1
الفصل 1
تصبب العرق من شعر شارلوت البني المموج.
استجمعت أنفاسها اللاهثة ببطء خلف خزانة زينة فاخرة في الممر المظلم.
‘في نهاية هذا الممر، يوجد الأمير…’
خفق قلب شارلوت بقوة.
لمعت عيناها البنيتان الناعمتان اللتان تشبهان لون الجوز تحت ضوء النجوم.
واكتست وجنتاها المحمرتان بلون وردي مزيج من التوتر والترقب.
قبل بضعة أشهر، غطى الحزن أوروبا بخبر مقتل أمير إحدى الدول.
موت ذلك الأمير الذكي الذي قيل إن له عينين رماديتين مخضرتين غامضتين تأسران القلوب.
وابتسامة ترسم منحنى مائلا يشبه ذيل ثعلب كثيف.
تت… تت… تت.
مشت شارلوت ببطء في الممر بينما كانت أطراف أصابعها تلامس الجدار الحجري البارد.
يجب ألا يراها أحد.
انعكس وجه شارلوت بتعبيره الحازم رغم رقته التي تشبه أرنب المنزل على زجاج الخزانة.
“هاه…”
وصلت أطراف أصابع قدم شارلوت أخيرا إلى الباب الضخم في نهاية الممر.
كان قلب شارلوت ينبض الآن بسرعة كبيرة لدرجة شعرت معها وكأن الزمن سيتوقف.
كانت على وشك لقاء الأمير قريبا.
الأمير الذي كان يزورها كل ليلة عابرا حدود الموت، وكان يشبه شجرة ضخمة في غابة صيفية.
ذلك الأمير الذي كان يختفي دون أثر عند شروق شمس الصباح…
صرير-
ضغطت أطراف أصابع شارلوت بقوة، وأصدر الباب الثقيل أنينا كتمه طويلا.
امتد أمام عينيها سقف عال يكاد يلامس السماء، ونوافذ زجاجية تحتضن سماء الليل والقمر المكتمل.
وحيث يسقط ضوء القمر…
“… ليوبولد.”
أميري… يا ضياء الفجر.
أيقظ صوت شارلوت الممزوج بالبكاء الهواء البارد وبث فيه الحياة.
عام 1814 إنجلترا، برينتوود بضواحي لندن.
كانت حفلة معرض الكونت أوسلو، الذي قيل إنه اشترى الكثير من القطع الفنية من اليونان، بمثابة ملتقى لأبناء العائلات الراقية.
امتلأ رواق المعرض المزين بالجدران الرخامية الفاخرة والمنحوتات بأصوات أحاديث الشباب والفتيات في سن الزواج ومرافقيهم.
“شارلوت، هل تذكرين جيدا ما تعلمناه منذ قليل؟ عندما تبدأ هيلينا بالعزف على البيانو بعد قليل، حينها…”
همست سيدة مسنة ذات شعر أبيض ومنحنية الظهر قليلا لشارلوت.
كانت هي السيدة إليسيا، التي ترتدي قبعة مزينة بزهر البنفسج، وهي مرافقتهم في زيارة المعرض وعمة أخوات أوجستا.
“بالطبع يا عمتي، هل تعتقدين أنني حصلت على هذه المروحة الفاخرة هباء؟”
أجابت شارلوت وهي تهز مروحتها المرصعة بالريش الكثيف.
كانت تمتلك شعرا بنيا طويلا مموجا ووجها لطيفا للغاية، لكن جمالها كان بعيدا كل البعد عن شهرة أخوات أوجستا الخمس المعروفات بحسنهن.
ولأن شارلوت كانت تدرك الإشاعات حولها جيدا، فقد توسلت لوالديها بأن تحصل هي، الأقل شأنا بينهن، على أفخر مروحة ليكون الأمر عادلا.
“نعم يا شارلوت، لا تنسي. حركي المروحة، ثم دوري ببطء…”
ارتسمت على وجه إليسيا، وهي تردد الخطوات كأنها تغني، ابتسامة شقية لا تناسب عمرها.
التقطت شارلوت الكلمات من عمتها بسرعة وأكملت:
“اليد التي لا تمسك المروحة توضع على الجبهة، وادفعي الخصر للخلف كي لا تتأذي.”
اهتزت المروحة الفاخرة التي لا تتناسب مع فستان الموسلين الأبيض الوقور في يد شارلوت بشكل مبالغ فيه.
انتشرت الابتسامة على وجه إليسيا المجعد وهي ترى حركات شارلوت المسرحية.
“أحسنت يا شارلوت، في حفلة الراقصة لهذا الأسبوع ستتمكنين من الرقص بالتأكيد!”
بفضل تشجيع إليسيا، أعدت شارلوت ابتسامة خجولة خلف مروحتها، تأملا في أن تلتلقي عيناها بعين أحد السادة.
‘إذا نجحت خطة اليوم، فقد أتلقى طلبا للرقص في حفلة نهاية الأسبوع. لن أكتفي بمشاهدة رقص أخواتي وأنا ملتصقة بالجدار، بل سأمسك أخيرا بيد أحد السادة…’
عقدت شارلوت عزمها وهي تتذكر الأيام التي كانت تقضيها وبيدها “بطاقة رقص”* فارغة.
(*بطاقة الرقص: ورقة كانت تعلقها السيدات في معصمهن لكتابة أسماء من يطلبون الرقص معهن في كل مقطوعة.)
في تلك اللحظة، وقعت عينا شارلوت على رجل طويل القامة يقف عند الدرج المركزي للمعرض.
بعيدا عن الحشود المشغولة بالتحية والدردشة، كان يقف وحيدا يتأمل بهدوء لوحة معلقة على الجدار.
كان يمتلك جسدا قويا، وشفاه مطبقة توحي بشيء من الغطرسة، وفي ملامحه الجانبية وعينيه المنخفضتين قليلا وقار يصعب وصفه.
‘آه!’
عندما أدار الرجل رأسه قليلا لينظر للأمام، توقفت حركة مروحة شارلوت الصاخبة.
وبدلا من الابتسامة الخجولة التي تدربت عليها، انفتح ثغراها من الصدمة.
كان شعره البني الداكن ينسدل بتموج ناعم بجانب جبهته المستوية، وبين خصلاته لمعت عيناه الرماديتان المخضرتان بمسحة من الشجن.
استنشقت شارلوت نفسا قصيرا من شدة التناغم الجمالي بين عينيه الناعمتين وخط فكه الحاد.
‘يا إلهي…’
بدأ وكأن الزمن قد توقف لمجرد التقاء عينيها بعينيه للحظة.
نظر الرجل، الذي كان يرتدي حلة فاخرة وحذاء السادة الطويل، نحو شارلوت الواقفة في الجهة المقابلة من المعرض للحظة، ثم أعاد نظره ببطء نحو اللوحة.
تت… تت… تت.
رمشت شارلوت التي كانت تنظر للرجل كالمسحورة على صوت دقات قلبها القوية.
وعندما فعلت، كان الرجل الذي كان يقف على الدرج قبل قليل قد اختفى من بصرها.
“يا إلهي، أين ذهب؟ لقد كان هنا قبل لحظة…”
قالت شارلوت وهي تلتفت حولها بذهول.
“عمتي إليسيا، هل رأيت ذلك السيد الذي كان يقف في الرواق؟ لقد كان يملك جمالا ووقارا مذهلين حقا!”
ضاقت عينا إليسيا على سؤال شارلوت المفاجئ ونظرت حولها هي الأخرى.
“همم؟ عيناي ضعيفتان…”
“يا للسماء، كيف! لم أر رجلا بهذا الوسامة من قبل. لم أره حتى في حفلة ترسيم بيانكا الشهر الماضي. هل هو شخص جديد يا عمتي؟”
قالت شارلوت وهي تضرب كتف عمتها المسنة بسرعة متناسية وقارها.
استندت إليسيا على عصاها لتتجنب يد شارلوت وأجابت:
“إذا كنت أنت التي تعرفين كل رجل عازب يزور برينتوود لا تعرفينه، فمن سيعرف؟ إن لم يكن رجلا جديدا، فلا بد أنه خاطب بالفعل.”
“آه…”
كان كلامها منطقيا.
لكن مهما كان خاطبا، كان من الغريب جدا ألا تحيط السيدات برجل يمتلك هذا القدر من الجمال.
سألت إليسيا شارلوت وهي تخفض صوتها تماما:
“شارلوت، يبدو أن الوقت قد حان لتنفيذ خطتنا.”
رفعت شارلوت رأسها عند كلام إليسيا.
في تلك اللحظة، ظهرت هيلينا، الابنة الثانية لعائلة أوجستا، وهي تتخذ مكانها أمام مفاتيح البيانو الموضوع في الرواق.
صدح عزف هيلينا، ذات الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين والقوام الجميل كدمية من البورسلين، في رواق المعرض.
وبجانبها، غطت بيانكا، الابنة الرابعة لعائلة أوجستا والتي لفتت الأنظار في المجتمع قبل أختها شارلوت، بصوتها الجميل وهي تمتلك أيضا شعرا أشقر مبهرا.
اتجهت أنظار الجميع، رجالا ونساء، نحو بنات عائلة أوجستا.
‘يبدو أن بنات عائلة أوجستا جميلات وموهوبات جميعا.’
‘الابنة الكبرى مخطوبة بالفعل، أليس كذلك؟ الآن سيتنافس رجال برينتوود على هيلينا الثانية وبيانكا الرابعة.’
‘ألم تترسم الابنة الثالثة لعائلة أوجستا أيضا في المجتمع؟ تلك الآنسة ذات الشعر البني.’
‘آه، شارلوت أوجستا المشاكسة؟ تلك الآنسة لا تشبه آل أوجستا حقا. هناك سبب لعدم وجود خاطب لها رغم مرور ثلاثة مواسم على ترسيمها.’
شعرت شارلوت بوخزة وألم في صدرها من همسات الناس.
شارلوت أوجستا، الابنة الثالثة التي تقف كزهرة برية بين عباد الشمس المبهر من أخواتها الجميلات.
كان هذا الوصف يعتبر جيدا نوعا ما، فعادة ما كان الناس يصفونها بالبطة التي حشرت وسط سرب من البجع، أو النعجة السوداء القبيحة وسط قطيع من النعاج البيضاء الوديعة.
‘اليوم سأجذب انتباه الناس أنا أيضا.’
كتمت شارلوت ألم قلبها ووقفت أمام إحدى المنحوتات الرخامية المصطفة وسط الرواق.
رأت أمامها السادة واليدات بملابسهم الرسمية مصطفين بذكاء كقطع الشطرنج، وقد سحبت أنظارهم عروض أخوات أوجستا.
‘واحد، اثنان… مع تحريك المروحة بسرعة…’
رددت شارلوت سر عمتها إليسيا الخاص في ذهنها.
ثم بدأت تأخذ أنفاسا عميقة وتخرجها وهي تلهث بصدرها.
“هاه، هاه…”
عندما سمع من حولها صوت أنفاسها اللاهثة، بدأ بعضهم يلتفت نحو مكان وجودها.
أخذت شارلوت تنطق الكلمات متقطعة وكأنها تختنق.
“يا إلهي، فجأة التنفس، هاه… الفستان…”
‘لا تسقطي قبل أن يقترب منك شخص ما لمسافة تسمح له بإسنادك، مفهوم؟’
ردد صوت إليسيا في رأس شارلوت.
لم تنس شارلوت، وهي تمثل الاختناق، أن تنظر حولها لترى إن كان هناك سيد يقترب لمساعدتها.
وسرعان ما زاد عدد المنتبهين للهثها، وطرح بعضهم من الحشد سؤالا عما إذا كانت بخير.
‘الآن، ببطء، السقوط مع الدوران!’
بمجرد أن سمعت صوت خطوات حذاء سيد يقترب نحوها، وضعت شارلوت يدها التي تمسك المروحة على جبهتها، وأمسكت بالمنحوتة الرخامية خلفها بيدها الأخرى، وبدأت تسقط ببطء.
في تلك اللحظة، رأت بعينيها نصف المفتوحتين ذلك الرجل الوسيم من قبل واقفا في نهاية الرواق.
كان لا يزال يتأمل اللوحة المعلقة بوجهه المثالي وتعبيره المتعالي.
‘آه، ذلك الشخص قبل قليل…’
تشتت تركيز شارلوت للحظة فزلت قدمها.
وبسبب ذلك، تاهت يدها التي كانت تحاول الإمساك بالمنحوتة الرخامية في الهواء.
طاخ.
في النهاية، فقدت شارلوت توازنها وارتطمت بالأرض قبل أن يصل السيد الذي كان آتيا لإنقاذها.
“يا للسماء، ماذا دهاها، تلك الآنسة!”
قالت السيدات المسنات وهن ينظرن لشارلوت التي جلست بوضعية مضحكة.
توقف عزف أخوات أوجستا بسبب الجلبة وسط الحشد. وفي تلك اللحظة.
طاخ.
سمعت شارلوت، التي كانت تفكر أن الإغماء الحقيقي الآن سيكون أفضل، دويا متتاليا.
فتحت شارلوت عينيها اللتين كانت قد أغمضتهما بقوة.
فرأت المنحوتة الرخامية التي حاولت الاستناد عليها تسقط ببطء أمام عينيها.
طاخ. طاخ. طاخ.
سقطت تلك المنحوتة على التي بجانبها، وتلك على التي تليها.
وفي وقت قصير بدا كالأبد، سقطت المنحوتات الرخامية المصطفة في رواق قصر الكونت أوسلو كقطع الدومينو.
“أوه، ليس هكذا!”
صرخت شارلوت وهي تقفز من مكانها فجأة.
طاخ.
مع صرخة شارلوت، ارتطمت آخر منحوتة في نهاية الرواق بالأرض وتحطمت مع صوت تكسر واضح.
وبهذا الصوت الأخير، ساد الصمت في الرواق المليء بالناس.
يبدو أن كلام عمتها إليسيا بأن هذه أفضل طريقة لجذب الانتباه كان صحيحا.
فقد أصبح كل من في الرواق الهادئ ينظرون إلى شارلوت، التي بدت سليمة تماما على عكس تمثيلها قبل قليل.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 1"