“لنمضِ قُدُمًا في العقد.”
وما إنْ انتهت الكلمات من فمه حتّى أشرق وجهُ فيولا إشراقًا كاملًا.
ذلك الوجه الذي كان قبل لحظات مشدودًا بشيءٍ من التوتّر اختفى أثرُه، وحلّت محلَّه نظرةٌ بعينين مستديرتين تمامًا كما كانت بالأمس.
ذلك الوجه الخاص الذي يشبه وجهَ السنجاب.
“شكرًا جزيلًا لمنحي هَذهِ الفرصة!”
قالت ذلك وهي تبتسم ابتسامةً خفيفةً وقد احمرّ وجهها من الفرح.
‘فرصة، هاه.’
لا أدري أأصفها بالبراءة أم ماذا.
فمنذ البداية كانت الدوقيّة بحاجةٍ إلى تلك المرأة.
فمجرّد قدرتها على صنع مرهمٍ يعالج دَمَ التنين يكفي لأنْ يجعلها مفيدةً له بأيِّ شكلٍ كان، مهما تكن هُويّتُها الحقيقية.
وحتّى لو كانت جاسوسةً أرسلها طرفٌ آخر، لكان سيجد طريقةً لإبقائها هنا على أيِّ حال.
بل إنَّ مثل هذا العرض كان مرحَّبًا به بالنسبة إليه.
أخرج كاين ورقةً من جيبه وبدأ يكتب العقد بسرعة.
لكنّها لم تكن ورقةً عاديّة، بل لفافة عقدٍ سُحريّة تسكنها المانا.
“دعينا نؤكّد الأمر مرّةً أخرى. ما الشروط التي تريدينها؟”
“أرجو أنْ تحموا مرشَّحةَ القدّيسة وكذلك أنا بوصفِي حارستَها. وفي المقابل سأعالج مرضَ تاموتار الذي يعانيه السيّد جايدن.”
“حسنًا، سيتمّ ذلك. لكن لديَّ شرطًا إضافيًّا.”
“وما هو…؟”
“ألم يكن هذا في الأصل مقابلةَ عمل؟ لقد نجحتِ في المقابلة. لذلك، ليس عليكِ مجرّد معالجة مرض تاموتار فحسب، بل ستعملين أيضًا صيدلانيّةً خاصّة لجايدن طوال مدّة العقد.”
اتّسعت عينا المرأة.
وكان بريقُ عينيها الواسعتين أشبه بلون براعمٍ خضراء.
“أه، هل هذا مسموح فعلًا؟ كنتُ أظنّ أنَّك ما زلتَ تشكّ بي… ماذا لو كنتُ جاسوسةً حقًّا واستعملتُ دواءً غريبًا؟”
يبدو أنّها تدرك بنفسها كم تبدو مُريبة.
لقد كان إدراكُها لذاتها موضوعيًّا على نحوٍ مدهش.
رفع كاين زاوية فمه قليلًا دون أنْ يشعر.
“أنا من النوع الذي يُفضِّل إبقاءَ ما يثير الشكّ قريبًا منه ليراقبه.”
“إذا كان الأمر كذلك… فلا بأس! أوافق على الشرط.”
أخيرًا اكتملت جميع بنود العقد.
وضع كاين القلم، ثم خلع القفّاز الذي كان يرتديه.
“أعطيني يدك.”
كأنّها أدركت المعنى، فأومأت المرأة برأسها ومدّت يدها الناعمة.
أمسك كاين يدها دون تردّد، ثم أدخل أصابعه بين أصابعها وشبكهما معًا.
التفّت أصابعها البيضاء الطويلة حول أصابعه بلا حذر.
والتصق الجلد بالجلد التصاقًا كاملًا.
أحم… أحم!
تنحنحت فيولا بخجلٍ كما لو أنّها شعرت بالحرج.
مع أنّها قبل لحظات أمسكت بيد رجلٍ غريب بلا تردّد أثناء علاجه.
وها هي الآن تخجل في مثل هذا الموقف.
ربّما لم تكن تجهل الحياء تمامًا، بل كان لها معيارها الخاص.
وبدا أنّها لم تعد تحتمل هذا الوضع، فمالت برأسها قليلًا لتتجنّب النظر إليه.
ولسببٍ ما لم يَرُق ذلك لكاين، فأمسك ذقنها برفق وجعلها تنظر إليه.
“انظري جيّدًا. أليس هذا ما كنتِ تريدينه؟”
“آه… نَعَم….”
عندها فقط التقت عيناها الخضراوان بنظره مباشرة.
ومع بقاء يديهما متشابكتين، أمسك الاثنان بالعقد في الوقت نفسه، فبدأ ضوءٌ غريب يتسرّب ببطء داخل اللفافة.
كان ذلك دليلًا على أنّ العقد قد أُبرِم بالفعل.
فعلى خلاف العقود العاديّة، فإنَّ استخدام لفافة العقد يمنحها قوّةً إلزاميّة.
إذ إنَّ خرق أيٍّ من الطرفين للشروط سيؤدّي إلى عقوبةٍ بفعل المانا الكامنة في اللفافة.
“إذًا… هل انتهت إجراءات العقد بهذا؟”
“كما ترين.”
سحبت يدها بحذر.
“هل أجلب مرشَّحة القدّيسة فورًا؟ لقد تركتُها في منزل صديقة.”
“احتياطًا، سأرسل معكِ فارسًا وعربة.”
“شكرًا جزيلًا! إذًا سأنطلق حالًا!”
انحنت فيولا تحيّةً، ثم أسرعت تجمع أمتعتها استعدادًا للخروج.
لكنّها توقّفت فجأةً كأنّها تذكّرت شيئًا.
“أم… كنتُ متردّدةً في قول هذا.”
استدارت نحوه فجأة، ثم انحنت بزاويةٍ قائمة كما فعلت عند التحيّة الأولى.
“أشكرك حقًّا على ما فعلتَه بالأمس…!”
“ماذا؟”
خرج السؤال من فمه دون شعور.
“ذلك الرجل الذي قابلتُه بالأمس… كان سموّ الدوق، أليس كذلك؟ في الحقيقة استغربتُ الأمر. كيف ظهر منصبُ صيدلانيٍّ بهذه الدقّة في اللحظة التي أحتاج فيها إليه؟”
رفعت المرأة جسدها قليلًا وهي تبتسم ابتسامةً خفيفة.
وفي الوقت نفسه لفت نظره يدُها البيضاء وهي تزيح خصلة شعرٍ انزلقت خلف أذنها.
“بفضل الفرصة التي منحتَني إيّاها استطعتُ تحقيق ما كنتُ أريده. أشكرك مرّةً أخرى.”
شعر كاين بالحيرة من هذا الموقف بأكمله.
‘كيف اكتشفت الأمر؟’
أنَّ ذلك الرجل كان أنا.
لم يكن يحاول إخفاء الأمر عمدًا.
بل إنّه ببساطة لم يجد حاجةً لذكره.
في الأصل كان كاين يستخدم العباءة وعدّة أدواتٍ سحريّة أثناء خروجه، لا ليخفي هُويّتَه، بل من أجل الناس.
فحين لا يدركون من يكون، يقلّ خوفهم منه.
ولهذا ظنّ أنّها لن تكتشف هُويّتَه أبدًا.
فقد استخدم تنكّرًا، بل واستعمل أداةً سحريّة تمنع الآخرين من تذكّر ملامح وجهه.
ولم يكن أحدٌ قادرًا على مقاومة تأثير تلك الأداة إلا ساحرًا بارعًا.
ومع ذلك لم يشعر بأيّ أثرٍ للمانا.
“كيف عرفتِ أنَّه أنا؟”
لكن جواب المرأة كان غير معقول.
“اليد.”
“ماذا؟”
“مم… لقد ظننتُها رائعة.”
ابتسمت فيولا ابتسامةً محرجة وهي تحكّ خدّها.
“أنا لا أجيد سوى تقليم الأعشاب الطبيّة… لذلك كانت تلك أوّل مرّة أرى فيها يدًا مثل يد فارسٍ رائع.”
“لم أكن أتخيّل قطّ أنّها يد الدوق.”
قالت ذلك بصوتٍ مرتبك.
“على أيّ حال، أتطلّع للعمل معك من الآن فصاعدًا!”
وبعد كلماتها الأخيرة غادرت فيولا غرفة الاستقبال بخفّة.
وعلى خلافها، ظلّ كاين واقفًا في مكانه متجمّدًا.
وبعد وقتٍ طويل فقط خفَض نظره إلى يده.
لم تكن سوى يدٍ مليئةٍ بالندوب الخشنة، ومغطّاةٍ بالمسامير القاسية.
—
خرجتُ من غرفة الاستقبال متظاهرةً بالهدوء، لكنّي سرعان ما انهرتُ وجلسـتُ على الأرض.
هاه… ظننتُ أنّني سأموت من شدّة التوتّر.
‘لكن الخطة نجحت على أيّ حال. إذا استمرّ الأمر هكذا فلن يكون هناك ما يدعو للقلق كثيرًا.’
كان من الجيّد أنّني استعجلتُ قبل أنْ يحدث ‘ذلك الأمر’.
فبحسب القصة الأصلية، سيصل المعبد بعد بضعة أشهر إلى صنع أثرٍ مقدّسٍ صناعيٍّ جديد.
أداة تستطيع اكتشاف الكائنات التي تمتلك قوّةً مقدّسة قويّة.
في الحقيقة يمتلك الكهنة قوّةً مقدّسة، لكنهم لا يملكون القدرة على إدراك قوّة الآخرين.
ولهذا صنعوا ذلك الأثر صناعيًّا للعثور على القدّيسة.
‘في القصة الأصلية، موتي كان بسبب ذلك الأثر تقريبًا.’
فميلودي التي كانت تعيش بسلامٍ معي في قريةٍ هادئة انكشف أمرها بسبب ذلك الأثر.
وبمجرّد أنْ تذكّرتُ القصة الأصلية شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في ظهري.
لو بقيتُ مكتوفة اليدين فسأموت بالطريقة نفسها.
لكن الآن لا داعي للقلق.
فالكثير من الأمور تغيّر مقارنةً بالقصة الأصلية.
ومع ذلك…
‘لم أتخيّل أبدًا أنَّ ذلك الفارس كان كاين نفسه.’
لقد كانت هُويّةً لم تخطر لي على بال.
حتّى أثناء حديثي معه لم أكتشف الأمر.
‘لابدّ أنّه استخدم أداةً سحريّة.’
فالعالم مليءٌ بالأدوات السحريّة المختلفة.
وإنْ كان ذلك مجالًا لا أعرف عنه الكثير بسبب أسعارها الخياليّة…
‘لقد خُدعتُ تمامًا.’
في الحقيقة كنتُ أشعر بشيءٍ غريب طوال الوقت.
إعلان توظيفٍ ظهر في توقيتٍ مثالي.
مقابلة سهلة على نحوٍ مريب، وكأنّ المنصب محجوزٌ لي.
بل إنَّ من أجرى المقابلة كان الدوق نفسه.
‘يصعب تفسير الأمر بمجرّد الحظ.’
وفوق ذلك كان يعتريني إحساسٌ مألوف.
كأنّني التقيتُ به من قبل في مكانٍ ما.
لكنّني لم أكن واثقة…
إلى أنْ رأيتُ يد كاين.
حينها فقط أدركتُ الأمر أخيرًا.
عروقٌ بارزةٌ بوضوح فوق ظهر اليد.
وأصابع طويلة ممتدّة بانسياب.
ورغم جمال شكلها، كانت البشرة مليئةً بالندوب والمسامير.
‘قيل إنَّ دم التنين يملك قدرة شفاءٍ مذهلة، فلا تظلّ الندوب عادة.’
لكن رغم ذلك بقيت تلك الندوب واضحة.
وهذا يعني…
أنّه كان يرهق جسده أكثر ممّا ينبغي.
لم يمنح جروحه وقتًا لتلتئم.
كأنّه يعامل جسده أداةً لا حياة فيها.
‘حسنًا… هو شخص لم يهتمّ حتى بدم الوحوش حين تلطّخ به.’
شعرتُ أنّني أفهم قليلًا الطريق الذي سار فيه.
كنتُ ما أزال واقفةً شاردةً في الممر حين سمعتُ صوتًا يناديني.
“هل أنتِ الآنسة فيولا؟”
“آه، نعم!”
كان غريبًا قليلًا أنْ أُدعى الآنسة فيولا.
فمنذ أنْ بدأتُ تربية ميلودي لم أسمع هذا اللقب.
لكن قبل أنْ أصحّح الأمر اقترب الفرسان منّي.
توجّهنا فورًا إلى منزل كاثرين وأخذنا ميلودي.
ثم عدنا إلى قصر الدوق.
“أوو…”
بدت ميلودي خائفة قليلًا من المكان الجديد.
“لا داعي للخوف. هذا هو المكان الذي سنعيش فيه من الآن فصاعدًا.”
“أوو؟”
“هيا، يجب أنْ تحيّي سموّ الدوق.”
دقّ قلبي بقوّة.
رغم تغيّر الكثير من الأمور، كان الوضع مشابهًا لبداية القصة الأصلية.
وأخيرًا ستلتقي البطلة ووالدُ قصّة التربية.
وعلى خلاف القصة الأصلية القاسية، أعجبني هذا الجوّ الهادئ.
دارت ميلودي بعينيها قليلًا، ثم انحنت تحيّةً، لكن ذلك كان كلّ شيء.
إذ سرعان ما اندفعت نحوي وهي تتذمّر.
“أمّاه!”
“قلتُ إنَّه لا بأس. يا لكِ من جبانة.”
“أوو… أمّاه.”
وما إنْ مازحتُها قليلًا حتّى ارتخت شفتاها المتصلّبتان.
لكن في تلك اللحظة…
توقّف كاين الذي كان يقترب نحونا فجأة.
“…أمّ؟”
“نعم؟ ماذا قلتَ…؟”
“مرشَّحة القدّيسة…
أهي ابنتكِ؟”
“آه، نعم!”
“ليست أختكِ… بل ابنتكِ؟”
رغم أنّ وجهه كان خاليًا من التعبير، بدا في عيني كاين ارتباكٌ واضح.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"