحم.
دوت أصوات الأبواق الفضية معلنة وصول موكب إمبراطورية “سولاريس”.
كان الاستقبال مهيباً يليق بالتحالف العظيم ؛ تقدم الإمبراطور والدوق الأكبر..
وبجانبهما ولي عهد فالدوريا و الامير الثاني ( أخو سيرافينيا) الذي كان يراقب المشهد بفخر واعتزاز بشقيقته.
ترجل ولي العهد كاي من عربته بطلة تفيض بالهيبة.
وما إن وقعت عيناه على سيرافينيا حتى انحنت ملامحه الصارمة إلى ابتسامة دافئة جداً.
تقدم كايل نحو سيرافينيا و قال بوقار :
“لقد طال الطريق يا سمو الأميرة سيرافينيا ، لكن رؤيتكِ الآن جعلتني أنسى كل عناء السفر.”
احمرّت وجنتا سيرافينيا في خجلٍ نادر لم يعهده أحد فيها ، وابتسمت برقة وهي تهمس بكلمات الترحيب.
ثم التفت كايل نحو ريشيليا ، باحترام ملكي خالص.
قال كاي بصدق:
“سمو الأميرة ريشيليا ، عودتكِ آمنة هي المعجزة التي أضاءت سماءنا جميعاً..”
شكرته ريشيليا بكلماتٍ موزونة ، لكن عينيها كانت تمسح الوجوه خلفه ببحثٍ يائس.
وحين تأكدت أن آريوس لم يأتِ ، شعرت بوخزة حزن عميقة في صدرها..
وأحست ببرودة تسري في أطرافها رغم دفء الاستقبال.
بعد مأدبة الغداء الفاخرة ، أعلن كاي القرار الذي انتظره الجميع ، ولكن بتفصيلٍ غير متوقع:
“بناءً على رغبة والدي الإمبراطور ، وتمسكاً بالتقاليد ، قررنا أن يُقام حفل الزفاف الكبير في عاصمتنا بـ ‘سولاريس’. وسيكون من دواعي سرورنا أن يرافقنا وفد فالدوريا الملكي ، لنحتفل جميعاً هناك.”
في تلك اللحظة ، تبدد حزن ريشيليا وحل محله شعورٌ غريب بالاضطراب والفرح في آنٍ واحد.
فكرت ريشيليا في سرها:
“سأعود إلى هناك.. ليس كخادمة ، بل كأميرة. سأرى مارتا وراين اللذين عاملاني كابنة لهما ، وسألتقي بإميليا وأرنا.. كم اشتقت لضحكاتهما! وبالطبع..”
التعليقات لهذا الفصل " 34"