“المرةُ الأولى كانت عندما بلغتُ سنَّ الرشد…. والثانية كانت بعد وفاة والدي.”
ربما كان الأمرُ يتعلقُ بشؤون العائلة، لا تدري فيرونيكا السببَ الحقيقيَّ وراء ذلك.
اقترب إيان من بوابة الملحق؛ كانت البوابةُ مُوصدةً بإحكامٍ مزدوج: لوحٌ خشبيٌّ مثبتٌ على الباب، وسلسلةٌ حديديةٌ ثقيلةٌ تلتفُّ حول المقبض.
“بما أنَّ ضيفاً غيرَ مرغوبٍ فيه قد تسللَ إلى قصر هاميلتون…. فكرتُ أنَّنا بحاجةٍ لبعض الدفاعات.”
“وهل للأمرِ علاقةٌ بهذا الملحق؟”
“هذا سرٌّ يا فيرونيكا. أياً كان ما سأريكِ إياه، أرجو ألا تخبري أحداً في القصر عنه.”
تعجبتْ فيرونيكا من إصراره على نيلِ وعدٍ منها، لكنها أومأتْ برأسِها طائعةً. ضحك إيان ضحكةً قصيرة، وانحنتْ عيناهُ برقةٍ لتغمرَ الدفءُ حدقتيهِ الفيروزيتين الباردتين.
عندما دخلا الملحق، استقبلتْهما رائحةُ الغبارِ القديم.
لم تشتعلِ المدفأةُ هنا منذ زمنٍ طويل، فكان الهواءُ بارداً جداً، وشعرت فيرونيكا برطوبةٍ تتسللُ إلى ثيابها. كانت قطعُ الأثاثِ مغطاةً بأقمشةٍ بيضاءَ لمنع تراكم الغبار، لكن الأقمشةَ ذاتها كانت قد توشحت بطبقةٍ كثيفةٍ منه.
تفحصَ إيان المكانَ، وأظهرَ دقةً في تسليطِ ضوء مصباح الغاز في كلِّ زاوية. ولحسن الحظ، كانت نوافذُ الملحقِ سليمةً، ولم يظهرْ أيُّ أثرٍ لاقتحامِ أحد.
المشكلةُ الوحيدةُ هي أنَّ هيكلَ الملحقِ كان أكثرَ تعقيداً مما تصورت؛ الأروقةُ رتيبةٌ، وتصاميمُ الأبوابِ متشابهةٌ تماماً، مما يعطي إحساساً بالدوار، وكأنَّ المرءَ يدورُ في حلقةٍ مفرغة. لو لم ينتبه، لنسيَ من أيِّ بابٍ خرج. كان الشعورُ يشبهُ الوقوعَ في فخ، وتساءلتْ إن كان تعمدُ هذا التصميم المضلل مجردَ وهمٍ منها.
وفي الوقت ذاته، شعرتْ بنوعٍ من الألفة. لسببٍ لا تعرفه، أحستْ أنها تعرفُ هذا المكان.
‘هل رأيتُ مكاناً مشابهاً من قبل؟’
منذ إصابتها بتلك الحمى الشديدة التي استمرت أسبوعين، كانت ذاكرةُ فيرونيكا ناقصةً دائماً. عندما نجتْ من الموتِ تقريبًا ونهضتْ من فراشِها، كان الناسُ ينظرون إليها وكأنها شخصٌ قام من قبره. وبما أنَّ تلك الحمى كانت تفتدكُ بالفقراء والأغنياء على حدٍّ سواء، فقد كان بقاؤها حيةً معجزةً حقيقيةً في نظر الجميع.
ربما لأنها غرقتْ في تفكيرها، تباطأتْ خُطواتها، فلاحظ إيان ذلك ونظر إليها بترقب.
“فيرا، ما الخطب؟”
“إيان…. هل جئنا إلى هنا من قبل؟”
رمشَ إيان بعينيه، وبدا عليه الذهولُ والارتباكُ وكأنه لا يفهمُ سببَ سؤالها.
“لا…. لم تأتي إلى هنا أبداً. على الأقل ليس معي. ولا أظنُّ أن أخي أحضركِ إلى هنا أيضاً.”
“حقاً؟ لا أدري لماذا يبدو المكانُ مألوفاً هكذا. ربما خلطتُ بينه وبين مكانٍ آخر.”
ضحك إيان ضحكةً قصيرةً لقولِها. “أنتِ حقاً….”
“في وقتٍ ما، كان الأثاثُ الفرنسيُّ رائجاً في كلِّ أنحاء إنجلترا. ربما خلطتِ بينه وبين قصرٍ آخر مُصممٍ بذات الطريقة.”
“ربما يكون كذلك.”
أجل، فالملحقُ كان دائماً مكاناً للضيوف، ولا يوجدُ سببٌ لدخولها إليه. وبما أنَّ ذاكرتها لم تعد كما كانت بعد الحمى، فمن المحتمل أنها تدمجُ ذكرياتٍ قديمةً ببعضها. تبادلَ الاثنان ضحكةً هادئة.
“آه…. هنا.”
كانت مساحةً تشبهُ المكتبةَ العامة؛ مكانٌ مخصصٌ لاحتساء الشاي أو البراندي أثناء لعب “الشطرنج”. كانت رقعةُ الشطرنج منبسطةً، وقد نسجتِ العناكبُ خيوطَها فوق القطع القديمة.
كان من المدهش أن يكون لإيان عملٌ في مكانٍ كهذا. جالت فيرونيكا ببصرها في الغرفة: رأسُ أيلٍ محنط، مدفأةٌ لم يبقَ منها سوى أثر الحريق، وشمعدانٌ تغطيه الخيوط.
جثا إيان على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية بعيداً قليلاً عن المدفأة. أحضر مِخرازاً حديدياً وأدخله في شقوق الأرضية، ثم رفعه كعتلةٍ. تراجع الخشبُ القديم بصوتِ صريرٍ حاد.
انبعثتْ رائحةُ عفونةٍ قديمة.
لم يكترث إيان، بل شمر عن ساعديه وأدخل يده ليخرج صناديقَ خشبيةً متتالية. كان من المذهل وجودُ مساحةٍ تتسعُ لكل هذه الأشياء هناك. اقتربت فيرونيكا لتشاهد ما يفعله.
“هل يمكنني فتحُ الصندوق؟”
“بالطبع. لقد أعددتُه لكِ يا فيرا.”
“إنه يبدو قديماً جداً ليكون هدية.”
“لقد حصلتِ بالفعل على أشياءَ زرقاءَ وأشياءَ جديدة في يوم زفافكِ.”
‘هذا الشابُ يلقي دعاباتٍ لاذعةً لامرأةٍ متزوجة’. ضحكت فيرونيكا وهي تفتحُ أحد الصناديق، ثم شهقتْ بصوتٍ مسموع.
داخل الصندوق، كان هناك معدنٌ يلمعُ ببرودة. لقد كان مسدساً.
“هذا…. هدية؟”
“للدفاع عن النفس.”
فتح إيان صندوقاً آخر كان مليئاً بالرصاص. وصندوقاً غيرَه يحتوي على عدة مسدساتٍ أخرى. مهما كان الأمر، فهذا سلاح. ورغم أنَّ المالَ يحلُّ كلَّ شيء، إلا أنَّ هذه الأشياء لا تُمنحُ بهذه السهولة.
“بالطبع هناك أسلحةٌ معروضةٌ في المبنى الرئيسي، لكنها بنادقُ صيدٍ بسبطاناتٍ طويلةٍ ويصعبُ التعاملُ معها. أما المسدساتُ فهي أصغرُ حجماً ويمكنُ إخفاؤها. أرجو ألا تحتاجي لاستخدامه، لكن إذا حدث مكروهٌ، ستتمكنين من التصرف.”
كيف فكر في إخفاء مثل هذه الأسلحة في ملحقٍ يرتاده الضيوف؟ نظرت فيرونيكا بذهولٍ تارةً إلى السلاح وتارةً إلى إيان، ثم تمتمتْ بارتباك:
“…… هذه أولُ مرةٍ أتلقى فيها سلاحاً كهدية، لا أدري ماذا أقول.”
انفجر إيان ضاحكاً، وكأنه اعتبر كلامها دعابةً مرحة.
“لكنه أفضلُ من لا شيء، أليس كذلك؟”
كان محقاً. سواء كان المعتدي لصاً أو شرطياً أو نبيلاً، فرصاصةٌ واحدةٌ كفيلةٌ بأن تجعل الجميع أصدقاءً للموت. أومأت فيرونيكا برأسها ووضعتِ المسدس في طيات ثيابها. إذا نُفذ ‘قدَرُها’ مساء اليوم، وقابلتِ القاتلَ كما هو مقرر…..
فإنَّ هذا السلاح سيساعدُها.
لم تكن فيرونيكا يوماً شخصاً ينوي إيذاءَ الآخرين؛ فالقتلُ بالنسبة لها كان مجردَ خيالٍ. رُغم حدوث الجرائم في أنحاء إنجلترا، إلا أنَّ المواطن العادي يرى الجرائم الشنيعة كقصصٍ بعيدة، أو كأحداثٍ في حلم.
العلاقاتُ التي يمكن تكوينُها مع الآخرين كثيرة؛ زوج، حبيب، زميل.. لكنَّ الجريمة تحصرُ تلك العلاقة في إطارين فقط: جارٍ ومجرور، ضحية وجانٍ. ولا يمكنُ للضحية أن توجدَ وحدها.
لكن بعد استلام السلاح، لم يعد المجرمُ المجهولُ يثير الرعبَ في قلبها. شعرت بضيقِ صدرِها يتلاشى أخيراً.
تأملت فيرونيكا المسدس في قبضتها. وزنُ المعدن كان مريحاً ببرودته.
هل يدري إيان فيما أفكرُ الآن؟ خطر لها هذا التساؤل فجأة. اتجهت نظراتُها نحو إيان الذي كان يرتبُ الصناديق ويخفيها مجدداً. تحت أكمامه المشمرة، برزت عضلاتُ ذراعيهِ القوية.
“ما الخطب؟”
شعرت فيرونيكا بالخجل لأنها كانت تراقبه، فصرفت بصرَها بسرعة. شعرت وكأنها ضُبطت وهي تفكر في أمرٍ سيء. في الواقع، ما تنوي فيرونيكا فعله قد يصيبُ إيان بالذعر لو عرفه…. فكرتْ أنها تتمنى ألا يرى ذلك الجانب منها أبداً.
لذا، اعتذرتْ بحجةٍ واهية:
“لا شيء.. فقط تساءلتُ إن كنتَ تشعرُ بالبرد وأنت تشمرُ عن ساعديك هكذا.”
“لا بأس يا فيرا. هذا البردُ يبدو منعشاً بالنسبة لي.”
ضحكت فيرونيكا بخفة. كان إيان يتباهى بقوته ليطمئنها، وهذا ما أثار ضحكها. لو كان ذلك التباهي قوياً حقاً لما ضحكت، لكن رؤية إيان، ذلك الشاب المثقف الذي لا صديق له سوى الكتب، وهو يتحدث هكذا، كان أمراً مضحكاً. وربما كان إيان يمزحُ وهو يدركُ ذلك تماماً.
“آه…. يا إلهي! حقاً يا إيان أنت….”
“أملكُ قلباً واسعاً وفطنةً بقدر قوة عضلاتي، أليس كذلك؟”
“أجل. أتساءلُ من أين لي بصديقٍ مثلك.”
ضحك إيان هاميلتون معها، ثم مدَّ يده ببطء. وضعت فيرونيكا يدها في كفه بشكلٍ طبيعي. وبمجرد ملامسة يده الصلبة، توقفت حركتُها فجأة. آه.
‘القفازات….’
لم تكن ترتدي قفازات. عادةً ما كانت ترتديها دائماً، لكن صدمة ‘الموت’ أفقدتْها القدرة على الاهتمام بهندامها.. لكن ماذا عن إيان؟ حاولت فيرونيكا سحب يدها، لكن فجأةً، أحاطت أصابعُ إيان بيديها.
مرةً أخرى. كما حدث في الحديقة، أمسك بيدها مجدداً. لم تدرِ فيرونيكا ماذا تفعل، فارتجفت شفتاها، بينما تمتم إيان بنبرةٍ ساخرةٍ من نفسه:
“…… أنتِ تستحقين أفضلَ بكثيرٍ من مجردِ صديقٍ مثلي.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"