6
انتابتْ فيرونيكا حالةٌ من الدهشةِ؛ فقد ظنَّتْ يقيناً أنَّ إيان سيبقى معَ البقيةِ في غرفةِ الطعامِ.
“يمكنني الذهابُ بمفردي.”
قالتْ فيرونيكا محاولةً مَنْعَهُ، فَهناك الكثيرُ ممن يحتاجونَ إلى إيان في هذهِ اللحظةِ. على الأقلِّ، كان وجودُهُ سيمنحُ جوليا وفيرونيكا الصغيرةَ بعضَ السكينةِ، فهو “عائلتُهُم” الآنَ.
أدارتْ فيرونيكا بصرَها نحوَ الباقينَ وكأنها تطلبُ تأييدَهُم، لكنَّ الجميعَ ظلوا صامتينَ، وكأنهم اتَّفقوا ضمناً على أنَّ من الواجبِ أنْ يرافقَها إيان.
وجاءَ الردُّ من جوليا:
“رافِقْ فيرا يا إيان. لا يمكننا تركُها تذهبُ وحدَها؛ فهي خرقاءُ بعضَ الشيءِ، ونحنُ هنا كثرةٌ كما تَرى.”
كادتْ فيرونيكا أنْ تعترضَ قائلةً: “متى كنتُ خرقاءَ؟”، لكنها أدركتْ أنَّ احتجاجَها لن يزيدَها إلا مظهرَ الطفلةِ الصغيرةِ. لقد كانت فيرونيكا امرأةً سبقَ لها الزواجُ، وعليها أنْ تُثبتَ للجميعِ أنها لم تعدْ تلكَ الفتاةَ الطائشةَ التي عرفوها قديماً؛ لذا اكتفتْ بابتسامةٍ هادئةٍ ورزينةٍ.
في النهايةِ، هزَّتْ كتفيها واستسلمتْ لحمايةِ إيان. ففي بعضِ الأحيانِ، يكونُ القبولُ بمثلِ هذهِ الأمورِ ضرورياً. لمحَ إيان طيفَ ابتسامتِها فابتسمَ هو الآخرُ، ثمَّ قالَ للبقيةِ بنبرةٍ مطمئنةٍ:
“سأعودُ قريباً.”
لوحتْ جوليا بيدِها قائلةً:
“يمكننا تدبُّرُ أمرِنا؛ فنحنُ نتحرَّكُ وَفْقَ المجموعاتِ التي شكَّلناها في وقتٍ سابقٍ.”
أومأَ إيان برأسِهِ ببطءٍ، ثمَّ غادرَ جَمْعَهُم واقتربَ من فيرونيكا.
رغمَ كلِّ شيءٍ، كان عقلُ فيرونيكا لا يزالُ منشغلاً بهويةِ القاتلِ. مَنْ ذا الذي يجرؤُ على اقتحامِ هذا القصرِ وفَتْكِ إدموند هاميلتون بتلكَ البشاعةِ ثمَّ الفرارِ دونَ أنْ يشعرَ بهِ أحدٌ؟
بدا الأمرُ وكأنَّ شبحاً قد ظهرَ فجأةً ثمَّ تلاشى.
أو ربما كان قاتلاً محترفاً.
لكنَّ فيرونيكا كانت تذكرُ جيداً نصيحةَ والدِها في صِغَرِها بأنَّ التسرُّعَ في إطلاقِ الأحكامِ ليسَ خصلةً حميدةً؛ إذ يجبُ تَرْكُ كافةِ الاحتمالاتِ مفتوحةً، سواءٌ كان القاتلُ شخصاً غريباً يحومُ في الدارِ، أو كانَ واحداً من سكانِ هذا البيتِ هو مَنْ ارتكبَ تلكَ الجريمةَ النكراءَ.
علاوةً على ذلكَ، فإنَّ الغرقَ في التفكيرِ بمشكلةٍ لا حلَّ لها الآنَ لن يزيدَها إلا رُعباً؛ فشعرتْ بقلبِها يخفقُ بعنفٍ لمجردِ التفكيرِ في وجودِ ذلكَ الشخصِ بينهم.
‘غداً حينَ يشرقُ الصباحُ، سأسألُ عن أماكنِ أدواتِ الدفاعِ عن النفسِ في هذا البيتِ.’
سواءٌ كان مِضربَ كريكت أو مِحراثَ مدفأةٍ أو حتى شمعداناً ثقيلاً؛ فوجودُ أيِّ شيءٍ في غرفتِها قد يمنحُها بعضَ الأمانِ.
كانتِ المسافةُ بينهما قريبةً جداً، لكنَّ الصمتَ ظلَّ سيِّدَ الموقفِ طوالَ الطريقِ إلى غرفتِها. لم يجرؤْ أحدُهما على كسرِ هذا الصمتِ الجنائزيِّ. أكانَ السببُ غُربةً طرأتْ عليهما بعدَ طولِ غيابٍ؟ أمْ أنَّ هناكَ شيئاً آخَرَ…؟
سارتْ فيرونيكا وهي تبتلعُ أفكارَها، بينما كانت يدُها تستندُ بتلقائيةٍ إلى مِرفقِ إيان، ويدُ إيان الطويلةُ والنحيلةُ تُمسكُ بيدِها. شعرتْ بحرارةِ جسدِها تنتقلُ إلى يدِهِ الباردةِ، فدبَّ فيها دفءٌ طفيفٌ.
لمحتْ شفتيهِ اللتينِ تَرسمانِ ابتسامةً باهتةً تهدفُ لِطمأنتِها. بدا إيان رزيناً جداً لدرجةِ أنَّ ما حدثَ في الدفيئةِ خُيِّلَ إليها وكأنه مجردُ وَهْمٍ.
كان قبلَ قليلٍ يملكُ وجهاً خافقاً كصبيٍّ أمامَ حبِّهِ الأولِ، والآنَ يُجبرُهُ الموتُ الذي هجمَ على القصرِ كعاصفةٍ مفاجئةٍ على ارتداءِ قناعِ الرجلِ الناضجِ مجدداً، وهو أمرٌ مثيرٌ للشفقةِ.
اختلستْ فيرونيكا النظرَ إلى وجهِ إيان دونَ كلامٍ.
كان المطرُ يضربُ النوافذَ الزجاجيةَ مُحدثاً أصواتاً عبثيةً، بينما كانتِ الأضواءُ التي تُنيرُ أرجاءَ القصرِ ترتجفُ بعدمِ استقرارٍ. كان الرواقُ ساكناً، ولا أثرَ لأيِّ حركةٍ بشريةٍ؛ وبما أنَّ المكانَ مفتوحٌ من جميعِ الجهاتِ، فلا مجالَ لاختباءِ قاتلٍ هنا.
“هل هناكَ ما تودينَ قولَهُ؟”
توقفتْ عينا فيرونيكا القلقتانِ عندَ سؤالِ إيان. كان يواجهُها بابتسامةٍ ناعمةٍ، فشعرتْ بالحرجِ لأنَّهُ ضبطَها وهي تُراقبُهُ، فتنحنحتْ لتفتحَ موضوعاً يصرفُ انتباهَهُ.
“…… تبدو شاحباً جداً. هل أنتَ بخيرٍ؟”
“أنا بخيرٍ.”
رغمَ أنه لم يبدُ كذلكَ، إلا أنه أجابَ بهدوءٍ تامٍّ.
فجأةً، رغبتْ فيرونيكا في سؤالِهِ عما كان ينوي قولَهُ في الدفيئةِ، لكنها لم تدرِ أكانَ الوقتُ مناسباً أم لا. إنَّ إيان هاميلتون رجلٌ معقدٌ حقاً.
وفي غمرةِ تلكَ الأفكارِ، وصلا أخيراً وتوقفا أمامَ بابِ غرفتِها. فتحَ إيان البابَ وأمسكَ بالشمعدانِ القريبِ من المدخلِ ودخلَ أولاً.
“انتظري هنا يا فيرا. سأتفقدُ الغرفةَ.”
ودونَ أنْ يمنحَها فرصةً للاعتراضِ، توغَّلَ إيان في الغرفةِ. بدأ بالتأكدِ من إغلاقِ النوافذِ بإحكامٍ، ثمَّ راحَ يفتشُ في كلِّ زاويةٍ يمكنُ أنْ يختبئَ فيها بَشَرٌ؛ الخزانةُ، الأدراجُ، وحتى تحتَ السريرِ ذي المظلةِ.
وبعدَ أنْ تأكَّدَ من خلوِّ المكانِ من أيِّ أثرٍ لمتسللٍ، قالَ لها:
“المكانُ آمنٌ. يمكنكِ الدخولُ.”
دخلتْ فيرونيكا الغرفةَ مطيعةً، بينما انهمكَ إيان في إشعالِ المدفأةِ بنفسِهِ قبلَ أنْ ينهضَ.
“هل تفضلينَ أنْ أبقى هنا؟”
“لا أدري حقاً.”
أجابتْ فيرونيكا بصدقٍ؛ فطلبُ البقاءِ منهُ جعلَها تشعرُ بخجلٍ غريبٍ وكأنها قد ضُبِطَتْ وهي تسرقُ شيئاً ما. لمحَ إيان ارتباكُها فضحك ضحكةً قصيرةً.
لم تجدْ فيرونيكا الشجاعةَ بعدُ لِسؤالِهِ عما حدثَ في الدفيئةِ، لذا بدأتِ الحديثَ قائلةً:
“ينتابُني الفضولُ بشأنِ ما أردتَ قولَهُ لي في الدفيئةِ.”
كانت تذكرُ جيداً تلكَ الجملةَ التي بدأتْ بـ “فيرونيكا…”، وتذكرُ وجهَهُ المترددَ وهو يحاولُ العثورَ على الكلماتِ المناسبةِ، وكيفَ كان يبتلعُ ريقَهُ مراراً ليبللَ شفتيهِ الجافتينِ. تُرى ماذا كان ينوي إيان هاميلتون أنْ يقولَ حينَها؟
عندَ سؤالِها، تنحنحَ إيان بضيقٍ؛ وهي إحدى عاداتِهِ حينَ يواجهُ موضوعاً يودُّ التهربَ منهُ. ولعلَّ سوءَ حظِّ إيان هاميلتون يكمنُ في أنَّ فيرونيكا هي صديقةُ طفولتِهِ التي نشأتْ معهُ، وتجيدُ قراءةَ حركاتِهِ وعاداتِهِ بدقةٍ.
“أريدُكَ أنْ تكونَ صريحاً معي.”
“إلى أيِّ درجةٍ من الصراحةِ؟”
“بدرجةٍ تُقسمُ فيها أمامَ السماءِ بأنكَ لا تُخفي شيئاً.”
تنهَّدَ إيان أمامَ إصرارِ فيرونيكا، ثمَّ هزَّ كتفيهِ وكأنه يستسلمُ لِعنادِها وقالَ:
“…… كنتُ أنوي إخبارَكِ بأنَّ من الأفضلِ أنْ تغادري فورَ توقُّفِ المطرِ.”
نزلَ الردُّ على مسامعِ فيرونيكا كالصدمةِ؛ فكانَ آخرَ ما توقَّعَتْهُ. لم تدرِ كيفَ تُعقِّبُ على كلامِهِ، فآثرتِ الصمتَ ريثما يُكملُ إيان تبريرَهُ:
“…… لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على وفاةِ والدي، والآنَ يُقتلُ أخي بتلكَ الوحشيةِ. لا أعتقدُ أنَّ قصرَ هاميلتون مكانٌ آمنٌ بعدَ الآنَ، لذا……”
“تطلبُ مني الرحيلَ؟”
“لا أقولُ هذا لكِ وحدَكِ. سأقومُ بتسريحِ الخدمِ أيضاً، وسأحاولُ إقناعَ زوجةِ أخي وفيرونيكا الصغيرةِ باللجوءِ إلى لندن إنْ أمكنَ.”
“وماذا عنكَ أنتَ؟ بمجردِ عودةِ جوزيف، سنتمكنُ من القبضِ على القاتلِ. لماذا تُريدُ تهجيرَنا أولاً؟”
سألتْهُ فيرونيكا بحدةٍ: وماذا عنكَ أنتَ؟ كان كلامُ إيان غيرَ مفهومٍ بالمرةِ. لماذا يتحدثُ وكأنَّ قدومَ الشرطةِ لن يُجديَ نفعاً؟ ولماذا يُريدُ البقاءَ وحيداً في القصرِ؟ هل يَعرفُ إيان هاميلتون شيئاً ما عن القاتلِ؟
هناكَ أسئلةٌ لا يجرؤُ المرءُ على طَرْحِها. ظنَّتْ فيرونيكا أنها تعرفُ الكثيرَ عن إيان، لكنها أدركتْ في هذهِ اللحظةِ أنَّ مَعرفتَها تقتصرُ على ذلكَ الصبيِّ ذي العشرِ سنواتٍ الذي التقَتْهُ قبلَ ستةَ عشرَ عاماً.
لقد مضى ثلاثةَ عشرَ عاماً منذُ مغادرتِها القصرَ. وأدركتْ فيرونيكا أنَّ ظنَّها بأنها تَعرفُ كلَّ شيءٍ عنه لمجردِ قضائِهِما ثلاثَ سنواتٍ معاً (من سنِّ العاشرةِ حتى الثالثةِ عشرةَ) قد يكونُ غُروراً منها؛ لذا آثرتِ الصمتَ.
لم تدرِ كيفَ فَهِمَ إيان صَمْتَها، لكنَّهُ ابتسمَ ابتسامةً غامضةً. لم تكن الابتسامةَ التي تَعرفُها، بل كانت… كيفَ تصفُها؟ كانت ابتسامةً غريبةً وغيرَ مألوفةٍ بالمرةِ.
طَقْ، طَقْ!
اهتزَّتِ النوافذُ بعنفٍ تحتَ وطأةِ الرياحِ والمطرِ، فبدا الأمرُ وكأنَّ متسللاً يُحاولُ الدخولَ من الخارجِ، مما جعلَ كَتِفَي فيرونيكا ترتجفانِ لا إرادياً. نظرَ إليها إيان مطولاً ثمَّ قالَ:
“خُذي قسطاً من الراحةِ يا فيرا. لنأملْ أنْ يتوقفَ المطرُ غداً.”
بالكادِ استطاعتْ فيرونيكا إخراجَ صوتِها؛ فقد كان عقلُها مُشتتاً لدرجةِ أنها لم تدرِ إنْ كانت قد أجابتْ بشكلٍ صحيحٍ أم لا.
“…… حسناً.”
“أغلقي بابَ غرفتِكِ جيداً قبلَ النومِ.”
“وأنتَ أيضاً.”
نهضَ إيان هاميلتون ببطءٍ وغادرَ الغرفةَ، ودونَ أنْ يلتفتَ وراءَهُ ولو لمرةٍ واحدةٍ. كان شعوراً غريباً يسيطرُ على الأجواءِ.
تفحَّصتْ فيرونيكا الأرجاءَ، ثمَّ أحكمتْ إغلاقَ البابِ ووضعتْ كرسياً خلفَهُ لتأمِينِهِ. وبعدَ أنْ تأكَّدتْ من صمودِ البابِ بسحبِ المِقبضِ مرتينِ، استلقتْ في فراشِها. ومعَ ذلكَ، لم يبرحِ القلقُ قلبَها…
“سأكونُ بخيرٍ.”
تمتمتْ لنفسِها. وما إنْ أغمضتْ عينيها حتى تراءى لها مشهدُ إدموند هاميلتون في لحظاتِهِ الأخيرةِ؛ ذلكَ المشهدُ الذي كان من الصعبِ حتى وَصفُهُ بأنه بفعلة شخصٍ بشريّ.
التعليقات لهذا الفصل " 6"