الفصل الثالث عشر
لندن في المساء تبدو كلوحة زيتية باهتة، غارقة في ضباب رمادي يمتص الألوان والأصوات. جلست ليزا في «المنزل الآمن» الذي أعدته صوفيا في حي كامدن، شقة صغيرة فوق متجر كتب قديم. رائحة الورق المصفر والغبار ملأت المكان، وصوت قطرات المطر على النافذة يذكرها بصوت المقص الذي يطارد أحلامها كل ليلة.
«ليزا، يجب أن تأكلي شيئاً»، قالت صوفيا وهي تضع طبق حساء ساخن أمامها. «مر يومان منذ وصولنا، وأنتِ لم تلمسي الطعام».
نظرت ليزا إلى الحساء، لكن عينيها كانتا تريان وجه أدريان يصرخ باسمها في الغابة، وريج يرفع المشرط فوق المذبح. «هل تعتقدين أنه سيجدنا يا صوفيا؟»
تنهدت صوفيا وجلست بجانبها. «قمت بتشفير كل شيء. غيرنا الهويات والسيارات وحتى الهواتف. رايان لا يزال في المستشفى لكنه بخير. الشرطة تبحث عن ريج وأدريان في كل مكان».
«الشرطة لا تستطيع إيقافهم»، همست ليزا وهي تلمس الندبة الصغيرة على معصمها. «أدريان ليس مجرد رجل، إنه ظل. والظل لا يمكن القبض عليه».
على الجانب الآخر من الشارع، وقف رجل يرتدي معطفاً طويلاً وقبعة تخفي ملامحه تحت مظلة سوداء. عيناه الرماديتان مثبتتان على نافذة الطابق الثاني. لم يتحرك، لم يرمش. كان يراقب ليزا وهي تجلس، تبكي، تحاول النجاة.
كان أدريان.
لم ينم منذ احتراق القصر. جسده مغطى بالضمادات، لكنه لا يشعر بالألم الجسدي. الألم الوحيد الذي يمزقه هو غياب ليزا. شعر بخيط غير مرئي يربطه بها، يزداد توتراً كلما ابتعدت.
«أنتِ هناك يا فتاتي»، همس أدريان، صوته ضاع في صوت المطر. «تظنين أنكِ هربتِ، لكنكِ انتقلتِ من سجن كبير إلى سجن أصغر. سأترككِ تتنفسين قليلاً، حتى يحين الوقت لأعيدكِ إلى مملكتي».
أخرج منظاراً صغيراً وبدأ يتفحص الغرفة. رأى صوفيا تتحدث مع ليزا، ورأى ليزا ترتجف. شعر برغبة عارمة في عبور الشارع، تحطيم الباب، حملها بين ذراعيه.
لكنه يعلم أن ريج يراقبه. والده لم يسامحه على ضعفه، ينتظر غلطة ليقضي عليهما.
في المنزل الآمن، شعرت ليزا بقشعريرة فجأة. وقفت واتجهت إلى النافذة، نظرت إلى الشارع المظلم.
«ماذا هناك؟» سألت صوفيا بقلق.
«أشعر بشخص يراقبني»، قالت ليزا وهي تشد الستائر بقوة. «أشعر بعينيه تخترقان الجدران».
«مجرد توتر يا ليزا. مررتِ بالكثير».
لكن ليزا تعرف الحقيقة. تعرف أن أدريان لا يترك فريسته أبداً. عادت إلى سريرها، حاولت النوم، لكنها رأت المقص الفضي يقترب من عنقها.
في تلك الليلة تسلل أدريان إلى مدخل البناية. لم يدخل الشقة، أراد ترك أثر. وضع وردة ياسمين بيضاء ملطخة بقطرة دم أمام الباب، ثم اختفى في الظلام كما ظهر.
في الصباح، عندما خرجت صوفيا لإحضار الخبز، وجدت الوردة. تجمدت، الرعب يغزو قلبها. «يا إلهي… لقد وجدنا».
أخفت الوردة ولم تخبر ليزا. أرادت حمايتها من الانهيار. اتصلت برايان.
«رايان، لقد وجدنا. أدريان هنا».
«كيف؟»
«ترك علامته. يجب أن ننقل ليزا فوراً».
في تلك الأثناء، كان أدريان في شقة فاخرة يراقب الشاشات من الكاميرات التي زرعها جاكس. رأى صوفيا تجد الوردة، ابتسم ابتسامة مظلمة.
«الخوف أجمل لون في لوحتكِ يا ليزا»، قال وهو يمرر إصبعه على الشاشة. «يجعل عينيكِ الخضراوين تلمعان ببريق لا يقاوم».
دخل جاكس. «سيدي، ريج أرسل رجاله. يراقبوننا. يريد الفتاة الآن».
«والدي عجوز وأحمق»، رد أدريان. «يريد تحطيمها، وأنا أريد امتلاكها. أخبر رجاله أن أي شخص يقترب قبل إشارتي سيموت ببطء».
«لكنه يهدد بسحب الدعم».
«فليذهب إلى الجحيم. أنا أملك ما يكفي. ليزا مفتاح كل شيء. بدونها لا مستقبل لعائلة فالكون».
في المنزل الآمن، بدأت ليزا كتابة مذكراتها في دفتر تحت الوسادة. «اليوم الثالث في لندن. أشعر أنني في قفص زجاجي. صوفيا تحاول أن تبدو قوية، لكنني أرى الخوف في عينيها. أدريان هنا، أشم رائحة الياسمين، أسمع المقص في الصمت. هل سأهرب إلى الأبد؟ أم أواجهه؟»
فجأة رن الجرس. صوفيا أمسكت مسدسها. «من هناك؟»
«أنا إيلينا».
فتحت الباب، دخلت إيلينا تبكي. ارتمت ليزا في حضن أمها، بكيا معاً.
«سامحيني يا ليزا»، قالت إيلينا. «كل هذا بسببي. لو لم أهرب من ريج…»
«لا تلومي نفسكِ أمي. ريج وحش، وأدريان أكبر».
«ليزا، يجب أن تعرفي شيئاً. ريج لا يريدكِ فقط لأنكِ ابنته. يريدكِ لأنكِ تملكين مفتاح خزنة سرية في سويسرا، خزنة تحتوي على وثائق تدين عائلة فالكون بالكامل. وضعتُ تلك الوثائق باسمكِ عندما ولدتِ، كضمان لحياتكِ».
شعرت ليزا بالصدمة. «وثائق؟ خزنة؟ أنا لا أعرف شيئاً عن هذا!»
«لهذا يطاردكِ ريج. ولهذا يحاول أدريان حمايتكِ منه، ليأخذ الوثائق لنفسه. أنتِ لستِ مجرد هوس بالنسبة لهما، أنتِ كنز سياسي ومالي».
شعرت ليزا بالغثيان. «إذاً كل هذا الحب، كل هذا الهوس… كان من أجل المال والسلطة؟»
«بالنسبة لريج نعم»، قالت إيلينا. «لكن بالنسبة لأدريان… الأمر أعقد. يحبكِ بطريقة مريضة، لكنه أيضاً يحتاج لتلك الوثائق ليتحرر من والده».
في تلك اللحظة انطفأت الأنوار في الشقة. ساد صمت مطبق، ثم سمعوا تحطم زجاج في الغرفة المجاورة.
«إنه هنا!» صرخت صوفيا وهي تطلق النار نحو الظلام.
ظهر أدريان من بين الظلال، يرتدي قناعاً أسود. لم يحمل مسدساً، بل مقصه الفضي. تحرك بسرعة البرق، وجرد صوفيا من سلاحها بضربة واحدة.
«ليزا، تعالي معي»، قال أدريان بصوته الهادئ المرعب. «والدي أرسل رجاله، وهم في طريقهم إلى هنا. إذا بقيتِ سيقتلون الجميع».
«لن أذهب معك!» صرخت ليزا وهي تتشبث بأمها.
«ليس لديكِ خيار»، رد أدريان وهو يمسك بيدها ويسحبها بقوة. «إما أن تأتي معي، أو تشاهدي أمكِ وصديقتكِ يموتان الآن».
أخرج قنبلة دخانية ورماها على الأرض. امتلأت الشقة بدخان كثيف. في وسط الفوضى سحب ليزا نحو النافذة. قفزا إلى السطح المجاور، حيث كانت مروحية تنتظر.
«ليزا! لا!» صرخت صوفيا وهي تحاول اللحاق بهما، لكن رجال ريج بدأوا اقتحام الشقة، واندلعت معركة بالأسلحة النارية.
حمل أدريان ليزا ووضعها في المروحية. «انطلق!» صرخ للطيار.
بينما كانت المروحية ترتفع فوق سماء لندن، كانت ليزا تنظر إلى الأسفل وترى الشقة تحترق. رأت صوفيا وإيلينا يخرجان من المبنى، لكن رجال ريج يلاحقونهما.
«أرجوك… أنقذهما!» صرخت ليزا وهي تضرب صدر أدريان.
«لقد فعلتُ ما يكفي يا ليزا»، رد أدريان وهو يمسك بيديها ويثبتهما. «أنقذتكِ أنتِ. وهذا هو كل ما يهم».
أخرج منديلاً مبللاً بمادة مخدرة، وضعه على وجه ليزا. «نامي يا فتاتي. عندما تستيقظين سنكون في مكان لا يمكن لأحد أن يؤذينا. سنكون في مملكتنا الخاصة».
شعرت ليزا بجسدها يرتخي، وعيناها تنغلقان ببطء. آخر ما رأته وجه أدريان ينظر إليها بحب وجنون، وصوت المروحية يبتعد عن لندن نحو المجهول.
كتب أدريان في مذكراته بينما كانت ليزا نائمة بجانبه:
لقد استعدتها. القوس الثاني بدأ (الاختطاف والكسر). ليزا تظن أنني أخذتها من أجل الوثائق، لكنها لا تعرف أنني سأحرق تلك الوثائق أمام عينيها لأثبت لها أنني لا أريد سوى قلبها. ريج سيجن جنونه، وصوفيا ستحاول تعقبنا، لكننا سنكون في «جزيرة الصمت». هناك سأكسر إرادتها، وسأجعلها تحبني رغماً عنها. ليزا، أنتِ مقصي، وأنا قماشكِ. سأقصكِ وأعيد خياطتكِ كما أريد.
والمخدر تملأ المروحية، رائحة البداية الجديدة التي كانت تفوح بالموت . ليزا كانت تحلم بمقص كبير يقص سماء لندن، ويحولها إلى قطع صغيرة من الورق الأسود الذي يتساقط فوقها كالثلج.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 13"