كانت جوان بوغ تشعر أنّ كلّ هذه الأحداث التي حلّت به تبدو غير واقعيّة.
كان غارسيل ستانلي، الفتى ذو الشّعر البنيّ الفاتح والجسم الصّغير مقارنةً بأقرانه في الصّف، فتىً نشيطًا وكثير الضّحك.
“أستاذة، أنظري، أرى فيغا هناك.”
على الرّغم من أنّه كان يركض طوال استراحة الغداء، فكثيرًا ما كان يغفو في فترة ما بعد الظّهر، لكنّه كان يبدي تركيزًا ملحوظًا عند مراقبة النّجوم.
كانت دروس الأرصاد الجويّة التي تدرّسها جوان مملّة، لكنّ غارسيل كان يحبّ فيغا وألطاير، وكان يعثر بسهولة على سيريوس وبيتيلغوز.
[ملاحظات من المترجمة لكل شخص فضولي 🕊💜
Vega (فيغا): نجم شديد السطوع، من أشهر النجوم في السماء.
Altair (ألطاير / الطائر): نجم لامع أيضًا، اسمه أصله عربي ويعني الطائر.
Sirius (سيريوس): ألمع نجم يمكن رؤيته في السماء ليلًا.
Betelgeuse (بيتيلغوز): نجم أحمر ضخم جدًا في كوكبة الجبّار.]
لم تكن له زوايا حادّة، فكان ينسجم جيّدًا مع أعضاء النّادي.
لكن أن يظهر هذا الفتى ميتًا بعد يوم واحد من اختفائه، كان أمرًا مذهلاً، والأدهى أن تُتّهم جوان بأنّها المشتبه بها الرّئيسيّة.
كان ذلك أمرًا مروّعًا.
الخطّ المكتوب على الورقة الصّفراء التي رأتها في مركز الأمن، والتي جُرّت إليه نصف نائمة، بدا وكأنّه خطّها، لكنّه لم يكن كذلك.
لكن عندما سألها رجل الأمن عن أفعالها تلك اللّيلة، لم تجد ما تقوله.
أليس ذلك الوقت الذي ينام فيه معظم النّاس؟ وكانت جوان واحدة من هؤلاء.
من يمكنه أن يشهد أنّها كانت نائمة بمفردها في غرفتها؟
اليوم الذي عُثر فيه على غارسيل كان مشابهًا.
في وقت متأخّر من اللّيل، قبيل الفجر، بدأ المطر يهطل، واستيقظ حارس الحديقة على صوت المطر، فخرج للتّفقّد، فعثر عليه.
بالطّبع، كانت جوان، مثل معظم النّاس، نائمة في ذلك الوقت.
لقد قلّد أحدهم خطّها ليستدرج غارسيل.
جوان بوغ معلمة.
الكتابة على السّبورة أمر طبيعيّ جدًا، وهذا يعني أنّ أيّ شخص في مدرسة ويفرلي يمكنه تقليد خطّها.
على الرّغم من أنّ الأمر ليس سهلاً، إلّا أنّ شخصًا مجهولاً نجح في ذلك.
الطّلاب الحاليّون أطفال تتراوح أعمارهم بين ثماني وست عشرة سنة.
أن يكون أحدهم قد ارتكب هذا الفعل يبدو قاسيًا جدًا.
حتّى لو وسّعنا النّطاق ليشمل الخرّيجين، لم يكن هناك أيّ تخمين عمّن قد يكون خطّط لهذا الفعل.
هل استخدم القاتل جوان بوغ لقتل غارسيل ستانلي، أم استخدم غارسيل ستانلي لإيقاع جوان بوغ في مأزق؟
***
طلبت الكنيسة كميّة كبيرة من خبز القمح.
الكميّة المخصّصة لمخبز ليمون هاوس كانت أكثر قليلاً من المعتاد، لكنّهم اضطروا لتقديم طلبات إلى مخابز أكثر من السابق.
نتيجة لذلك، نفدت كميّة الطّحين من متجر الحبوب الذي يتعاملون معه عادةً، واضطرّ درو إلى بذل جهد كبير للحصول على الكميّة النّاقصة.
قرّر مخبز ليمون هاوس أخذ يوم راحة.
طوال الصّباح، كانت بريندا تُعطي التّعليمات، فكانت كلير تعجن العجين، وتتركه ليتخمّر، ثمّ تضعه في الفرن.
كانت عمليّة إخراج الخبز المخبوز، تبريده، وتحميله على عربة التّنقل تتمّ دون توقّف.
كان يجب نقل خبز القمح، خلافًا للمعتاد، إلى ساحة قريبة من جسر بوتلي على ضفاف نهر فريرس السّفليّة، وليس إلى الكنيسة.
تطوّعت كلير لمرافقة العربة في هذه الرّحلة.
على الرّغم من أنّها ذاهبة للعمل، شعرت أنّ الذّهاب إلى نهر فريرس يشبه نزهة. صحيح أنّ المنطقة السّفليّة من النّهر كانت منطقة موبوءة، لم تزرها من قبل.
“الطّقس اليوم رائع حقًا.”
جلست كلير بجانب درو، الذي كان يقود العربة، ونظرت إلى السّماء الزّرقاء وأخذت نفسًا عميقًا.
كان الهواء نقيًا كالسّماء، يتدفّق عميقًا في رئتيها.
“سمعت أنّ السّيّد الإيرل سيدعم تقديم حساء مع الخبز اليوم.”
“لكن ليست القدّيسة هي من ستزورنا، أليس كذلك؟”
كميّة خبز القمح الزّائدة عن المعتاد، إضافة إلى توزيع الحساء والدّعم الطّبي في الوقت ذاته، أعاد إلى ذاكرتها زيارة القدّيسة إلى شودهيل قبل ثلاث سنوات.
كانت الكنيسة في وسط شودهيل والسّاحة أمامها مكتظّة بالنّاس الذين جاؤوا لرؤية القدّيسة، لا مكان لوضع قدم.
أمسكت كلير بيد إيزابيل بقوّة لئلّا تفترق عنها وسط الزّحام، راغبةً في رؤية القدّيسة، المشهورة بلطفها ونبلها، ولو من بعيد، وأن تصلّي من أجل والديها اللذين توفيا بسبب وباء قبل فترة وجيزة.
في ذلك الوقت، أنفق الإيرل نورتون وكنيسة شودهيل الكثير من الميزانيّة لاستقبال القدّيسة.
تناولوا الخبز والنّبيذ حتّى الشّبع، وتدفّأ المتسوّلون بيخنة تحتوي على اللّحم لأوّل مرّة منذ زمن.
أُزيلت الأوساخ التي كانت مهملة، وحلّت أصوات ضحك النّاس محلّها.
كان الأمر أشبه بمهرجان.
الكنيسة، التي كانت تستوعب النّاس برحابة عادةً، أصبحت فجأة مكانًا ضيّقًا، فظهرت القدّيسة في السّاحة لمدّة أربعة أيّام، تصلّي وتبارك النّاس.
كان المشهد تقيًا وجميلاً، وترك انطباعًا عميقًا في قلب كلير.
“سمعت أنّ هناك ضجّة بسبب اتّهام جهاز الأمن بمحاولة التّستر على جريمة قتل. يقال إنّ هذا الحدث هو محاولة لتهدئة الأمور.”
“هل حقًا حاولوا التّستر على موت المتشردين لأنّهم اعتبروهم أقلّ أهميّة؟”
تذكّرت كلير قائد جهاز الأمن.
على الرّغم من لقاءات عابرة جعلتهما يتعارفان، إلّا أنّه لا يمكن القول إنّهما صديقان.
لم يبدُ لها أنّه من النوع الذي يقسّم قيمة الأرواح بناءً على مكانة النّاس.
في لقائهما الأوّل، بدا متعجرفًا وهو يقول إنّ الجهل ليس جريمة، كأنّه يكشف عن وعيه الأرستقراطيّ.
عندما أخبرها أنّ السّارق الذي سرق العقد ربّما كان من داخل القصر، لم يظهر أيّ أسف.
لكنّها كانت تتذكّر أنّه أتى بنفسه إلى ليمون هاوس، مقتطعًا وقتًا من جدوله المزدحم ليشرح لها، وهي من عامّة الشّعب، بدلاً من إرسال مساعده إيد.
“نشرت مقالة ردّت بأنّهم اعتقدوا أنّ الأمر مجرّد حادث ناتج عن شجار بين المتشردين، لكن، حسنًا، من الصّحيح أنّ هناك شكوكًا حول محاولة التّستر.”
مهما فكّرت، لم يبدُ لها أنّه الشّخص الذي يمكن أن يفعل ذلك.
انتقلت أفكار كلير إلى مزهريّة كانت والدتها تعتزّ بها، مزيّنة بزهرة التّوليب.
في يوم عابر في الشّارع، تلقّت زهرة توليب دون سبب واضح من كلايف، الذي ابتسم لها.
إذا كانت الشّكوك حول التّستر مجرّد شكوك، وكانت كلّها مجرّد سوء فهم من النّاس،
فقط تمنّت ألّا يكون قلب ذلك الرّجل قد تأذّى.
***
كان أخي الأصغر يتصرّف بغرابة حقًا.
مؤخرًا، تسبّبت مقالة صحفيّة في ضجّة كبيرة في شودهيل، متهمةً جهاز الأمن بمحاولة التّستر على جرائم قتل متسلسلة، ممّا جعل أخي الأصغر محطّ هجوم النّاس حتّى كادوا يمزّقونه.
ومع ذلك، أظهر أخي الأصغر موقفًا وكأنّه لا يبالي على الإطلاق.
نحن الأشقّاء الثّلاثة، منذ الصّغر، تلقّينا تعليمات بعدم إظهار عواطفنا بشكل مفرط.
كان ذلك يُعتبر الموقف الأرستقراطيّ المناسب، ولا داعي لكشف نقاط ضعفنا دون سبب.
بالطّبع، حفرتُ هذا التّعليم عميقًا في قلبي، متجاهلةً أنّه يذبل في مكان مظلم لا يرى النّور.
“كيف الأمور مؤخرًا؟”
سألتُ أخي الأصغر، الذي كان يحدّق منذ البداية في النّافذة الصّغيرة للعربة.
كان أخي الأكبر وزوجته قد انطلقا في عربة أخرى قبلنا، وكنا نتبعهما إلى ضفاف نهر فريرس السّفليّة.
كنتُ مع الكهنة لتوزيع الطّعام على الفقراء والمتشردين المقيمين على ضفاف النّهر السّفليّة، بينما كان الأطبّاء والممرّضات من الجمعيّة الطّبيّة يقدّمون العلاج.
في بداية هذه الأنشطة، كنتُ أكرهها جدًا. لم أكن أرغب في سماع عبارات مفادها أنّه بما أنّني وُلدتُ أرستقراطيّة، فعليّ أن أؤدّي واجبي.
لم أفهم لماذا يصطفّ النّاس في طوابير طويلة من أجل رغيف خبز صغير.
كنتُ أجد من السّخافة أن يعيش النّاس في بيئة تبدو وكأنّها تسبّب الأمراض، ويشكون من آلام مختلفة.
التعليقات لهذا الفصل " 15"