“ما هذا؟! هل تمارس العنف ضدي الآن يا صاحب السمو الدوق الأكبر؟”
يبدو أنّه لا يعرف ما هو العنف أصلًا.
الشخص الذي مارس العنف هنا لم يكن بالدوين بل هو إيغبرت.
قطّب بالدوين حاجبيه قليلًا. بدا و كأنّ تمثالًا قد تشوّه.
“ها.”
أدار إيغبرت رأسه و تمتم.
“أيّها الأحمق الذي لا يسمع.”
كان من الحقارة أن يدير رأسه حتى لا تُرى حركة شفتيه من بالدوين كونستانتين و يتمتم هكذا.
مَنٔ الأحمق هنا؟
اقترب الدّوق الأكبر منّا أكثر و فصل إيغبرت عنّي.
لقد دخل إلى تلك المسرحية التي لم يتدخّل فيها أحد.
بلا اكتراث ، و بثقة مفرطة للغاية.
طحن إيغبرت اللعنات بين أسنانه. ثم صرخ و عيناه محمرّتان.
“و ما شأن سموّكَ بالأمر؟ ألا تظنّ أنّكَ تجاوزتَ حدودكَ الآن؟”
ضغط الدّوق بالدوين عليه بصمت. الطرف الذي لم يحتمل تلكَ النظرات الباردة كان إيغبرت.
“… يا لك من وغدٍ مقرف.”
تمتم إيغبرت مجدّدًا. فازداد همس الحاضرين صخبًا.
بدأ المحيطون يمدحون الدوق الأكبر ليخفوا جابنهم الدنيء الذي منعهم من التدخّل.
“كما هو متوقّع ، إنّه شخص يشرّف اسم كونستانتين!”
“بالطّبع. إنّه سيّد أسرة عريقة. يجب على الماركيز غراهام أن يتنحّى الآن.”
أطلقت تنهيدة تلقائيًا. لم أكن أعرف ما الفكرة التي خطرت في ذهن الدّوق الأكبر حتى تدخّل.
لكن من المؤكّد أنّه أفادني. فقد كسبتُ فرصة لالتقاط أنفاسي و ترتيب أفكاري.
“حسنًا يا أنايس. سأتحقّق من أمرٍ واحد فقط ثم أنصرف. أنا أملك هذا القدر من التمييز. فأنا رجل نبيل.”
يا له من نبيل متجمّد.
عندما خطوتُ خطوة إلى الأمام من خلف الدوق ، أوقفني بعصاه.
“لا بأس يا صاحب السمو. شكرًا لمساعدتكَ.”
حدّق بي الدّوق لحظة ثم أومأ باقتضاب. تراجع خطوة و أبعد العصا.
كان شعورًا غريبًا ، كأنّ سورًا متينًا قد تشكّل حولي.
“إن كان لديكَ ما تقوله فقُلـه أيها الماركيز غراهام. لكنني لن أتسامح مع أيّ ضوضاء إضافية. سأستدعي الحرس فورًا ، فلتعلم ذلك.”
“هاه. قلتُ إنني فهمت! سأتصرف كنَبيل! حتى لو حاولتُ معاملتكِ بلطف فإنكِ تقومين باستفزاز أعصابي!”
حدّقتُ في ايغبرت بنظرات باردة. موهبته في إلقاء اللوم على الآخرين لم تتغيّر. كيف يمكن للعالم أن يدور حوله هكذا؟
“فسّري كلامكِ السابق. ما الذي كنت تقصدينه بذلك؟ هل ترك لكِ ذلكَ العجوز شيئًا آخر حقًا؟”
رفعتُ زاوية شفتي بازدراء.
“و هل يجب أن أجيب؟”
“ماذا؟ يا لهذه الـ…!”
“السيد الراحل غراهام سلّمني جميع الصلاحيات بسبب قلقه على مستقبل البنك. هل تظنّ أنّه لم يكن يشعر بالقلق أيضًا على عائلة غراهام؟”
اهتزّت عينا إيغبرت بعنف. لم يكن كلامًا يحتاج إلى إثبات.
إنه مجرّد زرعٍ للشك.
أليس مَنٔ يحترق بالنار لمرّة يخاف حتّى من رؤيتها؟
رأيتُ تعابير وجهه تتغيّر. بدا و كأنّه يظنّ أنّ الجدّ ترك لي أكثر.
كم هو ساذج.
“أنتَ تعرف جدّي جيدًا يا ماركيز.”
كان السيد غراهام شخصًا عقلانيًا و موضوعيًا أكثر من أيّ أحد. لدرجة أنّه سلّم البنك لي بدلًا من حفيده.
تراجع إيغبرت خطوة متردّدًا.
“لذا آمل أن تفكّر مرّة أخرى قبل أيّ تصرّف يا ماركيز. قد لا يكون الشيء التالي الذي يُنتزع منكَ هو البنك.”
“… هل تظنّين أنّني سأقف مكتوف اليدين؟”
“سأردّ عليكَ بالمثل. إلى متى تظنّ أنّني سأبقى أتلقّى الضرب فقط؟”
ضحكتُ بسخرية و أضفتُ كلمة أخرى.
“لم نعـد زوجين بعد الآن. ليس لكَ أيّ حقّ عليّ.”
تراجع إيغبرت خطوة أخرى.
يا للعجب ، كيف كنت أحبّ هذا الشخص في أحد الأيام؟! لا بدّ أنّني كنتُ عمياء فعلًا.
“إن كان لديكَ عمل في البنك فاحجز موعدًا ثم قُـم بزيارته. مفهوم ، أليس كذلك؟”
عضّ إيغبرت شفتيه بسببِ شعوره بالغيظ ثم استدار بعنف. دفع الحشد و غادر المكان على عجل.
حدّقتُ في ظهره ببرود.
كان خروجًا بائسًا حقًا.
* * *
أطلقتُ زفرة طويلة. مجرّد استعادة ما حدث في قاعة الحفل كفيل بأن يفجّر رأسي.
بقيت على معصمي الذي أمسكه إيغبرت ، كدمة زرقاء.
“حقًا ، يا له من أمر يثير الأعصاب.”
فركتُ معصمي ببطء.
لم يعجبني أمر كون إيغبرت ترك أيّ أثر في حياتي أو عليّ.
كان الأثر الذي تركه في قلبي كافيًا.
عضضتُ شفتي بقوة.
حدّقتُ في الكدمة التي لا تزول مهما فركتها ثم جلستُ على الكرسي.
و بصرف النظر عن ذلك ، كان الحفل ناجحًا. بدا أنّ الناس تقبّلوا بهدوء كوني أصبحت مالكة البنك.
حتّى الأشخاص الذين كانوا عملاء حاليين و مستقبليين أيضًا.
لحسن الحظ ، يبدو أنّ الانطباع الأول لم يكن سيئًا.
المتغيّر الوحيد غير المتوقَّع اليوم كان واحدًا فقط.
[أنتِ سوف تجلبين الخطر إليكِ]
بالدوين كونستانتين الذي كان ينظر إليّ ببرود.
[ربّما تكونين قد قدّمتِ طُعمًا بلا داعٍ.]
كان متغيّرًا لم أتوقّعه إطلاقًا ، و… كان إنقاذًا أيضًا.
كنتُ أتظاهر بأنني لا أشعر بالخوف ، لكن مَنٔ يستطيع أن يكون بخير في مثل تلك اللحظة؟
من بين ذلك العدد الكبير من الناس اليوم ، شخص واحد فقط___
هو وحده مَنٔ ساعدني.
كأميرٍ على حصانٍ أبيض.
* * *
“سمعتُ أنك تدخّلت في أمرٍ ممتع اليوم.”
لم يُبدِ بالدوين أيّ تعبير. بدا أنّ أصدقاءه وحدهم هم المتحمّسون لما حدث.
بعد انتهاء الحفل ، اندفعوا خلفه إلى منزل كونستانتين في المدينة بوجوه محمرّة من الإثارة.
يبدو أنهم لا يرون صاحب المنزل المنزعج أصلًا.
ضغط بالدوين على زاوية عينيه.
“حقًا يا بالدوين. لم أتخيّل أنك ستتدخّل في أمرٍ كهذا.”
“كان أمرًا لا يُحتمل النظر إليه. أن يطالب شخصٌ بما يملكه الآخر دون أن يقدّم شيئًا.”
قالت غويندولين بلطف و هي تلتصق بأقرب مقعد إليه.
“ما الذي أصابك يا بالدوين؟”
لمع أحمر الشفاه على شفتيها بشكلٍ جميل.
كانت غويندولين تعرف جيدًا متى تبدو جذّابة.
و لهذا تضع دائمًا أحمر شفاه ورديًّا داكنًا عندما تقابله. فهو يقرأ كلام الناس من شفاههم.
“هل تعتقد أن الناس حضروا الحفل للاستمتاع فقط؟ لقد جاؤوا لمشاهدة إيغبرت غراهام و أنايس بارنابي. لماذا تدخّلت في وسط ذلك؟”
سألت بصوتٍ هادئ. فأدار بالدوين رأسه متجنّبًا نظراتهم.
كان متعبًا.
و السبب؟
فقط لأنّه رأى في تلك المرأة ، التي كانت واقفة باستقامة رغم محاصرتها ، شخصًا مألوفًا.
ضيّق بالدوين عينيه.
كانت ترفع كبرياءها ، لكنها كانت تنظر حولها.
كانت تضع نظرة استسلام لأنها تعرف أنّ أحدًا لن يساعدها.
لقد رأى ماضيه في أنايس.
‘أليس أحمق لا يسمع على أيّ حال؟ قُم برميه في أيّ مكان!’
‘و هل هذا كلام يُقال لطفلكِ؟ مع أيّ رجل كنتِ تتسكّعين؟ أجيبي على الفور!’
‘و ما الذي سيتغيّر إن عرفت؟ لا تقلق. ذلك الوغد ابنـكَ أنت!’
ذلك الطفل…بالدوين الذي كان مضطرًا لسماع كلمات والديه البذيئة واقفًا باستقامة.
لهذا كان تدخّله لمساعدة أنايس مجرّد اندفاع.
وضعت غويندولين يدها بلطف على ذراعه بينما كان غارقًا في التفكير. مالت برأسها بزاوية تجعلها تبدو جميلة و غمزت.
“لن تخبرني أنا أيضًا؟ همم؟”
أبعد بالدوين يدها بلا مبالاة. و عندما حاول أصدقاؤه إيقافه و هو ينهض ، كتب لهم ملاحظة بسرعة و دفعها إليهم.
[متعب.]
راقب الأصدقاء ظهره و هو يغادر الغرفة.
عبست غويندولين بشفتيها.
‘يا له من فظّ دائمًا.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"