5
شهقتُ دون وعيٍ حين ضغطت عليَّ هالةُ دم التنين الثقيلة.
يُقال إن الإنسان العادي يعجز حتى عن التجرؤ على التقاء عينيه بعينيه.
ويبدو أن وصف الرواية الأصلية لم يكن مبالغًا فيه قط.
‘لم أتوقع أن ألتقي كاين بهذه الطريقة.’
وعلى عكس رأسي الذي تجمّد من شدة التوتر، أدّى جسدي المهمة التي تدربت عليها في ذهني مرارًا وتكرارًا بدقةٍ تامة.
“يشرفني لقاؤك، سموّ الدوق……!”
“أتعرفينني؟”
اخترق أذني صوته العميق الثقيل، الحلو على نحوٍ غريب، فرفعت رأسي قليلًا فقط لأواجهه.
‘لكن…….’
كان وسيمًا حقًا.
حتى لولا دم التنين، فبذلك الجمال غير الواقعي يبدو أن لا أحد يستطيع التقاء عينيهِ فقط.
على ذكر ذلك، أشعر أنني رأيتُ وسيمًا كهذا مؤخرًا أيضًا. أم أنني أتوهم؟
لكن ليس هذا وقت التفكير في مثل هذه الأمور. سارعت بالإجابة عن سؤاله.
“أظن… أظن أن من لا يعرفكَ أقل عددًا……!”
من شدة توتري تفوهت بكلامٍ أحمق، لكن لحسن الحظ لم يجعل الدوق منه مشكلة.
“اجلسي أولًا.”
“نـ-نعم!”
أومأ كاين بخفة وجلس على الأريكة المقابلة. جلست أنا أيضًا بترددٍ في مواجهته، لكن بصراحة لم أشعر بواقعية الموقف.
‘أنا في الأصل جئتُ لأقابل كاين، فلا بأس… لكن لماذا؟’
كان ثمة شيءٌ مريب، فلا يمكن اعتبار الأمر مجرد حظ. أشبه ما يكون بحضور رئيس مجلس الإدارة لمقابلة موظفٍ مبتدئ.
تظاهرتُ بالنظر إلى الطاولة وألقيت نظرةً خاطفة عليه.
جلس كاين واضعًا ساقًا على أخرى، يتصفح الوثائق بنظرةٍ بطيئة. وهكذا بدأت المقابلة فورًا.
“أرى أن سيرتك الذاتية بسيطةٌ للغاية. لا يوجد سجل دراسي في الأكاديمية. هل كان لديكِ معلّم؟”
آه. بدأ بضربةٍ مباشرة منذ البداية.
“تعلّمتُ… بنفسي!”
“بنفسكِ؟”
ضاقت عيناه قليلًا، وكان الشك واضحًا فيهما.
أتفهم شكه، لكن حتى لو شكّ فلن يجد شيئًا…… لأنه الحقيقة.
تذكرتُ مقولة الأسلاف: حتى إن اعوجّ الفم، فليستقم القول، فجمعتُ شجاعتي وقلت:
“نعم…… لم تتح لي فرصة التعلم لأسبابٍ خاصة.”
لم يكن علم الصيدلة سهل المنال. عادةً ما يُتعلَّم بالتدرّب على يد معلم أو في الأكاديمية، ثم يُخضع المرء لامتحانٍ وطني لإثبات أهليته.
لكنني تخطيتُ المرحلة الأولى.
‘بل في الحقيقة، حُرمتُ من فرصة التعلم في بيت الماركيز…….’
“همم.”
ولحسن الحظ، لم يتعمق كاين أكثر. اكتفى بطرح بعض الأسئلة البسيطة بعدها.
مسحتُ يدي المتعرقتين بطرف تنورتي خلسةً وأجبت بإخلاص. كانت الأسئلة في معظمها عن مهارات العلاج وعلم الأعشاب، ولم تكن صعبة.
وبعد قليل.
طَق.
وضع كاين الوثائق على الطاولة.
“لننهِ المقابلة عند هذا الحد.”
آه. كانت جملةً لا تختلف عن إعلان النتيجة. أغمضتُ عينيّ بإحكام.
‘سقطتُ، أليس كذلك؟’
فهي مقابلة في بيت دوق، لا يمكن أن تنتهي بهذه السهولة. لا بد أنني رُفضت، لذا أنهاها سريعًا.
مؤسف، لكن لا بأس.
فهدفي لم يكن الوظيفة أصلًا.
‘حسنًا، بما أن المقابلة انتهت… حان وقت التصريح بالهدف الحقيقي!’
تنفستُ بعمق لأخفف توتري.
“أود أن تباشري العمل ابتداءً من الغد.”
“نعم؟”
“تم قبولكِ.”
“أنا……؟”
لماذا……؟
نظرتُ إليه بوجهٍ أبله وأشرتُ إلى نفسي.
أنا… لم أُرِه شيئًا بعد……؟
لكن قبل أن أستوعب الأمر، أخرج كاين قلمًا ووقّع على الأوراق بسرعة.
“وسيكون هذا مقدار الراتب.”
اتسعت عيناي تلقائيًا حين رأيت الرقم الكبير غير المتوقع.
“أم…… هذا يعني الراتب الشهري؟”
“أسبوعي. أم تفضلين الشهري؟”
لم أستطع منع شهقتي. سمعتُ أن بيت دوق آشلرن مكانٌ جيد للعمل، لكن هذا يفوق التوقعات.
‘واو. لهذا يقولون إن العمل في بيوت كبار النبلاء نعمة.’
كم هذا المبلغ؟
بهذا المال يمكنني أن أبدّل لـ ميلودي ثيابًا جديدة كل يوم، وأكدّس لها الماكرون الفاخر كبرجٍ عالٍ، وأيضًا……
حاولتُ تخيل أشياء أخرى، لكن أفكاري نفدت سريعًا. يبدو أن من اعتاد المال هو من يعرف كيف ينفقه.
على أي حال، كان مبلغًا مغريًا.
لكن……
“لا، الراتب لا بأس به. بل إنني…….”
لا بأس يا فيولا، تستطيعين!
فكّري في ميلودي الصغيرة التي تنتظرك كأرنبٍ لطيف……!
خفق قلبي بعنف.
شدّدتُ عزيمتي مئات المرات في داخلي، ثم فتحتُ فمي الثقيل من جديد.
“قبل أن أتكلم، أرجو منك سحب الآخرين من هنا…….”
مال كاين رأسه قليلًا، وقد بدا عليه شيءٌ من الدهشة. تشقق الجمود على وجهه الشبيه بالتمثال قليلًا.
“إن كنتِ تحاولين إثارة اهتمامي، فقد نجحتِ.”
قال بصوتٍ منخفض، ثم أشار إلى الخدم.
وفي لحظة، لم يبقَ في غرفة الاستقبال سواه وسواي.
أشار إليّ بذقنه وكأنه يقول: هاتِ ما عندك.
جفّ حلقي تمامًا.
لا أعلم كيف سيكون مصيري بعد أن أنطق بهذا الكلام. إنه سرٌّ من أسرار الدوقية، وقد يهدد حياتي.
لكن إن لم أبادر، فلن أستطيع عرض العقد.
راجعتُ خطتي للمرة الأخيرة، ثم قبضتُ يدي بقوة.
“أود إعادة اقتراح الشروط.”
“…….”
“سأعالج مرض تاموتار الذي يعاني منه سمو الأمير جايدن، ابن أخيكَ. وفي المقابل، أرجو أن تحمي المرشحة الصغيرة للقديسة.”
هاه.
انطلق ضحكٌ قصير كسر الصمت. وبرَدَت نظرة كاين التي كانت تحمل قدرًا ضئيلًا من الاهتمام، حتى صارت كالجليد.
“أكنتِ جاسوسة؟”
لا… لست كذلك؟
كان لدى كاين آشلرن ابنا أخ: نواه وجايدن.
طفلان تركهما أخوه وزوجته بعد أن توفيا في حادثٍ مفاجئ.
قد يكون الآن دوقًا، لكن قبل سنواتٍ قليلة لم يكن يتوقع أن يعيش مثل هذه الحياة.
فهو من بين سلالة آشلرن المباشرة، ورث دم التنين بكثافةٍ غير معتادة.
وجوده وحده كان كافيًا لإخافة الناس.
لذلك، منذ صغره، اختار أن يجوب أرجاء الإمبراطورية ويقاتل الوحوش بدل أن يبقى في القصر.
لكن حين مات أخوه الوريث، ثم لحقهُ والده فجأة، انقلبت الأمور بين ليلةٍ وضحاها.
لقب الدوق الذي حمله فجأة. وطفلان صغيران لا وصيّ لهما سواهُ.
لم يكن أيٌّ من ذلك ما تمناه، لكنه أدّى واجبه بصمت.
كان يقضي على موجات الوحوش التي تضرب أنحاء الإمبراطورية يوميًا، ويحمي بذلك الدوقية والإمبراطورية معًا.
كان الناس يخشون الحاكم القوي، لكنهم كانوا يجلّونه أيضًا.
إلا أن ابني أخيه لم يكونا بالأمر السهل.
بصراحة، لم يكن يشعر بالارتياح لا مع نواه ولا مع جايدن.
فهو بطبعه لا يُجيد التعامل مع الأطفال. ومن الطبيعي ألا يرتاح لمن يبكي أو يهرب لمجرد الاقتراب منه.
ومع ذلك، حاول قدر استطاعته. ربما لم يكن أفضل الأوصياء، لكنه بذل ما بوسعه.
رغم انشغاله الدائم بحملات إبادة الوحوش، حتى إن قدميه بالكاد تطآن القصر.
وبمرور الوقت، كبر الطفلان قليلًا.
ولا يزالان يخافانه كعمٍّ لهما……
‘لا بأس.’
اعتاد نظرات الخوف تلك. بل إن عدمها كان هو الغريب.
لذلك ربما……
أزعجته هذه المرأة التي أمامه.
“تسك! اثبت قليلًا.”
حين كانت تحدّق فيه بنظرةٍ صارمة وكأنها تؤنب طفلًا، كم كان الأمر مستفزًا.
لقد أدخلها القصر بحجة المرهم، لكن ربما كانت مجرد ذريعة.
فمنذ البداية، كان مهتمًا بها.
‘صيدليّة بقدرات كهذه نادرة.’
ولعل لهذا السبب، حتى بعد عودته إلى القصر، ظل شعرها الوردي الناعم يلوح في ذهنه.
لكن لم يتخيل قط أنها ستجذب اهتمامه مجددًا بهذه الطريقة.
أن تتجرأ وتذكر مرض جايدن.
“جواسيس هذه الأيام لا يعرفون الخوف. يجرؤون على تقديم عرض كهذا أمامي.”
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه.
“إذًا، من أين سمعتِ؟”
“نـ-نعم……؟”
“من أرسلكِ؟”
اتسعت عيناها.
حين اقترحت الصفقة كانت جريئة، أما الآن فبدت مسحوقة تمامًا تحت ضغط هالته، وارتجف جسدها بوضوح.
شحُب لون شفتيها الورديتين.
“لـ-لست كذلك إطلاقًا…….”
“لستِ كذلك؟”
“أجل…….”
حتى وهي مقموعة تحت ضغطه، فتحت فمها بصعوبة.
ابتسم كاين بسخرية.
‘كذبة بلا إخلاص.’
فإصابة جايدن بمرض تاموتار كانت سرًا أخفاه بعناية.
فهو نقطة ضعفٍ قاتلة، لذلك كتمه تمامًا.
لا يمكن لشخصٍ عادي أن يعرف. لا بد أنها جاسوسة مرسلة من جهةٍ ما.
‘هل من المعبد؟ أم من القصر الإمبراطوري؟’
لكن هذه ليست طريقة الإمبراطور.
ومع ذلك، لا يفسر الأمر سوى قوةٍ بتلك الدرجة.
ورغم تفكيره، لم تُبدِ المرأة نيةً للاعتراف.
“أنا حقًا لست كذلك!”
ظلت ترتجف وتنفي فقط.
“وهل يكفي أن تنكري في موقفٍ كهذا؟”
اقترب خطوة، فشهقت.
“لمَ لا تزعمين أنكِ اكتشفتِه بنفسك؟”
قالها كتحذير.
انحنت برأسها.
هل ستبكي؟ لقد صمدت حتى الآن بشجاعة.
لكن في تلك اللحظة بالذات—
“نعم! هذا صحيح! هذا ما حدث!”
“ماذا؟”
تجهمت ملامحه عند صوتها المفاجئ المشرق.
“كما قلت تمامًا! لقد… استنتجتُه!”
رفعت رأسها فجأة ونظرت إليه.
رغم ارتجاف جسدها تحت ضغطه، كانت عيناها النابتتان كبرعمٍ صغير صادقتين مستقيمتين بلا تردد.
التعليقات لهذا الفصل " 5"