تسللت خيوط الشمس الأولى عبر الستائر المخملية الثقيلة للقصر الإمبراطوري..
لتكشف عن نهارٍ يحمل في طياته نهاية عهدٍ من الخيانة.
كان القصر غارقاً في سكونٍ مهيب ، ولم يكن يُسمع سوى تغريد الطيور في الحدائق الملكية..
ووقع أقدام الحرس الإمبراطوري وهم يتبادلون نوبات الحراسة بانتظامٍ صارم.
وعلى الرغم من جمال الصباح ، إلا أن الأجواء داخل “القاعة اللازوردية” كانت مشحونة بثقل المسؤولية.
حيث اجتمع الثلاثة الكبار لتقرير مصير من تجرأ على العبث بدم آل فالدوريا.
ساد الصمتُ أرجاء القاعة ، ولم يقطعه سوى صرير القلم الإمبراطوري فوق الورق.
استهل الإمبراطور الحديث بنبرةٍ رخيمة هزت أركان المكان:
” لقد استعدنا ابنتنا ، ولكننا لم نستعد بعد هيبة القانون التي انتهكها لوسيوس. الخيانة تحت سقف هذا القصر هي طعنة في قلب الإمبراطورية قبل أن تكون طعنة في قلبي.”
اتكأ الدوق الأكبر أليكساندر على الطاولة ، وقد ارتسمت الصرامة على ملامحه وهو يضيف:
” لقد انتهيت من استجوابه يا جلالة الإمبراطور. لوسيوس لا يزال يكابر، يظن أن تحالفاته القديمة ستحميه من المصير المحتوم، لكنني أعددت قائمة بكل من مد له يد العون، ولن يفلت منهم أحد.”
قاطع ولي العهد الحديث بصوتٍ حاد كالنصل ، وعيناه تلمعان بتصميمٍ لا يلين:
” الرحمة بالخونة هي خيانة للشعب. لوسيوس لم يختطف أميرة فحسب، بل حاول زعزعة استقرار العرش لست سنوات. إذا لم يكن العقاب مزلزلاً، فسيظن الآخرون أن العفو ممكن.”
نقل الإمبراطور نظره بين الحضور ، ثم استقر بصرُه على ابنه وهو يتساءل بوقار:
“ما هو مقترحك النهائي يا ولي العهد ؟ أنت من ستقود هذه الأرض مستقبلاً ، وأريد أن أرى كيف ستصون عدلها.”
أجاب ولي العهد دون تردد ، وبثباتٍ ينم عن حكمة مبكرة:
” أقترح تجريده من رتبة الدوقية علناً، ومصادرة كافة أملاكه لتؤول إلى خزينة التاج . أما هو ، فيُنفى إلى سجن ‘المنفى المظلم’ مدى الحياة، ليذوق مرارة العزلة التي فرضها على ريشيليا.”
أومأ الدوق الأكبر أليكساندر برأسه تأييداً ، وعقب قائلاً:
“هذا حكم عادل . تجريده من اسمه ومكانته سيقتله ببطء أكثر من السيف. فالموت بالنسبة لرجل مغرور مثل لوسيوس هو رحمة لا يستحقها.”
ختم الإمبراطور الوثيقة بختمه الذهبي الثقيل ، ليعلن نهاية النقاش:
“ليكن كذلك. سيُعلن الحكم غداً عند الشروق . ليعلم القاصي والداني أن من يلمس فرداً من آل فالدوريا، يكتب نهايته بيده. أليكساندر ، تولَّ أنت تطهير البلاط من بقايا أتباعه ، وبصمت.”
أوما الدوق الأكبر علامةً على الطاعة، وهو يهمس بوعيد:
“سيتم الأمر يا جلالة الإمبراطور. سأجعل ذكراهم تمحى من سجلات هذا القصر وكأنهم لم يكونوا.”
في أعماق القصر الإمبراطوري ، حيث تنتهي الفخامة وتبدأ رطوبة الجدران الصخرية..
كان لوسيوس يقبع في زنزانةٍ لا تليق حتى بخادم ، فكيف بمن كان بالأمس “دوقاً” يهاب الجميع جانبه.
لم يعد هناك حرير ، ولا خدم ، ولا عطور فاخرة ، لم يبقَ سوى رائحة العفن وصوت قطرات الماء المنتظمة التي تنقر على وعيه كالمطارق.
كان لوسيوس يجلس على حافة سرير خشبي متهالك ، يحدق في قضبان الحديد بذهول ، وكأنه لا يزال يرفض تصديق واقعه.
سمع وقع خطواتٍ عسكرية رزينة تقترب ، خطواتٌ يعرف صاحبها جيداً.
تسمر في مكانه حين توقفت الخطوات أمام بابه ، وظهر ظل الدوق الأكبر أليكساندر الضخم..
الذي كان يبدو في هذا الضياء الخافت كقاضٍ لا يرحم .
وقف لوسيوس بجهدٍ محاولاً استعادة بقايا كبريائه ، وصاح بنبرةٍ مهتزة:
” أليكساندر ! هل جئت لتشمت ؟ أنت تعلم أنني أملك حلفاء لن يسكتوا على هذا الإذلال. أخرجني من هنا قبل أن تتحول هذه الزنزانة إلى شرارة تحرق القصر!”
أخرج الدوق الأكبر الوثيقة الإمبراطورية ببرودٍ تام ، ونطق بصوتٍ هادئ يملؤه الاحتقار:
“حلفاؤك ؟ تقصد الجرذان التي بدأت تقفز من سفينتك الغارقة ؟ لقد وقع الإمبراطور حكمك النهائي يا لوسيوس. ومنذ هذه اللحظة، لم تعد ‘دوقاً’، ولن يناديك أحد بهذا اللقب مجدداً.”
اتسعت عينا لوسيوس وارتجفت شفتاه وهو يسأل بصوتٍ خافت:
“ماذا.. ماذا قررتم؟ النفي ؟”
أجاب أليكساندر وهو يقترب من القضبان ، وعيناه تلمعان بقسوةٍ عادلة:
“النفي هو رحمة لمن يملك كرامة ، وأنت لا تملكها. لقد قرر التاج مصادرة كل ذرة تراب تملكها ، وكل قطعة ذهب جمعتها من دماء الشعب وخيانتك للعهد . ستُسحب منك ألقابك ، وتُمسح هويتك من سجلات النبالة. ستمضي ما تبقى من حياتك في ‘المنفى المظلم’، حيث لا شمس تراك، ولا أحد يذكر أن رجلاً يُدعى لوسيوس قد مشى على هذه الأرض يوماً.”
انهارت قوى لوسيوس تماماً ، وسقط على ركبتيه فوق التراب ، وصرخ بمرارة:
“الموت ! اقتلوني أفضل من هذا الإذلال ! كيف تجردونني من اسمي وعائلتي ؟”
رد الدوق الأكبر وهو يستدير ليغادر، دون أن يمنحه نظرة وداع واحدة:
“لقد جردتَ أميرة صغيرة من عائلتها وذاكرتها لست سنوات ، والآن حان دورك لتتذوق طعم اللاشيء . العدالة ليست دائماً سيفاً يقطع ، أحياناً تكون حياةً بلا معنى.”
ترك أليكساندر الزنزانة خلفه ، تاركاً لوسيوس يصرخ في الفراغ ، يضرب الجدران الصخرية بيديه اللتين لم تعتادا إلا على لمس الحرير..
مدركاً أن أسوأ أنواع العقاب ليس القتل ، بل أن تصبح منسياً وأنت لا تزال تتنفس.
التعليقات لهذا الفصل " 30"