2 - ثمن النجاة
أشرقت شمس الصباح فوق قمم “ألفار” ببرودٍ يكسر العظام.
خرجت أديليد من كوخها ، تشد وشاحها الصوفي حول عنقها.
وتغرس قدميها في التربة الموحلة وهي تسلك المنحدرات الوعرة نحو معمل الخياطة.
كانت أنفاسها تخرج كبخارٍ أبيض في الهواء ، وعقلها يحصي حبات الدواء المتبقية لوالدها.
وثمن الحطب الذي أوشك على النفاد.
ما إن دخلت المعمل ، واتخذت مكانها خلف آلة الخياطة.
حتى بدأ ضجيج الإبر المعتاد.
لكن الصمت ساد فجأة حين دخلت مديرة المعمل ، بوجهٍ يحمل علامات الدهشة و الجدية.
لتقف في منتصف القاعة وتعلن خبراً هزّ أركان المكان.
“أصغين جيداً.. لقد وصلني طلبٌ عاجل من العاصمة ، وتحديداً من دوقية كرانستون العريقة. إنهم يبحثون عن خادمات للعمل في القصر فوراً!”
توقفت المحركات عن الدوران، وبقيت الفتيات ينظرن إليها بعدم فهم.
“خادمات؟”
همست إحداهن بنبرة استنكار.
لقد كانت العاصمة حلمهن الأكبر، مدينة الضوء والحرير التي يتحدثن عنها بصخب كل يوم.
لكنهن كن يحلمن بزيارتها كعاملات خياطة ماهرات.
أو حتى زواراً مبهورين ، لا كخادمات يمسحن الغبار في القصور.
كانت “العاصمة” بالنسبة لهن مكاناً غامضاً وصعب الفهم.
وقوانين الآداب فيها تبدو كألغازٍ مستعصية على فتيات الجبل.
نظرت المديرة إليهن ، ولم تكن تلوم حيرتهن.
هي نفسها تفاجأت في الصباح الباكر
لماذا تبحث عائلة كرانستون ، التي تعد من أعرق وأنبل العائلات في الإمبراطورية قاطبة.
عن خادمات بـهذا التعجل ومن قرية نائية كهذه ؟
لكن كل ما كان عليها فعله هو تلبية الطلب.
رفعت المديرة صوتها صارمة:
“إنها فرصة العمر ! دوقية كرانستون ليست كأي دوقية ، إنها رمز للجاه والنفوذ. وإذا كنتن تترددن بشأن طبيعة العمل…”
صمتت للحظة قبل أن تكمل بإغراءٍ واضح:
“فإن الراتب المعروض يفوق رواتبكن هنا بـأضعافٍ مضاعفة!”
ساد ذهولٌ مطبق ، واختفت نبرة الاستنكار لتحل محلها دهشة صامتة.
الراتب كان مذهلاً ، مبلغاً لم تحلم به أي واحدة منهن حتى لو عملت ليل نهار لسنوات.
ومع ذلك ، بقي التردد جاثماً على صدورهن.
فالخوف من المجهول ومن “خدمة” النبلاء كان لا يزال يثير القلق.
شعرت المديرة بالإحباط من صمتهن، فقالت وهي تغادر القاعة:
“فكرن جيداً.. من تجد في نفسها الشجاعة، فمكتبي مفتوح لتطلع على التفاصيل.”
عادت الثرثرة لتشتعل من جديد، لكن أديليد كانت في عالمٍ آخر.
لم تكن تسمع ضجيج زميلاتها ، بل كانت تحسب في عقلها ثمن تلك “المعجزة”.
هذا الراتب الخيالي لم يكن مجرد مال ، بل كان تذكرة عودة لـوالدها إلى الحياة.
مستشفىً حقيقياً ، وأطباء أكفاء ، وأمل في أن يسير على قدميه مجدداً.
كان يعني مدرسةً حقيقية لإخوتها الصغار ، وملابس دافئة ، وطعاماً لا ينفد.
نظرت أديليد إلى قطعة الحرير بين يديها.
تلك التي ستذهب لتباع بـأثمانٍ باهظة في العاصمة لسيدات المجتمع المخملي.
شعرت بـواقعها المرير يضغط على صدرها.
وصراعٍ عنيف يمزقها بين خوفها من مفارقة عائلتها والذهاب لذلك المكان الغريب.
و بين رغبتها في إنقاذهم من براثن الفقر والموت البطيء.
تحت وطأة هذا الصراع المرير، لم تعد الإبرة تتبع القماش بانتظام.
بل باتت دقات قلب أديليد هي التي تقود حركتها.
اتخذت قرارها ؛ ستذهب للعاصمة، ستصبح خادمة، ستبيع حريتها لتشتري حياة عائلتها.
بدأت في عقلها عملية حسابية محمومة:
“ستة أشهر.. لو صمدت لستة أشهر فقط، سأنتشلهم من قاع هذا البؤس”.
بدأت ترسم أحلاماً صغيرة لكنها بحجم الجبال.
شقة دافئة في القرية المجاورة، أدوية لا تنقطع.
وربما.. ربما مدرسة حقيقية للصغار.
ما إن أعلن جرس الانصراف انتهاء العمل.
حتى جمعت أغراضها البسيطة في حقيبتها البالية.
وسارت بخطوات مرتعشة لكنها مصممة نحو مكتب المديرة.
استجمعت شجاعتها ، وطرقت الباب طرقات خفيفة تعكس وقار خوفها.
جاءها صوت المديرة الهادئ:
“تفضل”.
ما إن رأت المديرة وجه أديليد ، حتى ارتخت ملامحها القاسية.
وارتسمت على ثغرها ابتسامة مشجعة ، وكأنها كانت تنتظرها هي بالذات.
جلست أديليد بـأدب ، وبصوتٍ حاولت جاهدة أن تجعله ثابتاً.
أخبرتها بقرارها:
“سأذهب يا سيدتي .. سأعمل خادمة في دوقية كرانستون”.
كانت المديرة تعرف جيداً أن خلف هذا القرار حكاية أبٍ مكسور وأمٍّ ذابلة
فقالت بنبرة حانية:
“أصبتِ يا ابنتي. سأوصي بكِ ‘رئيسة الخادمات’ هناك شخصياً، فهي صديقة قديمة لي ، وسأخبرها أنكِ أنبل فتياتنا وأكثرهن صبراً. هذه الفرصة هي القشة التي ستنقذ عائلتكِ من الغرق”.
شكرتها أديليد ، وبينما كانت تتسلم العنوان المكتوب بخطٍ أنيق.
فاجأتها المديرة بخبرٍ كان كالغيث على أرضٍ قاحلة:
“تكاليف سفركِ ستكون على عاتق المعمل ، وبشرى أخرى.. دوقية كرانستون أرسلت مبلغاً ليكون ‘عربوناً’ للشهر الأول ، سأعطيكِ إياه الآن لتؤمني احتياجات عائلتكِ قبل الرحيل”.
في تلك اللحظة ، لم تستطع أديليد حبس دموعها.
كانت تلك النقود بين يديها أثقل من كل الحرير الذي خاطته في حياتها.
غادرت المكتب وعيناها تلمعان بدموع الامتنان.
وسارت نحو كوخها بخطوات أخف مما كانت عليه صباحاً.
وكأن الجبل لم يعد وعراً ، وكأن الطريق نحو العاصمة بدأ يزهر بالأمل تحت قدميها.
كانت تفكر في شيء واحد:
“هذا الكوخ البالي لن يكون نهايتنا.. سأنقلهم إلى مكانٍ يليق بكرامتهم”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 4 - بروتوكول الصمت منذ 12 ساعة
- 3 - قيدٌ من ذهب منذ 12 ساعة
- 2 - ثمن النجاة منذ يوم واحد
- 1 - زهرة الجبل منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 2"