اختُتمت الحفلة الخيريّة التي أقامها بنك غراهام بنجاحٍ كبير. حضر معظم الشخصيّات المرتبطة بالدوائر السياسيّة و الاقتصاديّة المركزيّة.
و ربّما لم يكن هدفهم العمل الخيري أصلًا ، بل أنا و البنك و إيغبرت الذين يشعلون اهتمام الإمبراطوريّة هذه الأيام.
على أيّ حال ، و بسبب كثرة الحضور و وجود كثيرين يهتمّون بالمظاهر ، جُمِع أكبر مبلغ تبرّعات في التاريخ.
و قد تقرّر تقسيم المبلغ و التبرّع به لخمسة ملاجئ أيتام.
اثنان منها تابعان للمعبد ، و واحد تديره العائلة الإمبراطوريّة ، و الاثنان الباقيان ملاجئ مدنيّة.
اختيار مناسب جدًا بعد أن أُحسن توزيع المجد بينهم جميعًا.
كلّ هذا كان بفضل جينوس.
“شكرًا جزيلًا يا سيد جينوس. و أيضًا لاتخاذك هذا القرار الكبير. لقد عملتَ طويلًا لصالح عائلة غراهام.”
“أنا وفيّ للماركيز غراهام الراحل و للبنك ، لا للعائلة نفسها.”
قال جينوس و هو يهزّ كتفيه.
“بل لو بقيتُ في عائلة غراهام لكنتُ الآن منشغلًا بخدمة الماركيز.”
“قد تتعرّض لضغوط غير عادلة من جانب العائلة.”
“و مع ذلك ، وضعي الآن أفضل.”
عندما يقول ذلك إلى هذا الحد أشعر بالاطمئنان.
كان جينوس بالنّسبة لي كخيطٍ من الضوء. صحيح أنّ بنك غراهام انتقل إليّ ، لكنني لم أستطع حتى الآن توظيف مساعد واحد قادر على مساعدتي فورًا.
كان هناك عدّة مرشّحين.
لكنهم جميعًا رفضوا عرضي في كلّ مقابلة.
‘لا يمكنني تجاهل رأي الماركيز غراهام.’
‘والدي ينتمي إلى أسرة تابعة لعائلة غراهام.’
‘قد يُمنع أفراد عائلتي من دخول الساحة السياسيّة إن أخطأت.’
حتى مع عرض رواتب عالية ، كان الناس يتردّدون في القبول. ربّما يجب أن أكون ممتنّة لأنهم حضروا المقابلة أصلًا.
مهما تغيّر الزمن ، يبقى نظام الطبقات صلبًا ، و كانت عائلة بارنابي المتواضعة لا تُقارَن بعائلة غراهام.
سأل جينوس بقلقٍ واضح.
“… ألم تتمكّني من توظيف مساعد بعد؟”
أومأتُ و أطلقتُ تنهيدة خفيفة. في الحقيقة كنتُ أشعر بالأسف تجاهه. فقد ترك غراهام و اختارني ، و مع ذلك لم أستطع منحه المعاملة التي يستحقّها.
“لذا أنا آسفة يا سيد جينوس. أشعر أنني حمّلتك ما ليس من عملكَ”
“لا بأس الآن… لكن من الأفضل أن تعثري على مساعد. جدولكِ سيزداد ازدحامًا ، و عدد مَن يبحثون عنكِ سيزداد أيضًا. فهناك كثيرون يحتاجون إلى المال.”
أومأتُ برأسي موافقةً.
أتفق مع كلامه تمامًا.
لكن أصحاب السمعة الجيّدة في المجال لا يريدون العمل معي. و في المقابل ، أنا لا أريد أشخاصًا بلا أيّ موثوقيّة.
إنها معضلة حقيقية.
و بينما كنت أتنهد بعمق مرة أخرى ، اقترح جينوس بحذر.
“ما رأيكِ أن تبحثي بين خرّيجي الأكاديميّة؟”
“الأكاديميّة؟”
“نعم. أليس موسم التخرّج قريبًا؟”
كان الربيع يقترب تدريجيًا. و كما قال جينوس ، فإن تخرّج الأكاديميّة الإمبراطوريّة كونرس يكون في أواخر أبريل ، أي إن موسم التخرّج على وشك البدء. و لا شك أنّ العائلات الكبرى تراقب بالفعل أفضل المواهب.
و من بينهم ، يوجد مَن يرغب بالعمل في القصر الإمبراطوري.
وفي حالة الأكاديميّة الإمبراطوريّة كونرس ، يوجد عدد كبير من الطلاب من عامة الشعب.
و هذا يعني أنّ هناك احتمال وجود شخص واحد على الأقل لا يخشى عائلة غراهام. أو ربّما شخص يحتاج المال بشدّة.
من المحتمل أنّ سجلات درجات الخرّيجين و تقييماتهم قد طُرحت بالفعل في السوق ، و لن يكون من الصعب الحصول عليها.
و إذا حضرتُ حفل التخرّج فسأتمكّن من مقابلة المرشّحين الذين أريدهم بشكلٍ طبيعي. فلهذا تُرسَل الدعوات أصلًا إلى العائلات.
و بوجود دعوة ، لم يكن حضور الحفل صعبًا.
ربما استهداف الأكاديميّة هو الخيار الأفضل…؟
“هل يمكنني الحصول على تلك البيانات للاطلاع عليها؟”
“بالطبع. سأحضّرها بحلول الغد.”
بفضل جينوس خـفّ قلقي قليلًا.
الأكاديميّة… لم أزرها منذ تخرّجي.
تسلّل إليّ حنينٌ خفيف.
* * *
قبل موسم التخرّج ، وصلت إلى بالدوين دعوة من الأكاديميّة الإمبراطوريّة كونرس.
كانت دعوة تُرسَل كلّ عام ، بهدف اختيار و توظيف المواهب المميّزة من بين الخرّيجين.
“هل ستحضر هذا العام أيضًا؟”
أومأ بالدوين ردًا على سؤال مساعده.
“آمل أن نجد موهبة جيّدة. و يفضّل أن يكون طالب اقتصاد يتقن لغة توليس بطلاقة.”
و عندما عبّر المساعد بوضوح عن رغبته ، توقّف بالدوين قليلًا ثم تناول القلم.
[هل لا يزال جانب غيرماني يؤجّل القرار؟]
كانت غيرماني عائلة تدير أكبر شركة تجاريّة في مملكة توليس.
هذه المرّة هم مَن بادروا بالاتصال بكونستانتين.
في البداية تحدّثوا عن أربع سفن شحن ، و الآن يتحدّثون عن ثلاث. فقد بدأوا بإثارة المشاكل في المرحلة الأخيرة من العقد.
و منذ ذلك الحين و هم يتجادلون حول التكاليف.
كانوا يطالبون بتخفيض السعر بوقاحة و كأنهم بلطجيّة.
“نعم ، هذا صحيح. كأنهم يشترون قارب نزهة واحدًا. إنهم يعترضون على كلّ مادّة مستخدمة ، لذا يتباطأ التقدّم.”
قال المساعد بصوتٍ مليء بالضيق.
“و عندما لا يناسبهم الأمر يتظاهرون بعدم الفهم…”
كان بالدوين يعرف أيضًا أنّ المسؤول التنفيذي القادم إلى إمبراطوريّة إستوس شخص سيّئ التعامل.
“ربّما يكون طالب من قسم علوم البحار مناسبًا أيضًا. أو شخص يفهم السفن جيدًا.”
ابتسم بالدوين ابتسامة خفيفة.
[سآخذ رأيك بعين الاعتبار.]
“شكرًا يا سموّ الدوق الأكبر.”
[إن بدا الأمر ميؤوسًا منه ، يمكن فسخ العقد.]
“لكن ذلك سيؤثّر كثيرًا على أرباح النصف الأول من العام. لقد رفضنا أعمالًا أخرى اعتمادًا على هذا العقد.”
تنهد المساعد بوجهٍ حائر. لو لم تكن غيرماني لكان بالإمكان قبول أعمال أخرى.
[إذا استمروا في المماطلة فستتضرّر جداول النصف الثاني أيضًا. هذا أفضل.]
“هذا صحيح… لكن.”
[سأفكّر في الأمر. كيف يسير مشروع ربط العاصمة بإقليم كريان بالسكك الحديديّة؟]
“لقد حصلنا على موافقة القصر الإمبراطوري ، و لم يبقَ سوى بدء العمل.”
كان مشروع السكك الحديديّة مشروعًا وطنيًا. و كان الإمبراطور الحالي ينتهج سياسة ربط جميع أقاليم إستوس بالسكك خلال فترة حكمه.
و كانت عائلة كونستانتين أول مَنٔ أدخل السكك الحديديّة إلى إستوس ، و لذلك كانت مسؤولة عن تنفيذ هذه المشاريع.
“المشكلة دائمًا هي المال.”
فالإمبراطور سلّمهم المشروع دون تمويل ، و كأنه يريد الأرباح مجانًا.
“لا أدري إن كان إمبراطورًا أم تاجرًا.”
[ربما كلاهما. سأقابل جلالته بنفسي ، لذا اهتمّ بتوظيف العمّال في الأقاليم.]
“نعم يا صاحب السّمو.”
ابتلع بالدوين تنهيدة خفيفة. بدا أنّ حضور حفل التخرّج سيكون أقرب زمنيًا من مقابلة الإمبراطور.
كان حدثًا يحضره كلّ عام ، لكن هذه المرّة شعر بشيء مختلف. مرّر لسانه داخل فمه. ربما بسبب تلك المرأة التي قابلها مؤخرًا.
أنايس بارنابي.
كان قد التقى أنايس لأول مرّة في الأكاديميّة. في ذلك الوقت تحديدًا ، في مثل هذا الموسم.
كان هو على وشكِ التخرّج ، بينما كانت هي طالبة مستجدّة أنهت لتوّها حفل القبول.
إن كانت ذاكرته صحيحة.
ربما ساهمت تلك الذكريات في اندفاعه لمساعدتها في الحفل الخيري.
ربّما ستحضر هي أيضًا حفل التخرّج من جانب عائلة غراهام.
أنايس بارنابي.
السّبب في استمرار تفكيره بها هو على الأرجح ذلك اللقاء اللافت قبل فترة.
‘يا لي من غارق في أفكار لا طائل منها.’
هزّ بالدوين رأسه طاردًا تلك الأفكار.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"