أشرقت شمس الصباح الثاني في “كرانستون” باردة وباهتة.
تنسلّ عبر النوافذ العالية لتجد أديليد قد بدأت عملها بالفعل.
لم تكن يدها قد اعتادت بعد على ملمس ريش التنظيف الناعم.
لكن قلبها كان قد اعتاد منذ زمن على مشقة الروتين.
في “ردهة الخدم” أثناء استراحة الغداء القصيرة ، بدأت الملامح البشرية للقصر تتضح لأديليد.
كانت النظرات تلاحقها كسهامٍ متباينة
فمن جهة ، كانت هناك مجموعة من الخادمات القدامى ينظرن إليها بـاستحقارٍ جليّ.
يتهامسن عن “فتاة الجبل” التي لم تلمس الحرير إلا في أحلامها.
وكيف أن ملامحها و شعرها الناري لا يليقان بوقار الدوقية.
كانت الغيرة تطل من أعينهن، خاصةً وأن توصية السيدة أجاثا جعلت منها “خادمة الجناح الشرقي” المتميز.
وهو مكان لا تصله إلا الموثوق بهن.
وعلى النقيض ، اقتربت منها خادمتان صغيرتان ، “إلين” و”سارة”، بابتساماتٍ خجولة وفضولٍ طفولي.
حاولتا سؤالهن عن برد الثلوج في “ألفار” وعن كيفية تحمل العيش في تلك المرتفعات.
وفجأة ، انقطع حبل الأحاديث حين دخلت إحدى الخادمات ركضاً.
وهي تلهث والبهجة تملأ وجهها الصارخ:
“لقد عاد ! العربة السوداء دخلت البوابة الرئيسية.. الدوق لوسيان قد وصل!”
في لحظة ، تحول الهدوء إلى فوضى عارمة من الحماس.
ركضت الفتيات نحو النافذة الكبيرة المطلة على الساحة الأمامية.
يتدافعن بـأجسادهن ليحظين بلمحة واحدة.
“انظروا.. إنه هو!”
همست إحداهن بـهيام.
من خلف زجاج النافذة ، ظهر الدوق لوسيان وهو يترجل من عربته بـوقارٍ يحبس الأنفاس.
كان كما تصفه الأساطير ؛ ملامحه حادة وكأنها نُحتت من رخامٍ بارد
شعره الأسود الفاحم مصفف بدقة تنسجم مع بذلته السوداء الرسمية التي تبرز قوامه الممشوق.
كانت عيناه تحملان لمعةً غامضة، نظرةً ثاقبة لا تعترف بالضعف.
وبشرته الشاحبة تمنحه هالة من الغموض والهيبة التي تليق بـ “سيد كرانستون”.
تعالت تنهدات الإعجاب من حول أديليد:
“يا إلهي ، إنه أجمل مما تصفه القصص.. ليتني أستطيع تقديم القهوة له اليوم فقط!”
ظلت أديليد واقفة في مكانها ، لم تتحرك خطوة واحدة نحو النافذة.
كانت تنظر إلى زميلاتها بـاستغرابٍ صامت، لم تفهم هذه اللهفة المجنونة.
بالنسبة لها ، لم يكن هذا الرجل سوى “سيد” يملك السلطة ، وهم ليسوا سوى “خادمات” يملكن العبء.
‘ ماذا سيستفيدون من هذه النظرات؟’
فكرت بـمرارة.
‘ جماله لن يطعم جائعاً ، وهيبته لن تشفي مريضاً. هو في قمة الهرم، ونحن في قاعدته التي تُسحق كل يوم.’
صرفت نظرها عن المشهد تماماً، وأمسكت بقطعة القماش الخاصة بها
وعادت لتلميع قطعة أثاثٍ قريبة بـتركيزٍ شديد.
بالنسبة لأديليد ، لم يكن الدوق لوسيان حلماً يُنتظر.
بل كان مجرد “عملٍ إضافي” وقوانين أكثر صرامة ستحكم أيامها القادمة.
بينما كانت الفتيات يغرقن في أحلام اليقظة عند النافذة ، كانت أديليد تغرق في واقعها.
غارزةً إبرة صمودها في نسيج حياتها الجديد.
كانت الممرات الطويلة في “كرانستون” تشبه المتاهة.
جدرانها مغطاة بلوحات لأسلاف الدوق.
بدأت أديليد مهمتها في تنظيف الشمعدانات النحاسية الضخمة المعلقة على الجدران.
وكانت تتحرك بخفة كأنها تخشى خدش الصمت المطبق الذي يلف الجناح الشرقي.
بينما كانت تسير حاملةً أدوات التنظيف في سلة خشبية صغيرة
انطفأ شعاع الشمس المتسلل عبر النوافذ العالية فجأة، وكأن سحابةً غطت المكان.
انعطفت عند زاوية الممر الضيق المؤدي إلى المكتبة.
وفجأة…
تجمد الهواء في رئتيها.
لم تسمع وقع أقدام، ولم تشعر بحركة، لكنه كان هناك.
الدوق لوسيان.
كان يقف على بعد خطوتين فقط، طوله الفارع وبذلته السوداء القاتمة
جعلاه يبدو كقطعة من ليل العاصمة وسط هذا القصر الفاخر.
كان يمسك بيده قفازاته الجلدية، وعيناه الحادتان الغائرتان مثبتتان على ورقة في يده الأخرى.
ارتبكت أديليد ارتباكاً لم تعهده من قبل ؛ سقطت قطعة القماش من يدها.
واهتزت السلة الخشبية في قبضتها المرتجفة.
تذكرت كلمات السيدة أجاثا فوراً:
“لا رفع للبصر أمام الأسياد.. أنتِ مجرد ظل”.
بسرعة ، خفضت رأسها حتى كاد ذقنها يلامس ياقة قميصها الخانقة
وتراجعت لتلتصق بالجدار البارد، مفسحةً له الطريق.
شعرت بقلبها يقرع طبول الحرب في صدرها.
وأنفاسها المتسارعة كانت الصوت الوحيد المسموع في ذلك الممر المهيب.
مرّ لوسيان بجانبها.
لم يتباطأ ، ولم يلتفت ، ولم ترفّ له جفن.
كان بروده يفوق برودة ثلوج “ألفار” التي نشأت فيها.
رائحة عطرٍ فاخرة ، لفحت وجهها وهي تمر بجانبه.
شعرت بهيبة حضوره تطغى على المكان ، وكأنه لا يرى البشر من حوله إلا كأثاثٍ متحرك.
انتظرت أديليد حتى اختفى صوت وقع أقدامه تماماً في نهاية الممر.
زفرت أنفاسها المحبوسة ، وشعرت بركبتيها ترتجفان بضعف.
انحنت لتلتقط قطعة القماش، وأصابعها لا تزال ترتعش.
“إنه مجرد إنسان،”
همست لنفسها بـحدة ، محاولةً استعادة كبريائها الجبلي الذي تزلزل.
“إنسان يرتدي ملابس باهظة ، لا أكثر.”
لكن في قرارة نفسها ، أدركت أديليد أن هذا اللقاء العابر لم يكن عادياً.
ذلك البرد الذي ينبعث منه لم يكن قسوة ، بل كان شيئاً أعمق.
شيئاً يشبه الجليد الذي يغطي القمم العالية ؛ لا يذوب بـسهولة.
ويخفي تحته أسراراً لا يجرؤ أحد على كشفها.
عادت لعملها ، لكن ملمس النحاس البارد في يدها كان يذكرها بـنظرة عينيه التي لم ترها.
بل شعرت بـوطأتها فوق رأسها المنحني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"