الفصل العاشر
ليلة لندن باردة، لكن الحرارة داخل شقة صوفيا رييس كانت مرتفعة بسبب أجهزة الحواسيب التي تعمل بأقصى طاقتها. جلست صوفيا، بشعرها الأسود المجعد وعينيها اللتان لم تعرفا النوم منذ أيام، أمام ست شاشات عملاقة، أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بسرعة مذهلة. نجحت أخيراً في تجاوز الجدار الأول لحماية قصر «عش الغراب».
«وجدتكم يا أولاد العاهرة»، همست صوفيا، وابتسامة انتصار خافتة ترتسم على شفتيها.
على الشاشة الرئيسية بدأت تظهر مربعات صغيرة، كل واحدة تمثل كاميرا داخل القصر. تنقلت بينها بمهارة. رأت الممرات الحجرية الباردة، ورأت جاكس ينظف سلاحه في غرفة الحراس، ورأت ريج فالكون جالساً في مكتبه الفخم يقلّب أوراقاً تبدو كعقود موت.
لكن ما صدمها حقاً كان ما وجدته في غرفة ليزا. لم تكن كاميرا واحدة، بل عشرات الكاميرات المخبأة بدقة متناهية؛ خلف إطارات الصور، داخل فتحات التهوية، وحتى داخل عيون الدمى التي وضعها أدريان كزينة.
«هذا ليس هوساً، هذا تشريح لروحها»، قالت صوفيا وهي تشعر بالقشعريرة تجري في جسدها. «إنه يراقب حتى نبض قلبها».
داخل القصر، نقلت ليزا إلى مكان جديد. لم تعد في الغرفة الحمراء، بل في «الغرفة السوداء» في الطابق السفلي، بأمر ريج فالكون. كانت الغرفة خالية من الأثاث، جدرانها مكسوة بمادة تمتص الضوء والصوت، مما يجعل الصمت يبدو كطنين مستمر في الأذنين.
جلست ليزا على الأرض تضم ركبتيها، والظلام يلفها ككفن. لم تعرف كم مر الوقت؛ ساعة؟ يوم؟ في هذه الغرفة يتلاشى الزمن ويصبح العقل العدو الوحيد.
انفتح الباب ببطء، ودخل ريج فالكون. لم يحمل سوى مصباح صغير يوجه ضوءه نحو وجه ليزا الشاحب.
«هل بدأت تسمعين أصواتاً يا ليزا؟» سأل ريج بصوته العميق البارد. «هذا هو الصمت الذي عاش فيه أدريان لسنوات بعد موت أمه. هذا المكان الذي نصنع فيه الرجال.. أو نحطم فيه النساء».
«لماذا تفعل هذا بي؟» سألت ليزا بصوت مبحوح.
«لأنني أريد أن أرى ما بداخلكِ حقاً. أدريان يظن أنكِ ملاك، وأنا أظن أنكِ طفيلة تتغذى على هوسه. في هذه الغرفة لا أقنعة. أخبريني، هل بدأت تحبينه؟ أم أنكِ تخافين الموت فقط؟»
لم ترد ليزا. كانت تشعر أن عقلها يتفكك. صور أدريان وهو يقتل، وهو يغسل جروحها، تتصادم في رأسها.
«أدريان ضعيف»، تابع ريج وهو يقترب. «يملك قوة قتل مائة رجل، لكنه لا يملك قوة قتلكِ. هذا الضعف سيقتله. إذا أحببتِه حقاً، اتركيه. اجعليه يكرهكِ، حتى يعيش كفالكون حقيقي».
«أنت تريد تحطيمه لا حمايته»، ردت ليزا وهي تنظر في عينيه الباردتين.
ضحك ريج ضحكة قصيرة. «أريد بقاء الإمبراطورية. النساء دائماً الثغرة في جدار القوة. ماريا كانت ثغرتي، فأغلقتها. وأنتِ ثغرة أدريان، وسأغلقكِ بطريقة أو بأخرى».
خرج ريج وأغلق الباب، تاركاً ليزا في الظلام. بدأت الهلوسات: صوفيا تناديها، إيلينا تبكي، ثم أدريان يقف أمامها يبكي دموع دم.
في لندن، وصلت صوفيا إلى ملف مشفر «مشروع ليزا». فكت الشفرة، وشحب وجهها.
«رايان! تعال!»
دخل رايان، نظر إلى الشاشة. «ماذا؟»
«أدريان لم يختطفها بالصدفة. كان يراقب عائلة كيندال من سنوات. إيلينا كانت عشيقة ريج، هربت حاملاً. ليزا قد تكون…»
«ابنة ريج؟»
«نعم. أدريان يعرف. هو لا يحبها كعاشق فقط، بل كجزء من دمه».
«هذا يجعل الأمر أسوأ».
داخل القصر، دخل أدريان الغرفة السوداء رغم أوامر والده. وجد ليزا منهارة، حملها إلى الحديقة تحت المطر.
«ليزا! استيقظي!»
فتحت عينيها. «أدريان؟ هل نحن في الجحيم؟»
«لا، في بيتنا. سأعيدكِ. لن أسمح له بوضعكِ هناك».
أعادها، جفف شعرها، ارتجف من الغضب. «يجب أن نرحل. لدي جزيرة في الكاريبي، سرية. سنعيش وحدنا».
نظرت إليه، رأت الطفل الخائف. «لا تستطيع الهرب من نفسك».
سقط على ركبتيه. «ساعديني. إذا أحببتني، سأتغير. سأترك الدم.. فقط لا تتركيني».
لمست شعره. تناقض مرعب في قلبها.
ثم رن الهاتف. جاكس: اختراق من صوفيا.
ابتسم أدريان مظلماً. «وقعت في الفخ. سأجعلهما يشاهدان نهايتك القديمة».
في لندن، يستعدان للتحرك في الفجر.
لكن الكاميرا ترسل إلى أدريان الذي يرسم بدمه لوحة الجثث.
كتب في مذكراته:
صوفيا اكتشفت الكاميرات، وهذا يعني أن العرض قد بدأ. رايان سيأتي ليموت كبطل، وصوفيا ستموت كذكية. وليزا.. ليزا ستبقى لي للأبد. ريج يظن أنه يختبرني، لكنني أنا من يختبر العالم. غداً، سأقص كل الخيوط التي تربط ليزا بالماضي، وسأترك خيطاً واحداً فقط.. خيط دمي الذي يجري في عروقها.
عادت ليز إلى مذكراتها تحت البلاطة، وكتبت كلماتها الأخيرة قبل العاصفة: «إذا مت غداً، أخبروا أمي أنني سامحتها. وأخبروا أدريان.. أنني كنت أتمنى لو قابلته في حياة أخرى، حياة لا يوجد فيها مقصات».
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 10"