خيم السكون الثقيل على مكتب الدوق آريوس، صمتٌ لا يقطعه إلا صرير القلم الذي توقف عن الكتابة منذ أيام.
كل الأبواب سُدَّت في وجهه، وكل خيطٍ حاول الإمساك به انقطع قبل أن يوصله لنتيجة.
استند برأسه إلى الكرسي، وعيناه المحمرتان تحدقان في الفراغ.
“مستحيل.. لا يمكن لإنسان أن يتبخر هكذا إلا إذا كان هناك من يمحو أثره خلفه.”
أشار لمساعده “إريك” بإحضار مارتا وراين.
عندما دخلا، كان آريوس يبدو كشبحٍ لرجل؛ هيبته موجودة، لكن روحه هائمة.
تحدث آريوس بصوتٍ خفيض ومبحوح.
” السيدة مارتا و السيد راين.. اجلسا. لا أريد رسميات، أريد الحقيقة فقط. ريشي لم ترحل لأنها أرادت ذلك.. ريشي رحلت لأن شيئاً ما دفعها. أخبراني، هل لاحظتما عليها أي ارتباك ؟ خوف ؟ تهديد ؟ أي شيء جعلها تترككما وتغادر دون كلمة ؟”
تبادلت مارتا النظرات مع زوجها، والدموع تحرق جفنيها.
“سيدي الدوق، في ليلتها الأخيرة، عادت وعلامات التعب تنهش وجهها. كان هناك خوفٌ غريب في عينيها لم نفهمه، ظننا أنها مجرد وعكة عابرة.. لكنها استيقظت في منتصف الليل على كابوسٍ مرعب، صرخةٌ مزقت سكون الكوخ.. صرخة لم نسمعها منها منذ سنوات.”
تسمّر آريوس في مكانه.
بدأ شريط ذكرياته يتدفق…
تذكرها في الحديقة حين سمعت حوافر الخيول كيف أغلقت أذنيها بقوة.
وبدأت تتخبط وتصرخ كأنها ترى “أشباحاً” تطاردها.
تذكر ليلة خطوبته حين وجدها نائمة في حديقة الملحق وهي تهذي بكلمات غير مفهومة.
تقدم آريوس خطوة نحو راين، وعيناه تخترقان صمته:
” السيد راين، كفى زيفاً. قصة أنها ابنة قريبك التي تركها لك لم تعد تنطلي عليّ. كيف وجدتموها حقاً؟”
انحنى راين برأسه، وبصوتٍ يرتجف، قال:
“سيدي.. وجدناها في ليلةٍ عاصفة . كانت ملقاة أمام كوخنا، تغطيها الجراح والدماء، وجسدها الصغير يرتجف من البرد والخوف. كانت تحمل قلادة ذهبية مرصعة، قلادة لا يمكن لفتاة من العامة أن تلمحها حتى في أحلامها.”
شحب وجه آريوس.
تذكر تلك القلادة التي رآها تسقط منها في ممر الجناح الخاص في لقائهما الأول.
“والأنكى من ذلك يا سيدي.. أنها عندما أفاقت، لم تكن تعرف من هي. كانت فاقدة للذاكرة تماماً. كانت تمسك رأسها بقوة كلما حاولنا سؤالها، كأن الذكريات نيران تلتهم عقلها. خشينا عليها، ولم نرد إجبارها على تذكر ماضٍ قد يكون مؤلماً. فكرنا.. ربما هي ابنة غير شرعية لنبيلٍ أراد التخلص منها بقتلها.”
وقع الكلمات نزل على آريوس كالصاعقة.
“ابنة غير شرعية ؟ فاقدة للذاكرة ؟ مطاردة ؟”
انقبض قلبه من فكرة أن ريشيليا كانت تعيش معه كل تلك السنوات وهي “فريسة” تنتظر من يجهز عليها
وأنه بدلاً من أن يكون ملاذها، كان سيداً يطلب منها الخدمة.
قال آريوس بصوتٍ حازمٍ كالسيف:
” أعدكما.. سأعثر عليها. وإذا كان هناك من هددها أو حاول إيذاءها، فسأجعل أرض هذه الدوقية مقبرة.”.
غادرت مارتا وراين المكتب وهما يلهجان بالدعاء، بينما بقي آريوس وحيداً مع مساعده .
” إريك ، انسَ كل ما قلته سابقاً. ابحث عن هويتها في سجلات المفقودين للنبلاء في كامل الامبراطورية ركز على الفتيات اللواتي فُقدن قبل ست سنوات في ليلة عاصفة.!”
التعليقات لهذا الفصل " 25"