الفصل 19
“أنزلني فورا…….”
هم؟ توقفت “إيف” عن الصراخ والتخبط.
اتسع صدر الرجل الذي كان يضمها بإحكام، وكبر كتفاه وذراعاه.
وبرزت عقدة الحنجرة في رقبته التي كانت أنيقة، وأصبح خط فكه المصقول أكثر قوة.
حتى شفتاه اللتان كانتا رقيقتين وتوحيان بالعصبية تحولتا إلى شكل ممتلئ وجذاب.
ناهيك عن جمال أنفه وعينيه المفتونتين.
“……كاميين؟”
“كنت أظن ذلك منذ فترة، لكن يد سيدتي تسبق عقلها دائما.”
“لهذا السبب لا أزال على قيد الحياة.”
ردت “إيف” بتذمر وهي تلتوي لينزلها.
كان الأوكسجين ينقصها بسبب قربها الشديد من هذا الرجل الذي ينضح بالجاذبية.
“لماذا تحولت إلى “سيريان”؟ لقد جعلت أحلامي مزعجة.”
“ألم أقل لسيدتي من قبل؟ إنني سأريك ما يمكنني فعله.”
“آه.”
“أحيانا تكون بعض الأحلام أكثر واقعية من الحقيقة نفسها.”
نعم، لقد ظنت أنه “سيريان” الحقيقي وكادت تموت ذعرا.
إذا رأت “جنيفيف” مثل هذا الحلم وهي بين النوم واليقظة، فستعتقد أنها قابلت “سيريان” حقا.
كانت قدرة “كاميين” مذهلة كلما رأتها، ومع ذلك لم تستطع “إيف” منع نفسها من السؤال بقلق:
“هل أنت متأكد أن أمرنا لن يكشف؟”
“أؤكد لك أنه لن يكشف أبدا.”
“ولكن، أليس من الغريب أن يرى “سيريان” “جنيفيف” فقط؟ ماذا عن الخادمات اللاتي جلبتهن معها…….”
“سأتولى أمرهن جيدا. فخدمة السيدة هي واجبي.”
رد “كاميين” دون أي أثر للابتسامة.
* * *
في اليوم الثاني من وصولهن إلى قصر “بيلفر”.
قضت “جنيفيف” يومها بالكامل في غرفة النوم تضع الكمادات الباردة.
دلكت جسدها بأفخر الزيوت العطرية، ووضعت كريمات التغذية على شعرها، مستعدة بكل ما لديها للقاء “سيريان”.
من يراها سيظن أنها آنسة نبيلة تنعم بالرفاهية، لكن “جنيفيف” كانت في الحقيقة تنتظر جواسيس “دوريفيل”.
لقد أرسلتهم ليلة أمس لتفقد القصر. لا بد أنهم سيعودون بمعلومة ما، أليس كذلك؟
لكن، بدلا من أن يعودوا بالأخبار، لم يعد أحد منهم على الإطلاق.
“هؤلاء الأوغاد، ماذا يفعلون وأين هم؟!”
خرجت “جنيفيف” بنفسها إلى الحديقة للبحث عن الجواسيس وهي تستشيط غضبا.
“كيف لا يمكن رؤية ولو واحد منهم؟ هل خدعني الكونت “دوريفيل”؟ لا يمكن أن يختفوا هكذا إلا إذا هربوا جميعا في منتصف الليل!”
“أنا لا أعرف أيضا يا آنستي.”
ردت “فيليا” بتردد وهي تراقب مزاجها.
“هذه المنطقة معزولة ولا يمكن الخروج منها دون عربة. ولكن العربات الثلاث لا تزال موجودة هنا…….”
للخروج سيرا على الأقدام، كان عليهم عبور الغابة الشاسعة التي تحيط بقصر “بيلفر”.
وهي مسافة تستغرق ثلاثة أيام على الأقل، كما أن أشجار المران البيضاء المنتشرة في كل مكان تجعل من الصعب تحديد الاتجاه.
“إذا أين ذهبوا جميعا!”
انفجرت “جنيفيف” غضبا.
” “فيليا”، ماذا كنت تفعلين حتى وصل الوضع إلى هذا الحد؟ إن لم تجدي الجواسيس، فعلى الأقل يجب أن تعرفي أين اختفوا!”
“لقد كنت طوال الليل أضع لك الكمادات الباردة…….”
“هل تتخذين هذا عذرا؟! تلك الكمادات التافهة كان يمكن لأي شخص أن يفعلها! كان يجب عليك مراقبة تحركات الجواسيس بدلا من تمضية الوقت في مسح المناشف. يا لك من عديمة فائدة!”
شعرت “فيليا” بالظلم.
لكن بما أن “جنيفيف” قررت صب غضبها عليها، فلا نفع من أي اعتراض.
طأطأت “فيليا” رأسها متمنية أن ينتهي هذا الوقت.
وكان حذاء “جنيفيف” المزين بريش الطاووس يركل التراب باستمرار.
ولأنها لم ترد رؤية ذلك، نقلت بصرها إلى الخلف قليلا.
فرأت شيئا بارزا عند قدم تمثال حجري قديم.
‘ما هذا؟ هل هي ورقة خريف؟’
لم تكن متأكدة بسبب المسافة.
لكن الشكل المتشعب والحجم بدا تماما مثل يد بشر…….
” “فيليا”! هل تسمعينني؟”
“آه، نعم. أنا آسفة.”
حنت “فيليا” رأسها بارتباك بعد أن كشف سهوها. وفي تلك اللحظة، مد التمثال قدمه بهدوء.
طق. لقد دفنت اليد التي كانت بارزة تماما تحت قدم التمثال.
كان المسموح لهم بالبقاء في قصر “بيلفر” هم ‘خادمات منزل موريتا’ فقط.
أما الآخرون الذين يتسللون في القصر، فما هم إلا دخلاء.
“آه، هذا مزعج حقا!”
ارتفعت شكوى “جنيفيف” التي لا تعلم شيئا إلى عنان السماء.
* * *
توقفت “إيف” وهي تدخل غرفة الطعام لتناول فطور متأخر.
لقد سبقتها “جنيفيف” إلى هناك.
كانت “جنيفيف” تغمض عينيها أمام طبق الطعام، وكأنها تؤدي صلاة ما قبل الأكل.
‘هذه أول مرة أرى فيها شخصا يصلي في هذا القصر غيري.’
في هذه اللحظة، لمحت عين “إيف” خادمة تقوم على خدمة “جنيفيف”.
‘تلك هي المربية، أليس كذلك؟’
بل كان هناك ما لا يقل عن أربع نسخ من ‘المربية’ يتحركن داخل غرفة الطعام.
واحدة تمسح الأواني بجد، وأخرى تحضر الشاي، وثالثة تجهز الطاولة التي ستجلس عليها “إيف”.
تذكرت “إيف” شرح “غايين” وهي ترى هذا المشهد العجيب.
<المربية هي أفضل موظفة. لرعاية طفل، لا تكفي عشرة أجساد، لذا يمكنها أن تتكاثر إلى عشرة أشخاص.>
في تلك اللحظة، فتحت “جنيفيف” عينيها بعد انتهاء الصلاة.
وعندما رأت “إيف”، زمت شفتيها بعدم رضا.
وبما أن أعينهما قد التقت، فلا مفر.
جلست “إيف” مقابل ضيفتها كما يقتضي واجب صاحبة المنزل.
“صباح الخير، الليدي “جنيفيف”.”
“أوه اعذريني، سيدة “أرنو”! لقد ظننت أن الوقت الآن هو موعد الغداء، هل تصدقين؟”
ردت “جنيفيف” بلؤم وهي تتظاهر بالتثاؤب.
“يبدو أنني كعادتي بدأت يومي بنشاط منذ الصباح.”
‘هل استيقظت الآن فقط، أيتها الكسولة؟ لقد فتحت لك أبواب الحظ بزواجك من “سيريان”……’،
شعرت “إيف” بأن هذا هو ما تريد “جنيفيف” قوله في سرها.
‘إنها امرأة مزعجة منذ الصباح كالعادة.’
للأسف، لم يكن “آندي” موجودا على الطاولة.
قررت “إيف” التوقف عن الحديث مع “جنيفيف” ونظرت خارج النافذة.
كانت أشعة الشمس الهادئة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الضخمة.
وتحتها كانت الشجيرات المنحوتة تهتز بلطف، وخلفها جبل رائع ينتصب كلوحة فنية…….
لحظة.
هل كان هناك جبل في هذا المكان من قبل؟
تحطم!
التفتت “إيف” عند سماع صوت تحطم حاد.
كان هناك طبق محطم عند قدم “جنيفيف”.
ظنت أنها أسقطته بالخطأ، لكن تعبير وجه “جنيفيف” كان قاسيا وخاليا من الذعر.
“البيض واللحم المقدد كله بارد! كان يجب تسخين الأطباق لأتمكن من أكلها ساخنة.”
لقد تعمدت رمي الطبق بالتأكيد.
مالت قبعة المربية التي كانت تقف بجانبها ببطء. بدا وكأنها تميل رأسها تعجبا.
“ولماذا الحليب ساخن هكذا؟ ألا تعلمين أنني أصبت بحرق قبل أيام؟ هل يعامل قصر “بيلفر” ضيوفه بهذه الطريقة؟”
أهو مجرد شعور؟ بدا وجه المربية الفارغ تحت القبعة أكثر ظلمة مما كان عليه قبل قليل…….
كانت كثافة الظلام التي تزداد تثير القشعريرة بمجرد النظر إليها.
لكن يبدو أن “جنيفيف” ترى وجه المربية كخادمة عادية.
“ماذا تنتظرين بغباء؟ أحضري غيره فورا وبشكل صحيح!!”
طق! اصطدم إبريق الحليب الذي رمته “جنيفيف” بصدر المربية ثم سقط.
انسكب الحليب الساخن الذي ينبعث منه البخار، ملطخا مئزر المربية وذراعها.
في الواقع، لم تكن “جنيفيف” غاضبة من خدمة المربية، بل أرادت استفزاز “إيف”.
أرادت الادعاء بأن تدريب الموظفين سيئ لأن صاحبة المنزل ليست بالمستوى المطلوب.
لكن المربية أخذت الأمر على محمل شخصي للغاية.
‘يا لـ قـلـة الأدب.’
بدأت المربية، التي اصبح لون وجهها أسود تماما، تصدر وميضا أحمرا من عينيها.
وعندما التفتت بذلك الوجه نحو “إيف”، أسقطت “إيف” محرمتها ذعرا.
‘هل أؤدبها؟’
“……ماذا قلت؟”
‘هل أعاقبها؟’
“هم؟ نعم نعم.”
لحظة. ألم يكن يجب علي الرد هكذا؟
هزت “إيف” رأسها دون وعي بسبب ضغط المربية، ثم شعرت بالخطأ.
لكن الأوان كان قد فات.
مدت المربية ذراعيها وضمت “جنيفيف” الجالسة على الطاولة بقوة.
وكأنها تهدئ طفلا يصدر ضجيجا ويرمي الأطباق.
“ما هذا، لماذا تضمينني…… كيييي!!”
قفز جسد “جنيفيف” بين ذراعي المربية فجأة.
بدأت تتشنج وتصرخ بألم كما لو كان جسدها بالكامل يكوى بمكواة ساخنة.
“آآآخ! مؤلم!! توقفي!!”
بدأت أطراف “جنيفيف” التي تتخبط تضرب المربية وتدفعها بجنون.
كان صراعا يائسا، لكن المربية لم تتحرك شبرا واحدا.
بعد بضع ثوان، رفعت المربية ذراعيها وتراجعت.
سقطت “جنيفيف” بوجهها على الطاولة وفقدت الوعي.
لم تتحرك أبدا.
هل ماتت يا ترى؟
“……كـا.”
اصطكت أسنان “إيف” وهي تنطق بصعوبة:
“كاميين…… كاميين!!”
“هل ناديتني؟”
ظهر “كاميين” فجأة كالدخان.
ودون أن تجد وقتا للدهشة من هذه المهارة، أشارت “إيف” بيد مرتجفة إلى “جنيفيف”.
“ما، ماذا أفعل؟ المربية فعلت، فعلت ذلك…….”
“آه.”
بدا “كاميين” وكأنه فهم ما يحدث.
أمسك بكتف “جنيفيف” بيد واحدة ورفع جزءها العلوي.
“لا تزال على قيد الحياة.”
غطت “إيف” فمها بيدها.
كان وجه “جنيفيف” ورقبتها وذراعاها، كل ما لمسته المربية، متقرحا وأحمرا تماما.
مثل جلد رضيع ترك في المهد لفترة طويلة جدا.
“ما، ماذا أفعل؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"