بعد أسابيع من التعافي تحت رعاية الطبيب الشاب جوليان، الذي غدت زياراته للملحق جزءاً من روتين المكان.
انخرطت ريشي رسمياً في العمل.
جاء يوم “حفل الشاي الكبير”، اليوم الذي تحولت فيه حدائق القصر الخلفية إلى لوحة مخملية صارخة الألوان.
نُصبت الطاولات المكسوة بالدانتيل الفرنسي الرقيق، واختلطت رائحة الياسمين الفواح بعبق الشاي الإنجليزي الفاخر الذي يتصاعد بخاره كأرواحٍ مترفة.
وسط هذا البذخ، كانت ريشي تتحرك بين الطاولات كخيالٍ باهت في احتفالٍ مشرق.
تحمل صواني الكريستال الثقيلة التي كانت تئنّ تحت وطأتها.
ارتدت ثوباً رثاً، قماشه خشنٌ يفتقر للألوان والزينة، لكن جمالها كان يشعُّ من بين تلك الأسمال البالية، كـ لؤلؤةٍ يتيمة ترفض أن تموت في جوف صدفةٍ محطمة.
بدأت الهمسات تلسع مسامعها مع كل خطوة..
“انظري.. هل هذه خادمة جديدة لم أرَها من قبل !”
“سمعتُ أن الطاهية مارتا تبنّتها ..”
ثم انطلقت ضحكة مسمومة من خلف مروحة ريشية:
“أوه حقاً ؟ أليست مجرد ابنة غير شرعية إذاً ؟ يا للبؤس، كم أشفق على هذه المسكينة.”
كانت الكلمات تنغرس في روح ريشي كسهامٍ مغموسة بالسم.
شعرت بضآلة حجمها أمام تلك القامات المزيّفة، وتمنت لو أن الأرض تنشقُّ لتواري انكسارها.
لمح طرفُ عينها سيسيليا، التي كانت تجلس بوقارٍ جليدي، ترتشف شايها ببرودٍ ، تراقب المشهد بعينين زرقاوين كبحرٍ هادئ .
أما الدوقة، فقد كانت غارقة في مجاملات الكونتيسات، موليّةً ظهرها لريشي بلامبالاةٍ قتلت ما تبقى من كرامتها.
تحركت ريشي بخطوات متعثرة، أطرافها ترتجف ليس وهنًا، بل من ثقل الإهانة التي ابتلعتها بمرارة.
عند الطاولة الرئيسية، حيث تجلس الدوقة بجانب كونتيسة معروفة بلسانها الذي لا يرحم، انحنت ريشي لصب الشاي.
في تلك اللحظة، تحرك كرسيٌّ عمداً، أو ربما هو دوار الذي عصف برأسها كعاصفة مفاجئة..
“تيتش!”
صوت ارتطام الخزف بالفضة كان كدويّ الرعد في صمت الحديقة.
انحرف الإبريق، وانسال السائل الذهبي ليدنس بياض الدانتيل، وتطايرت القطرات لتلطخ مخمل الكونتيسة المحرم.
خيم صمتٌ خانق، قطعه شهيق الاستنكار الجماعي.
“يا إلهي! كيف تجرؤين أيتها الخرقاء ؟”
صرخت الكونتيسة وهي تقفز كمن أصابها مسٌّ من نار.
أما الدوقة، فقد استحال وجهها قناعاً شاحباً من الغيظ؛ فبريستيج الحفل قد ذُبح أمام النخبة.
وقفت ببطء، وعيناها تقدحان شرراً سلطوياً لم تألفه ريشي من قبل:
“ما هذا التصرف الأرعن؟”
حاولت ريشي الاعتذار، لكن عبراتها كانت تخنق صوتها:
“أعتذر يا سمو الدوقة.. لم أقصد.. الصينية كانت ثقيلة و…”
“صمتاً!”
بترت الدوقة كلماتها بحدة..
ثم التفتت للخدم بنبرة تقطر احتقاراً:
“أبعدوها عن وجهي! ولا أريد رؤيتها في أي محفلٍ رسمي بعد اليوم.”
انسحبت ريشي تجرُّ خيبتها، تعدو نحو الملحق هاربة من الابتسامات الشامتة، تاركةً وراءها شتات كرامتها مبعثراً على العشب كقطع الكريستال المحطم.
كان القصر في عينيها يتحول إلى سجنٍ من زجاج..
لم تصل ريشي إلى الملحق؛ بل انحرفت نحو ركنٍ قصي، وجلست تحت شجرةٍ ضخمة تخفي دموعها.
كانت تبكي حرقةً، لا فقرًا.
“أريد الحقيقة.. إلى متى سأظل رهينة هذا الفراغ؟”
بينما كانت غارقة في نواحها..
اخترق صمت المكان صوت حوافر خيول تقترب.
انكمشت على نفسها، وبدأت أصواتٌ شبحية تطارد أذنيها:
“توقفي هناك ! “.. “أمسكوا بها!”
استبدّ بها صداعٌ فتاك، وبدأت تصرخ بهستيرية، تغطي أذنيها كأنها تحاول سدّ منافذ الماضي المرعب.
لم تكن ترى الغابة، بل كانت ترى كوابيسها خلف جفونها المطبقة.
في تلك الأثناء، كان آريوس يمتطي صهوة فرسه في جولته المعتادة مع أصدقائه.
استوقفه صوت صراخٍ مألوف، صوتٌ هزَّ أوتار قلبه.
أمر رفاقه بالمغادرة، واندفع نحو مصدر الصوت.
صُدم عندما رآها تتخبط على الأرض وتصرخ بجنون.
نزل عن فرسه وركض نحوها:
“ريشي!”
لم تجبه؛ كانت في عالمٍ آخر من الألم.
عندما حاول لمس يدها لتنزعها عن أذنيها، دفعته بقوةٍ يائسة:
“لا تقتربوا.. لا تقتربوا مني!”
تراجع آريوس بذهول، أدرك أن ما يحدث ليس مجرد نوبة بكاء، بل هو انتفاضة لروحٍ مكلومة.
انتظرها حتى هدأت، وبدت كجسدٍ بلا روح.
عندما فتحت عينيها ورأته، ارتجفت، لكنه طمأنها بصوتٍ دافئ:
“لا تقلقي يا ريشي.. كل شيء على ما يرام، أنا هنا.”
بكت مجدداً، وكانت رؤية ضعفها تؤلمه كأن نصلًا يغرس في صدره.
“أخبريني ما الذي يفتك بكِ ؟ لا تخافي .”
نظرت إليه، فكرت في كل من اعتنى بها بصدق..
لكن كيف تطلعه على سرٍّ هي نفسها لا تملكه ؟
“لا شيء.. شكراً لك.”
لم يصدقها، شعر بأنها تبني بينهما جداراً من الكتمان.
“حسناً، دعيني أعيدكِ.”
مدّ يده إليها، ترددت طويلاً قبل أن تضع كفها المرتجفة في يده.
لكن بمجرد أن وقع بصرها على الحصان، سرت برودة الموت في عروقها.
هزت رأسها بذعر:
“لا.. سأعود سيراً.”
“لكنكِ منهكة..”
“أرجوك.. سأعود سيراً.”
أدرك أنها تخشى الخيل، فربط فرسه ومشى بجوارها بصمتٍ ثقيل.
كان يختلس النظر إلى وجهها الشاحب، متسائلاً عن الجحيم الذي عاشته .
ودعته عند باب الملحق ودخلت مسرعة..
بينما بقي هو يراقب أثرها، وفي قلبه قرارٌ حازم
سيبحث عن ماضيها.
التعليقات لهذا الفصل " 13"