تفحّص بالدوين أنايس ببطء. من خصلات شعرها المتموّجة التي تغطّي عنقها ، و بشرتها البيضاء ، وصولًا إلى يدها التي تقبض عليها بتوترٍ.
تبدو مختلفةً تمامًا عمّا كانت عليه قبل يومين في مطعم الفندق.
ذلكَ التباين هو ما جعله يتذكر ذلكَ اليوم ؛ فسبب تغيير مكان الموعد كان رغبته في ألّا تفكر أنايس بإيغبرت و لو قليلًا.
هل كان ذلكَ مراعاةً لها؟
كلا ، ليس كذلك.
لقد فعل ذلكَ ليتباهى مثل طاووس.
ليريها أنّه إذا كانت بحاجةٍ إلى المساعدة ، فمن الأفضل أن تأتي إليه هو بدلًا من إيغبرت.
كان عليه أن يريها ما هو أعظم من قصر الماركيز ، و ما يمتلك من أشياء تفوق ما لدى عائلة الماركيز.
كان هذا هو السّبب ببساطة.
‘كم هذا دنيء و حقير’
شعر بالرثاء تجاه نفسه ، و لم يفهم لم يفعل شيئًا كهذا.
لحسن الحظ ، بدا أن أنايس قد سُحرت بزهور القصر المتفتحة ، و لم تدرك ما كان يدور في خلد بالدوين.
في الوقت المناسب ، قدّم كبير الخدم المرطبات.
انتظر حتّى يرتوي كلّ من المساعد و أنايس ، ثم فتح الموضوع الأساسي.
[أودً سماع رأي بنك غراهام أوّلًا.]
“آه.”
تسلّل لمعان إلى عينيّ أنايس ؛ و بدا له للحظة و كأن حدقتيها تشعان.
لا يعرف السّبب ، لكن هذه المرأة كانت تحبّ عملها في بنك غراهام.
كان يعلم منذُ القدم أنّها تبذل قصارى جهدها في المهام الموكلة إليها ، و لكن….
‘ما السّبب يا تُرى؟’
فتحت أنايس شفتيها.
“إذًا ، ألق نظرةً على الوثائق أوّلًا ، يا سموّ الدّوق”
تصفّح بالدوين الوثائق التي قدّمها المساعد هيريس بسرعة. حافظت أنايس على هدوئها حتّى انتهى من القراءة.
‘ ….مبلغ الإيداع؟’
كادت ضحكته أن تنفجر فجأةً. عندما تأكّد من ذلك الجزء و رفع رأسه ، وجد أنايس تنظر إليه بوجه متحمّس.
كانت وجنتاها متوردتين مثل زهور ترومبيت كريبر الحمراء.
“هل تأكّدتَ من جزء الشروط الخاصّة الذي يتضمن طلبنا؟”
رتّب بالدوين الأوراق و وضعها جانبًا كإشارة إلى أنّه انتهى.
“أنا أعلم بوجود صلة عميقة بين هيجيس و كونستانتين. و مع ذلك ، فإن بنك غراهام يمكنه بالتأكيد إرضاءكم بـ….”
[سأفعل ذلك]
كتب بالدوين موافقته بوضوح ، و ارتسمت على وجهه ابتسامة مريحة.
إنّـه هو ، و ليس إيغبرت.
لقد طلبت المساعدة منـه هـو.
كان هذا بمثابة إشارة استغاثة من أنايس ؛ فلا بد أنّ العوامل التي تدفع بنك غراهام نحو الهاوية هي التي أجبرتها على ذلك.
كونه يأتي في المرتبة الثانية بعد إيغبرت أمر يزعجه قليلًا ، لكن حقيقة أنّه هو مَنْ أمسك بيدها في النهاية كانت تُرضيه.
شعرَ بالارتياح لأنّه لم يفقد يدها هذه المرّة دونَ أن يحاول فعل شيءٍ كما حدثَ سابقًا.
هذا يكفي.
[سأودع ثلث ثروة كونستانتين الموجودة في بنك غراهام]
ارتسمت ابتسامة على شفتيّ أنايس. و مع تفتح تعابير وجهها ، تحسّن مزاج بالدوين أكثر.
“شكرًا لكَ ، يا صاحب السموّ!”
[النّسبة التي اقترحها بنك غراهام تعجبني أيضًا]
وقّع بالدوين في نهاية العقد بشكلٍ استعراضي. و بينما كان ينظر إلى أنايس و هي تزهر إشراقًا ، فكر في أنّها تليق بهذا القصر الربيعيّ أكثر من أي شخصٍ آخر.
كانت أنايس نفسها هي الربيع.
* * *
خرجت من قصر كونستانتين بمزاج رائع. لقد دعاني بالدوين لحضور مأدبة ستقام في نهاية هذا الأسبوع. لقد كانت مأدبة الربيع التي تُقام في قصر كونستانتين.
عندما كنتُ ابنة بارون ، كانت مكانتي منخفضة ، و عندما كنتُ الماركيزة غراهام ، كان إيغبرت يكره ذلك ، لذا لم أحضر أيّ مأدبة بمفردي من قبل.
لذا ، ستكون هذه أوّل مأدبة ربيع أحضرها في قصر كونستانتين.
“ماذا يجب أن أرتدي؟”
“نعم؟”
فتح هيريس عينيه على وسعهما.
“أقصد ذلكَ اليوم. أي ملابس ستجعلني أبدو رصينةً و مشرقةً في آنٍ واحدٍ ، و توحي بالثقة؟”
بدا هيريس محرجًا ، ثم أجاب بجدية.
“….. ماذا لو ارتديتِ الملابس التي ترتدينها الآن مرةً أخرى؟”
“هذه ليست ملابس مآدب. لا ، يا هيريس. يبدو أنّني متحمسة أكثر من اللازم.”
ضحكت دونَ وعي مني.
لا أصدّق أنّني سألت هيريس سؤالًا كهذا.
لكن الفائدة غير المتوقعة جعلتني أشعر و كأنّني أطير فوق السحاب.
النبلاء يضعون الرّتب و الدرجات لأتفه الأسباب. و مجرّد حضوري مأدبة الربيع في قصر كونستانتين سيجعل الناس يرفعون من تقييمي.
لم أكن أتوقّع الحصول على دعوة حتّى.
بالطبع ، لن يعود الأشخاص الذين غادروا بنك غراهام لهذا السّبب فقط ، و لن يبدأ أولئك الذين استهانوا بي بالنظر إليّ بهيبة فجأةً.
و مع ذلك ، كان من المؤكّد أنّه أمر سيغيّر الأجواء.
“لدينا عمل نقوم به عند عودتنا اليوم ، يا هيريس. من المؤكّد أنّ جهة الماركيز غراهام ستستخدم الإعلام. سينشرون مقالات تدّعي أنّ بنكنا على وشكِ الإفلاس ، أو أنّ جذوره قد اقتُلِعت.”
إيغبرت قادر على فعل أكثر من ذلك. علاوةً على ذلك ، بما أنّني جرحت كبرياءه بشدّة هذه المرّة ، فمن المؤكّد أنّه سيتصرف بدناءة أكبر.
“سنستعد لذلك. لقد وقّع دوق كونستانتين ، و سنتمكن من تأمين الوديعة خلال الأسبوع الموعود. لنجهّز مقالًا لمواجهة الماركيز غراهام.”
“حاضر ، أيّتها الرئيسة. هل يمكنني الحصول على قائمة الوسائل الإعلامية الصديقة لبنك غراهام؟”
“ستجد القائمة مرتّبة عند ذهابنا للبنك. يجب أن نتأكّد حتى اللّحظة الأخيرة قبل صدور المقال ما إذا كانوا لا يزالون في صفّنا ، و لم يغيّروا موقفهم في المنتصف.”
أومأ هيريس برأسه.
“لا يمكنني اختيار الفستان لكِ ، لكنّني سأنجز هذه المهمة بالتأكيد!”
“الفستان لا بأس به.”
انفجرت ضاحكة من كلمات هيريس المليئة بالعزيمة. و ضحك هيريس ببهجة أيضًا.
كان الجو مختلفًا عن الأمس. و كأنّني استقبلت قطرة مطر سقطت في وقتٍ جفاف.
لقد طرد بالدوين الغيوم السوداء التي كان إيغبرت يحاول أن يظلّلني بها بنفخة واحدة.
كانت أشعة الشمس التي تشرق فوقي دافئة جدًّا. لدرجة أنّها تكاد تجعلني أبكي.
* * *
جاءت عطلة نهاية الأسبوع سريعًا. اختارت لي إيلا أفضل فستان.
لأنّني كنتُ فقيرة في طفولتي ، و في أيام الأكاديمية كرّست نفسي للدراسة ، و بعد الزواج كنتُ مرتبطة بإيغبرت…كانت إيلا صديقتي الوحيدة ، أنا التي ليس لدي صديقة واحدة.
رغمَ أنّ إيلا كانت تشعر بالحرج كلّما قلت ذلك.
اختارت لي إيلا الفستان الذي وصفته : ‘رصين و مشرق ، و يوحي بالثقة’.
لقد استخدمت ذوقها الذي طوّرته خلال فترة عملها معي عندما كنتُ الماركيزة غراهام.
ما اختارته كان فستانًا من قماش كحليّ داكن ، مطرّزًا بخيوط فضيّة ناعمة.
كان الفستان يبرز عظمة الترقوة ، بينما يلتف قماش شفاف حول الكتفين. لم يكن خانقًا أو قديم الطراز ، و لم يكن مبتذلًا أيضًا.
ارتديت عقدًا من اللؤلؤ مع قلادة من الياقوت ، و أقراطًا متناسبة معه. و رفعت شعري بانتظام ثم وضعت عليه زينة من اللؤلؤ.
أخذت نفسًا عميقًا.
“هل أنتِ مستعدة ، آنا؟”
سألت نفسي.
كان قصر الربيع يضيء بأنواره الساطعة منتظرًا الضيوف.
و بدا و كأن الأضواء تلوّح بيديها للضيوف الذين بدأوا يتجمعون. كأنها تخبرهم أن يتفضّلوا بالدخول.
خطوت إلى الداخل بمفردي.
حتّى لو كانت الدعوات مقتصرة على ضيوف مختارين ، إلّا أنّ هذا المكان كان بمثابة غابة أخرى.
تماسكي جيّدًا ، يا أنايس.
“يا إلهي!”
“رئيسة بنك غراهام! ما اسمها…؟”
“لا بد أنّها أنايس بارنابي!”
أطلق الناس عبارات الدهشة و هم ينظرون إليّ. و سمعت اسم إيغبرت يختلط بالأحاديث.
صرخ الخادم الذي رآني بصوت عالٍ :
“السيدة أنايس من عائلة البارون بارنابي تدخل الآن!”
نداء الخادم باسمي يعني أنّني مدعوة رسميًّا.
تغيّرت نظرات الناس. لقد كانت نظرة ترحيب موجهة لشخصٍ دُعي رسميًّا لمأدبة كونستانتين.
كان هذا هو التأثير الذي يمارسه كونستانتين.
حتّى أولئك الذين كانوا حذرين اقتربوا مني لإلقاء التحية.
“من الجميل رؤيتكِ في مكان كهذا ، أيتها السيدة. ألم نلتق في المأدبة التي أقامها بنك غراهام منذُ فترةٍ وجيزة؟”
“نعم. أنا سعيدة جدًّا بلقائكِ هنا أيضًا.”
“لا بد أنّكِ جئتِ بدعوة من صاحب السموّ الدوق اليوم؟”
“كما هو حال جميع الضيوف هنا. قصر الربيع جميل حقًّا. أعتقد أنّني عرفت الآن لماذا يمدح الناس مأدبة الربيع كل هذا المديح.”
ابتسمت السّيدات برقّة عند سماع ردّي الواثق. رغمَ وقاحتهن ، إلّا أنّ التأكيد العلنيّ كان أفضل.
بينما كنتُ أتجول هنا و هناك و أتبادل التحية مع الناس ، تلاقت نظراتي مع بالدوين. كانت عيناه البنفسجيّتان اللتان تعكسان ضوء الثريات جميلتين لدرجة الإبهار.
بدا و كأنّه ينظر إليّ بدقّة من بين كل هؤلاء الناس. رغمَ استحالة ذلك.
رغمَ أنّني لا يمكن أن أكون بتلكَ الأهميّة بالنّسبةِ لبالدوين كونستانتين.
في اللّحظة التي أدار فيها بالدوين رأسه عني ، شعرت و كأن مفعول ذلكَ السحر قد انتهى.
لم أدرك إلّا بعد أن استنشقت نفسًا عميقًا ، أنّني نسيت حتّى كيف أتنفس في اللّحظة التي تلاقت فيها نظراتنا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 20"