6 - جوهرٌ خفيّ
مرت عدة أيام، تحولت فيها طرقات قصر كرانستون الواسعة إلى مسارات مألوفة لقدمي أديليد.
لم تعد تضل طريقها بين الأجنحة ، بل حفظت صمت الجدران ومواعيد رنين الساعات النحاسية الكبيرة.
أصبحت حركاتها أكثر خفة ، وعملها أكثر دقة.
كانت تستيقظ قبل الجميع ، تغسل وجهها بالماء البارد ، وتشد مئزرها الأبيض بعناية تفوق بقية الخادمات.
يداها اللتان تشققتا قليلاً من سوائل التنظيف في الأيام الأولى.
بدأت تعتاد على ملمس الريش والكتان الفاخر.
لم تكن أديليد تختلط كثيراً بزميلاتها.
كانت تكتفي بإيماءة رأس مهذبة حين تمر بهن.
وتتجنب أحاديثهن الجانبية عن أخبار العاصمة أو نزوات النبلاء.
هذا الانعزال ، الممزوج بهدوئها الفطري ، جعل الخادمات يبتعدن عنها تدريجياً.
فكبرياؤها الصامت كان درعاً لا يجرؤن على اختراقه مرة أخرى.
في مساء اليوم الخامس ، كانت أديليد تقف أمام نافذة الممر الطويل.
تمسح إطاراتها الخشبية المحفورة.
توقفت للحظة لتنظر إلى القمر الذي بدأ يكتمل فوق قمم الجبال البعيدة.
شعرت بحنين هادئ يداعب صدرها
فتخيلت والدتها وهي تجلس الآن بجانب الموقد الدافئ في الشقة الجديدة.
وإخوتها وهم ينامون بأمان.
قطع سكون تفكيرها صوت السيدة أجاثا الرصين وهي تقترب منها:
“أديليد ، لقد لاحظتُ دقتكِ في العمل طوال الأسبوع الماضي. الدوق سيقضي الليلة في مكتبه الخاص لإنهاء بعض الأوراق المتراكمة ، وهو لا يحب الضجيج أو المقاطعة.”
صمتت أجاثا لثانية ، ثم تابعت وهي تسلمها صينية عليها إبريق من الشاي الساخن وكوب واحد:
“ستذهبين أنتِ لإيصال الشاي له. ضعي الصينية على الطاولة الجانبية واخرجي فوراً دون كلمة واحدة. هل تذكرين القواعد؟”
أومأت أديليد برأسها ، وشعرت بوخزة خفيفة من الارتباك.
لم تكن تخشى العمل ، لكن هيبة الدوق لوسيان وبروده كانا يثيران في نفسها حذراً فطرياً.
“أذكرها جيداً يا سيدة أجاثا،”
أجابت بهدوء.
حملت الصينية ، وسارت بخطوات وئيدة نحو الجناح الشمالي.
كان الممر المؤدي لمكتب الدوق يزداد برودة وظلمة كلما اقتربت.
توقفت أمام الباب الخشبي الضخم، وأخذت نفساً عميقاً لتثبيت يديها المرتجفتين قليلاً.
طرقت الباب ثلاث طرقات خفيفة كما يقتضي البروتوكول.
جاءها صوته من الداخل ، عميقاً وهادئاً كالبحر في ليلة شتوية:
“تفضل.”
فتحت أديليد الباب ببطء ، وتسللت رائحة الورق القديم و عطره الفاخر إلى رئتيها.
كان المكتب غارقاً في ضوء خافت ينبعث من شمعدان فضي وحيد.
يلقي بظلال طويلة ومهيبة على الجدران المليئة بالكتب.
كان الدوق لوسيان يجلس خلف مكتبه الضخم ، منحنياً فوق مجموعة من الخرائط والأوراق الرسمية.
لم يرفع بصره حين دخلت ، بل ظل قلمه يتحرك بصرير منتظم فوق الورق.
كان قميصه الأبيض مفتوحاً قليلاً عند الياقة ، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً قليلاً على جبينه.
مما منحه مظهراً أقل رسمية وأكثر حدة.
سارت أديليد بخطوات صامتة تماماً، كأنها تخشى خدش هذا السكون.
وضعت الصينية الفضية على الطاولة الجانبية الصغيرة كما أُمرت، وبدأت في سكب الشاي بهدوء.
كان رنين الفنجان الرقيق هو الصوت الوحيد الذي يقطع صمت الغرفة.
توقفت حركة القلم فجأة.
رفع لوسيان رأسه ببطء ، ووقعت عيناه الحادتان عليها.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يراها فيها.
رأى وجهها الشاحب و عينيها الزرقاوين اللتين تحملان نظرة ثابتة ووقورة رغم ارتباكها الخفي.
أما شعرها الأحمر ، فقد كان مشدوداً للخلف بدقة.
لم تقل أديليد شيئاً ، بل اكتفت بإيماءة بسيطة ورزينة ، ثم استدارت لتغادر الغرفة بـهدوء.
“انتظري،”
جاء صوته عميقاً ورخيماً ، أوقف قدميها في مكانها.
التفتت إليه ببطء ، وظلت عيناها مثبتتين نحو الأسفل بـأدب، كما تقتضي القواعد.
“أنتِ الخادمة الجديدة من جبال ألفار، أليس كذلك؟”
سأل لوسيان وهو يسند ظهره إلى كرسيه.
وعيناه تلاحقان ملامحها بـفضولٍ حاول إخفاءه خلف بروده المعتاد.
“نعم، يا صاحب السمو،”
أجابت بصوت واضح وهادئ، لم يرتجف رغم ثقل الموقف.
ظل لوسيان صامتاً لـلحظات ، وكأنه يزن كلماتها وهدوءها غير المألوف.
ثم أشار بيده نحو الباب بـحركة مقتضبة:
“يمكنكِ الانصراف.”
خرجت أديليد وأغلقت الباب خلفها بـخفة، وشعرت بـأنفاسها تعود لـطبيعتها.
أما لوسيان ، فقد ظل ينظر إلى الباب المغلق لـفترة، قبل أن يمد يده لـيتناول فنجان الشاي.
كانت رائحة الشاي مختلفة هذه المرة ؛ لم يكن شاي العاصمة المعتاد.
بل كانت تفوح منه رائحة أعشاب جبلية بسيطة ودافئة.
ارتشف لوسيان من الشاي ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة لا تكاد تُرى.
مرت أيام قليلة على ذلك اللقاء القصير في المكتب.
كانت أديليد تظن أنها عادت لتكون مجرد ظل.
لكن الدوق لوسيان لم ينسَ تلك النبرة الهادئة ولا رائحة الأعشاب الجبلية التي تركتها خلفها.
وفي صباح يومٍ مشرق ، أُمرت أديليد بقطف باقة من الزهور لتزيين الممرات الجانبية.
نزلت إلى الحديقة الخلفية ، وانحنت برقة تجمع بتلات اللافندر والياسمين.
كانت حركاتها انسيابية ، تختار الزهور بعناية وكأنها تتعامل مع قطع من الحرير الفاخر.
لم يدم هدوؤها طويلاً ، فقد لحقت بها “فيولا” واثنتان من الخادمات.
كانت الغيرة تنهش قلوبهن من جمال أديليد الذي بدا فاتناً تحت ضوء الشمس.
ومن وقفتها التي لا تشبه انكسار الخادمات المعتاد.
“انظروا إليها،”
قالت فيولا بصوتٍ حاد ، وهي تقترب من أديليد بـاستفزاز.
“تقطف الزهور وكأنها سيدة القصر تتنزه في أملاكها.. هل نسيتِ أن رائحة الطين لا تزال في حذائكِ البالي يا ابنة الجبال؟”
ضحكت الخادمات بـسخرية ، لكن أديليد لم تهتز.
وضعت زهرة ياسمين في سلتها ببطء ، ثم وقفت بـظهرٍ مفرود.
لم يكن في عينيها غضب ، بل كان هدوؤها “نبيلاً” لدرجة مستفزة.
نظرت إلى فيولا نظرةً هادئة ، خالية من أي ارتباك أو خوف.
قالت أديليد بصوتٍ رخيم ومنخفض:
“الجمال يا فيولا هو ألا تضطري لرفع صوتكِ لـيشعر الآخرون بـوجودكِ. أما عن مكان ولادتي.. فالجبال العالية تعلّمنا كيف ننظر للأسفل بـصمت ، لا بـضجيج.”
في تلك اللحظة ، كان الدوق لوسيان قد خرج إلى شرفته الواسعة المطلة على الحديقة.
باحثاً عن نسمة هواء تريح عقله المثقل بالعمل.
كان يسند يديه على الحاجز الرخامي حين وقع بصره على المشهد في الأسفل.
توقفت عيناه الحادتان على أديليد.
رأى وقفتها الثابتة أمام تجمهر الخادمات حولها.
ورأى كيف كانت يدها تتحرك بوقار وهي تمسك سلتها، وكأنها تمسك صولجاناً.
لم تكن تصرخ ، ولم تكن تبكي ، بل كانت تترفع عنهن برقيّ مذهل.
ضيق لوسيان عينيه بـتفكير عميق.
‘ هذه الحركات.. هذا الثبات.. لا يشبه العوام.’
كان يراقب انسحابها الهادئ بـظهرٍ مفرود ورأسٍ لا ينحني إلا للضرورة.
تذكر لوسيان بنات النبلاء في العاصمة ؛ كنّ يتدربن لسنوات لـيملكن هذا الوقار.
ومع ذلك ، كانت أديليد تملكه بـشكلٍ فطري مذهل وسط زيها البسيط.
كانت ملامحها تحت الشمس بشعرها المائل للاحمرار وعينيها الزرقاوين الصافيتين
توحي بأصلٍ رفيع لا يمكن إخفاؤه بزي خادمة.
أمسك لوسيان بحافة الشرفة بقوة أخفتها برودته المعتادة.
وحدث نفسه بـصمت:
“من تكونين حقاً..؟”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 6 - جوهرٌ خفيّ منذ 18 ساعة
- 5 - اللقاء الصامت منذ 19 ساعة
- 4 - بروتوكول الصمت 2026-03-31
- 3 - قيدٌ من ذهب 2026-03-31
- 2 - ثمن النجاة 2026-03-30
- 1 - زهرة الجبل 2026-03-29
التعليقات لهذا الفصل " 6"