1
استمتعوا
“أيها الوغد!”
ما إن استدار إيفان بعد أن سرق رغيفًا بحجم قبضة اليد من كشك مكدّس بالخبز، حتى شُدَّت ياقة ثوبه بعنف.
“أيها اللص الحقير! كم مرّةً فعلت هذا؟ أتحسبني سهلًا إلى هذا الحد؟ ها؟“
“لا، يا عمّ. كنتُ سأشتري هذا.”
تمتم إيفان شتيمةً في سرّه، وأسرع فوضع الخبز الذي كان في يده.
لقد تأكّد أنه رأى صاحب الكشك يدخل إلى الداخل، فمن أين ظهر هذا الرجل الشبيه بالدبّ؟
“أمّي قالت لي أن أسبقها وأنتظرها هنا، فكنتُ أختار فقط.”
تظاهر إيفان بتلك السذاجة البريئة التي تميّز الأطفال حين يرتبكون، وأسرع يختلق عذره.
“هاه؟ أتظنّني أحمق، أيها المتسول؟“
طم!
لم يُتح له حتى أن يندب سوء حظّه؛ فقد سقط أرضًا قبل ذلك.
بإشارةٍ واحدة من يد الرجل، هوى بصر إيفان إلى الأرض.
“أتظنّني لم أرَ عينيك تتقلّبان بحثًا عمّا تسرقه؟“
قبض الرجل على رأس إيفان بعنف وراح يهزّه يمينًا ويسارًا.
أدرك إيفان في تلك اللحظة أنه وقع في مأزقٍ حقيقي.
“بسبب أمثالك يتعطّل رزقي، رزقي!”
“هذا يؤلمني!”
“سأجعلك لا تقترب من هذا المكان مرّةً أخرى!”
عرقله الرجل فأسقطه أرضًا، ثم أعاد الكرّة.
يمسك برأسه الملقى على الأرض فيرفعه، ثم يعرقله ليسقط، ثم يرفعه مجددًا…
تبًّا.
تحت وابل اللكمات الغاشمة، وبينما يتأرجح بلا وعي، راح إيفان يحدّق في الوجوه المحيطة به.
ثم وجدها.
امرأةٌ بدت غبية، تقف بين الحشد بوجهٍ خالٍ من التعبير، وقد عقدت حاجبيها كأنها متألمة.
بمجرّد أن وقعت عيناه عليها، أدرك حقيقتها.
إنها من أولئك الذين يمدّون أيديهم إلى البائسين ليتباهوا بنبلهم.
ما إن سقط مجددًا وتفلّت من يد الرجل، حتى اندفع إيفان بكل ما أوتي من قوة نحو تلك المرأة التي لا تحرّك سوى شفتيها، وعانق خصرها.
“أمّي!”
صرخ إيفان وهو يشدّ جسدها المتصلّب من التوتر، كأنها غير معتادة على العنف.
لم يكن بوسع هذه المرأة أن تتجاهله. لا بدّ أنها ستنقذه.
“أمّي!”
“ما هذا؟ أهذه أمّ هذا اللص؟ أهذا صحيح؟“
شدّ إيفان طرف ثوبها بإلحاح، ورفع رأسه إليها كأنه يستعطفها أن تسايره في الكذبة.
عبست المرأة قليلًا، كأنها في حيرة.
“أمّي…”
لكنها سرعان ما حسمت أمرها، فأحاطت رأس إيفان بذراعيها وأومأت.
“إن كنتِ تحاولين التستّر على لصٍّ كهذا، فكفّي عن ذلك. إنه حثالة لا تعرف الندم.”
قال صاحب الدكّان بوجهٍ متجهّم، وهو يتفحّص المرأة.
“كان يدور هنا بعينيه محاولًا سرقة الخبز، ثم تجرّأ على الكذب ليخدع الكبار.”
“أمّي، أنا آسف. لن أفعل ذلك مرّةً أخرى، حقًّا. أرجوكِ، لا تتجاهليني. لن أفعلها مجددًا.”
شدّ الرجل مؤخرة عنق إيفان بقسوة مرةً أخرى.
“كفى كذبًا. لن أتركك تعبث بالكبار بعد الآن…”
“كفّ عن ذلك. قلتُ إنه ابني.”
أخيرًا، فتحت المرأة التي ظلت صامتة فمها.
كان صوتها واهنًا مرتجفًا، لكنه جلب طمأنينةً فورية.
شدّت إيفان إليها مرةً أخرى، في إشارةٍ واضحة إلى أنه لم يعد مسموحًا لأحد بلمسه.
“تِش. إذًا ادفعي المال. كل ثمن الخبز الذي سرقه.”
“لم أسرق من هنا من قبل! هذه أول مرة!”
“ومع ذلك؟“
رفع الرجل يده كأنه سيضربه مجددًا، فاحتضنت المرأة رأس إيفان بقوة.
“كفّ. قلتُ إنني سأعوّضك، فلماذا تضرب الطفل مرةً أخرى؟“
“إذًا عجّلي. تسعون روك.”
تنورةٌ بالية وقميصٌ مجعّد.
لم يكن يبدو على هذه المرأة أنها تملك مثل هذا المبلغ.
“يا هذا! الذي كنتُ سآخذه ثمنه روك واحد فقط! أيها الأحمق! لماذا تنتزع خسارتك من الآخرين؟!”
خشي إيفان أن تهرب المرأة وتتركه حين ترى المبلغ الكبير، فشدّ ذراعيه حول خصرها أكثر وصاح.
مدّ الرجل يده ليقبض عليه من جديد.
“يا عمّ، توقف.”
تصلّب فم المرأة.
شدّت ذراع إيفان قليلًا، ثم أخرجت كيس نقودٍ من داخل ثيابها، وقدّمت للرجل قطعةً بقيمة مئة روك.
“قلتُ إنها المرة الأولى!”
رأى إيفان ابتسامة الرجل تمتد حتى أذنيه، فهزّ ثوب المرأة بقلق.
لِمَ تعطيه هذا المبلغ الضخم هكذا؟
“حقًّا هي المرة الأولى؟“
“نعم! أنا أصلًا لا أعيش هنا، فكيف أسرق؟“
ارتجفت عينا المرأة قليلًا.
“…إذًا، لماذا حاولت السرقة الآن؟ كان يمكنك أن تخبر أمك.”
كاد إيفان يسخر.
ظنّ أنها ستطالبه بإعادة التسعين روك، فإذا بها تنشغل بتعليمه بدل المال.
لو كان الأمر يُحلّ بكلمة، لما سرق أحد.
“لا يجوز أن تأخذ ما ليس لك.”
يا لها من غبية.
“حسنًا. لن أفعل ذلك مجددًا.”
مسح إيفان عينيه بخشونة، متظاهرًا بالطاعة، وأومأ برأسه.
“انظري، إنه ينزف.”
“لا بأس.”
كانت يدها الباردة تمرّ مرارًا على وجهه…
“أخذتُ حقي. وهذا الباقي.”
مع سخرية صاحب الكشك، ألقى النقود على الأرض كأنها قمامة، فتدحرجت على الأرض.
“أيها الرجل!”
احمرّ وجه المرأة وهي تنظر إلى النقود المتدحرجة، ثم اندفعت إلى داخل الكشك خلفه، متجاهلةً العشرة روك على الأرض.
رغم مظهرها، بدا أنها ثرية.
لم يرَ جيدًا، لكن كيس النقود كان ممتلئًا…
فكّر إيفان أن يلتقط المال ويهرب، ثم غيّر رأيه.
لو استدرّ شفقتها، فربما تعطيه مبلغًا أكبر.
نعم، انتظار ما ستمنحه له أفضل من الهرب بعشرة روك.
مسح دموعه مجددًا، وبدأ يلتقط النقود من الأرض.
إن شكرها وأعاد المال، فستوبّخه بلطف وتعطيه بعض المال…
تفحّص نفسه ليرى إن كان يبدو بائسًا بما يكفي.
ثيابٌ ممزّقة لم يبدّلها منذ أسبوع، وشعرٌ مبعثر،
ومعصمان بارزان من الجوع تحت الأكمام القصيرة.
“أهم…”
حين همّ بلمس جرحه ليجعله ينزف مجددًا، رفع رأسه فجأةً عند ظلٍّ خيّم فوقه.
“ما اسمك؟“
لا يدري متى خرج الرجل، لكنه كان يفرك مئزره بيديه الكبيرتين ويتجنب النظر إليه.
ثم التقت عيناهما، فابتسم الرجل ابتسامةً متكلّفة.
ما الذي يريده؟
كان يودّ أن يصرخ. أعطني المال وكفّ عن الحماقات، لكن الكبار لا يحبّون الأطفال الوقحين.
“…إيفان.”
أجاب مطيعًا، وهو يلمح المرأة خلفه.
“حسنًا، ظننتُ أنك من سرق الخبز من هنا… لا، أعني، أنا آسف لأنني ضربتك.”
“…ماذا؟“
رفع إيفان رأسه، وقد كان يراقب المرأة بطرف عينه.
الدبّ الذي كان يضربه قبل لحظات صار يعتذر…
وليس للمرأة، بل له هو.
له، طفلٍ في السابعة، لا يملك شيئًا.
رفع إيفان نظره إلى المرأة الواقفة بجانبه.
“أنا آسف… حقًّا.”
“…”
“آه، لحظة. خذ هذه لتأكلها، وإذا مررتَ هنا مرةً أخرى، سأعطيك ما تحب مجانًا.”
أعطاه الرجل كيسًا مملوءًا بالخبز، وهو يعتذر مجددًا تحت نظر المرأة.
أمسك إيفان الكيس، مذهولًا، ثم نظر إليها مرةً أخرى.
لا بدّ أنها فعلت شيئًا في الداخل.
لكن ماذا فعلت حتى جعلته يعتذر؟
شفاهٌ مطبقة بإحكام، ونظرة ثابتة لا تتزعزع.
ثم أطلقت المرأة زفرةً خفيفة وأشاحت بنظرها.
“إذًا، إلى اللقاء.”
وكأنها إشارة، اندفع الرجل إلى الداخل مسرعًا كأنه يفرّ من وحش.
وبدأ الناس يتفرقون واحدًا تلو الآخر.
“…”
حين التقت أعينهما، مدّت المرأة يدها البيضاء أمام إيفان.
“…تفضّلي.”
تأمّل يدها لحظة، ثم سلّمها النقود التي كان يمسكها.
وضعتها في جيبها دون كلمة، ثم مدّت يدها إليه مجددًا.
“لنعد إلى المنزل، يا إيفان.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 1"