الفصل السابع
الصمت الذي أعقب رحيل رايان ورجاله أثقل من أي صرخة. جلست ليزا في زاوية الغرفة السرية، عيناها الخضراوان مثبتتان على الشاشات التي أصبحت سوداء تماماً. شعرت أنها باعت روحها للشيطان، وأن الكلمات التي نطقت بها عبر المذياع حفرت قبرها بيدها الخاصة.
«أحسنتِ يا ليزا»، همس أدريان وهو يقترب، يده الباردة تلمس كتفها العاري. «أثبتِ لي أنكِ تفهمين معنى التضحية. أنقذتِ حياة ذلك المحقق الغبي، ومنحتِني قلبكِ بالكامل».
«لم أمنحك شيئاً»، ردت بصوت ميت دون أن تلتفت. «منعت وقوع مجزرة فقط».
ضحك أدريان ورفع ذقنها لتقابل عينيه الرماديتين اللتين تلمعان ببريق جنوني. «المجزرة تحدث داخلكِ الآن يا ليزا. تقتلين ليزا القديمة الضعيفة التي كانت تنتظر الإنقاذ. والآن سأرسم هذه اللحظة.. سأرسم وفاءكِ لي».
سحبها من يدها نحو مرسمه الخاص في الطابق العلوي. كان المرسم واسعاً، جدرانه مغطاة بلوحات غير مكتملة، ورائحة الزيت والتربنتين تملأ المكان. في الوسط لوحة بيضاء ضخمة تنتظر.
«اليوم لن نستخدم ألواناً عادية»، قال وهو يخرج مشرطاً جراحياً من علبته المخملية. «اليوم سنرسم بدم الوفاء».
تجمدت ليزا. «ماذا ستفعل؟»
«لا تخافي، بضع قطرات فقط من دمكِ لتمتزج بدمي. سنرسم لوحة تعبر عن اتحادنا الأبدي».
أمسك يدها اليسرى ومرر المشرط ببطء على باطن كفها. لم تصرخ؛ كانت قد اعتادت الألم، أو ربما تبلدت روحها لدرجة أنها لم تعد تشعر بجسدها. سال الدم أحمر قانياً وقطر في وعاء كريستالي صغير. ثم فعل أدريان الشيء نفسه بيده، وخلط الدمين بفرشاة من شعر الغزال.
«انظري كيف يمتزجان»، قال وهو يبدأ في رسم خطوط عريضة على اللوحة. «لا يمكنكِ التمييز بين دمي ودمكِ الآن. نحن واحد يا ليزا. هذه الحقيقة التي لا يستطيع رايان أو صوفيا أو حتى والدي ريج تغييرها».
بدأ يرسم وجهاً لامرأة تتلاشى ملامحها في غيوم حمراء. كانت اللوحة مرعبة وجميلة في آن واحد، تعكس الهوس الذي يملأ عقل أدريان. ليزا تشاهد بصمت، وشعرت بدوار يجتاحها. رائحة الدم قوية، وبدأت تشعر أنها تغرق داخل اللوحة.
«أدريان.. أنا متعبة»، همست وهي تترنح.
أمسكها قبل أن تسقط، وحملها إلى الكرسي المخملي. «ارتاحي يا فتاتي. بذلتِ جهداً كبيراً اليوم. لكن قبل أن تنامي، لدي مفاجأة أخرى».
أخرج هاتفه وفتح مقطع فيديو. «انظري».
رأت ليزا أختها الصغرى ميا تسير في شارع مظلم في لندن، تنظر خلفها بقلق. فجأة ظهرت سيارة سوداء بجانبها، ونزل رجل يرتدي قناعاً.
«ميا!» صرخت ليزا وهي تحاول الإمسك بالهاتف.
«اششش.. هي بخير حتى الآن»، قال أدريان وهو يغلق الفيديو. «ميا بدأت تسأل كثيراً. ذهبت إلى الشرطة وحاولت الاتصال بصوفيا. ميا في خطر، ليس مني فقط، بل من رجال والدي ريج الذين لا يملكون صبري».
«ماذا تريد مني؟» سألت ليزا وهي تبكي بحرقة.
«أريدكِ أن تكتبي لها رسالة. أخبريها أنكِ بخير، وأنكِ سافرتِ مع حبيبكِ إلى الخارج، وأنها يجب أن تتوقف عن البحث عنكِ إذا أرادت العيش. إذا فعلتِ ذلك، سأضمن سلامتها».
شعرت ليزا أن الخناق يضيق أكثر فأكثر. لم يكتفِ أدريان بامتلاكها، بل يستخدم كل من تحب كرهائن لضمان ولائها. جلست على المكتب وأمسكت بالقلم.
«عزيزتي ميا»، كتبت والدموع تلطخ الورق. «أنا بخير. وجدت الحب الذي كنت أبحث عنه دائماً. أنا مع أدريان الآن، ونحن في مكان بعيد وجميل. أرجوكِ، لا تبحثي عني، ولا تتحدثي مع الشرطة. عيشي حياتكِ وانسيني. أنا سعيدة هنا».
أعطت الرسالة لأدريان الذي قرأها بابتسامة رضا. «جيد جداً. سأرسلها لها غداً مع باقة من زهور الياسمين التي تحبينها».
في تلك الليلة عاد أدريان بليزا إلى الغرفة الحمراء. عاملها برقة مبالغ فيها، كأنها قطعة زجاج قابلة للكسر. غسل جرح يدها، لفه بضمادة حريرية، ثم قبل كفها بعمق.
«أنتِ ملكتي الآن»، همس وهو يطفئ الأنوار. «ولا يمكن لأحد أن يلمس ملكة أدريان فالكون».
في لندن، كانت ميا تجلس في غرفتها تنظر إلى صورة ليزا. شعرت أن شيئاً خاطئاً. لم تكن ليزا لتتركها هكذا دون وداع حقيقي. رن جرس الباب، فوجدت طرداً صغيراً. فتحته لتجد الرسالة وباقة ياسمين.. وبين الزهور مقصاً فضياً صغيراً عليه قطرة دم جافة.
صرخت ميا وسقطت الرسالة من يدها. عرفت هذا المقص؛ رأته في أحلام ليزا المزعجة. «ليزا.. ماذا فعل بكِ؟»
في الوقت نفسه، كانت صوفيا تجلس مع رايان في مكتبه السري. «رايان، الرسالة التي وصلت لميا.. حللت الحبر والورق. ورق فاخر لا يباع إلا في أماكن محددة. والأسوأ، وجدت بصمة خفية.. بصمة أدريان فالكون».
«إنه يتلاعب بنا»، قال رايان وهو ينظر إلى الخريطة. «يريدنا أن نعرف أنه يمتلكها، وأنه يستطيع الوصول إلى ميا في أي وقت. صوفيا، يجب أن نضع ميا تحت الحماية الفورية».
«فعلت ذلك بالفعل»، قالت صوفيا. «لكننا بحاجة إلى خطة جديدة. الاقتحام فشل، وليزا قالت إنها تحبه.. هل تعتقد أنها كانت تعني ذلك؟»
صمت رايان طويلاً. «لا أعرف. أدريان محترف في غسل الأدمغة. قد يكون كسرها لدرجة أنها بدأت تصدق أكاذيبه. لكنني لن أتخلى عنها، حتى لو كرهتني».
في القصر، عادت ليزا إلى مذكراتها السرية تحت البلاطة. «اليوم رسم بدمي. شعرت بدمه يمتزج بدمي، وشعرت بشيء مرعب.. شعرت بالانتماء. هل هذا الموت النفسي؟ أدريان يهدد ميا، وأصبحت شريكته في الجريمة. دكتورة سارة زارتني اليوم وقالت إنني أتحسن. هل التحسن يعني أن أصبح وحشاً مثله؟»
فجأة سمعت صوتاً غريباً من خلف الجدار. همس أنثوي حزين مكسور.
«ليزا… ليزا…»
اتجهت نحو الجدار الذي يفصل غرفتها عن الجناح المهجور. «من هناك؟» همست.
«أنا.. أنا هنا.. في الظلام..»
بحثت عن فتحة، ووجدت شقاً صغيراً خلف خزانة الملابس. نظرت عبره، فرأت غرفة مظلمة، وامرأة تجلس على الأرض، شعرها طويل مشعث، ملابسها ممزقة.
«من أنتِ؟» سألت برعب.
«أنا.. أنا كنت ليزا قبلكِ»، قالت المرأة بصوت مبحوح. «أنا اللوحة التي لم تكتمل. اهربي.. اهربي قبل أن يقص لسانكِ كما فعل معي».
تجمدت ليزا. «ماذا؟ أدريان فعل هذا بكِ؟»
«لا.. ليس أدريان.. ريج.. والده.. ريج لا يحب النساء اللواتي يتحدثن كثيراً. أدريان يحبكِ الآن، لكن ريج سيأتي.. وسيأخذكِ منه».
في تلك اللحظة انفتح باب غرفتها فجأة. دخل أدريان، وجهه شاحب كالموت. «مع من تتحدثين يا ليزا؟»
حاولت إخفاء الشق بجسدها. «لا أحد.. كنت أتحدث مع نفسي».
اقترب، وعيناه تفتشان الغرفة. دفعها جانباً ورأى الشق. تنهد بعمق ونظر إليها بحزن. «وجدتِ ماريا. ماريا كانت خطيئة والدي القديمة. أبقاها هنا ليعلمني درساً في الصمت».
«تتركها هنا؟ في هذا الوضع؟» صرخت ليزا.
«لا أملك القوة لمواجهة والدي في شؤونه الخاصة يا ليزا. ماريا ماتت منذ زمن، ما ترينه جسد يسكنه الألم. ولهذا يجب أن تكوني مطيعة. لا أريدكِ أن تنتهي مثلها».
أمسك يدها وسحبها بعيداً عن الجدار. «غداً سيصل ريج إلى القصر. يريد أن يراكِ. تذكري ما قلته؛ حياتكِ وحياة ميا تعتمدان على انطباعه الأول. كوني العروس المثالية، وسننجو جميعاً».
نظرت ليزا إلى أدريان، ورأت في عينيه خوفاً حقيقياً لأول مرة. كان يخاف من والده أكثر مما تخافه هي. أدركت أن القصر الرمادي ليس مملكة أدريان، بل سجن كبير، وأدريان سجان يرتدي قيوداً أثقل من قيودها.
في تلك الليلة لم تنم. سمعت همسات ماريا عبر الجدار، وتنتظر وصول الوحش الأكبر ريج فالكون، مدركة أن القادم سيكون أكثر دموية وظلاماً مما عاشته حتى الآن.
كتب أدريان في مذكراته قبل أن ينام:
ريج قادم. يريد أن يأخذ ليزا مني أو يحطمها. لن أسمح له. ليزا روحي، وإذا حاول لمسها سأقتله، حتى لو كان ذلك نهاية عائلة فالكون. اللوحة التي رسمناها بدمنا اليوم عهدنا الأبدي. الموت وحده سيفصلنا.. أو ربما الموت هو ما سيجمعنا حقاً.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 7"