في الملحق الخلفي..
استيقظت مارتا بقلبٍ منقبض، نادت اسم “ريشي” مثل كل صباح.
لكن الصمت الذي ردَّ عليها كان أثقل من الجبال.
اندفعت نحو الغرفة ، لتجد السرير مرتباً برهبة، والنافذة مفتوحة قليلاً تسمح بدخول صقيع الليل.
سقطت مارتا على ركبتيها، وكأن عظامها تفتتت فجأة.
لم تصرخ، بل خرج من صدرها حشرجةُ ذبيح وهي تلمس الوسادة الباردة.
دخل راين متعثراً بضعفه، وحين رأى السرير الخالي، انطفأت آخر شعلة حياة في عينيه الشاحبتين.
همس راين بصوتٍ مكسور:
“هل غادرت هكذا ؟.”
ارتمت مارتا في حضنه، يتبادلان نحيباً صامتاً على ابنةٍ لم تلدهما، لكنها كانت الهواء الذي يتنفسانه في هذا القصر الموحش.
لم يكن رحيلها مجرد غياب، كان “يتمًا” أصاب الوالدين هذه المرة.
على الجانب الآخر من القصر، في قاعة الطعام الملكية.
كان الضوء ينسكب بترفٍ فوق المائدة.
الدوقة الأم تجلس بوقارها المعهود، وبجانبها سيسيليا التي كانت تبدو كلوحةٍ مثالية.
ترتدي فستاناً بلون البنفسج وتوزع ابتساماتها الرقيقة.
أما آريوس، فقد كان يجلس بملامح جامدة كالنحت الرخامي.
وضع قطعة الخبز في طبقه لكنه لم يلمسها.
كان يشعر بـ “خنجرٍ” يغرس في تجويف صدره، انقباضٌ غريب..
جعله يشعر أن الجدران تقترب منه لتخنق هدوءه.
قطعت سيسيليا هدوءه بصوتها الناعم الذي يحمل نبرة “جسِّ النبض”:
“آريوس عزيزي.. تبدو شاحباً هذا الصباح. هل أزعجك شيءٌ في مأدبة البارحة؟ أم أنك تفكر في ترتيبات زفافنا القادم ؟”
رفع آريوس عينيه ببطء، وحاول رسم ابتسامةٍ باهتة:
“مجرد صداعٍ خفيف يا سيسيليا، لا تشغلي بالكِ.”
لاحظت ارتعاشةً طفيفة في يده وهو يمسك كوب القهوة
ولاحظت نظراته التي تزيغ نحو النافذة المؤدية للملحق الخلفي.
كانت ذكية بما يكفي لتعرف أن “الخادمة” هي الخيط الذي يشد أعصاب خطيبها.
وفجأة ، انفتح باب القاعة بعنفٍ لم يعهده الدوق.
دخل أحد الخدم الكبار بوجٍهٍ شاحبٍ كالموت ، و تحدث بصوت َمرتجف:
“سيدي الدوق.. سمو الدوقة.. ثمة أمرٌ جلل في الملحق الخلفي!”
توقف آريوس عن التنفس للحظة.
وضع الكوب بهدوءٍ مرعب، لكن قبضته تحت الطاولة كانت تمزق المنديل القماشي.
قالت الدوقة الأم بحدة:
“تكلم ! ما الذي حدث ؟”
رد الخادم بصوتٍ مهتز:
“الخادمة ‘ريشي’.. لقد اختفت. غرفتها خالية، ولم يجدها أحدٌ في القصر أو الحديقة. مارتا وراين يقولان إنها إختفت.”
سقطت الملعقة من يد سيسيليا لتحدث رنيناً حاداً فوق البورسلين، وادعت الصدمة ببراعة:
“يا إلهي ! اختفت ؟ مسكينة، ربما ضاعت في الغابة.”
أما آريوس، فقد شعر أن العالم من حوله أصبح صامتاً تماماً.
الخنجر الذي كان يشعر به انغرس الآن للنهاية.
انتفض واقفاً ، وتراجعت سيسيليا للخلف من شدة “الهالة المظلمة” التي انبعثت منه فجأة.
حاول الحفاظ على نبرته الهادئة، لكن صوته خرج بارد كالجليد :
“أغلقوا مداخل الدوقية. لا تخرج عربة ولا تدخل الا بعلمي . ابحثوا عنها في كل مكان .”
نظرت سيسيليا إليه بذهولٍ ممزوجٍ بالغيرة القاتلة.
لقد سقط قناع “الدوق الهادئ”
وظهر خلفه رجلٌ مستعدٌ لقلب الإمبراطورية رأساً على عقب من أجل “أثرٍ” لامرأةٍ ظن الجميع أنها مجرد خادمة.
الآن، سيسيليا تدرك أن عدوتها ليست مجرد فتاة ، بل هي “هوس” آريوس الخفي .
التعليقات لهذا الفصل " 23"