4
“انشر إعلانًا. نبحث عن مُعالج.”
“نعم، سموّكَ.”
رغم دهشته من كلمات كاين المفاجئة، أجاب كونراد فورًا. فمنذ البداية، كان من الصعب أحيانًا فهم ما يدور في ذهن سيده.
“وأيضًا…….”
توقّف كاين لحظة، على غير عادته، وكأنه يفكر بجدية. ثم قال أخيرًا:
“إذا زارت القصرَ امرأةٌ ذات شعرٍ وردي، فأبلغني فورًا.”
“أمرك. هل من سماتٍ أخرى؟”
“حسنًا… شعرها منفوش…….”
منفوش؟ ارتاب كونراد من أذنيه للحظة. لم يتوقع قط أن تخرج من فم كاين كلمةٌ بهذه النبرة اللطيفة.
لكن كاين لم يكن في مزاج يسمح له بالاهتمام بما قد يفكر فيه مساعده.
كان يشعر بانقباضٍ غريب في ذهنه. كلما استحضر وجهها، كاد يتذكر شيئًا ثم يتلاشى.
سنجاب؟ تشبهه قليلًا… لا، بل أكثر نعومةً وزغبًا منهُ……
“سنجابة؟”
“نعم؟”
همهم كاين برضا. أخيرًا أدرك مصدر الإحساس المألوف.
خصلات شعرها الناعمة المتموجة قليلًا تشبه ذيل سنجاب.
‘وحتى ملامحها…….’
تذكر كيف فتحت عينيها المستديرتين ووبّخته كما لو كان طفلًا، غير عالمةٍ بهويته.
امرأةٌ عجيبة فعلًا. ارتفعت زاوية فمه بابتسامةٍ خفيفة.
“تشبه السنجاب.”
ولا أثر للخوف فيها.
“عفوًا؟”
سنجاب؟ بدا كونراد أكثر حيرة. حاول أن يتخيل سنجابًا بشعرٍ وردي، لكنه ازداد ضياعًا.
أما كاين، فاكتفى بالمضيّ في طريقه دون شرحٍ إضافي. تصرّفٌ يليق بصاحب دم التنين البارد.
في اليوم التالي.
“هاه؟ إذًا كان كلامه صحيحًا؟”
فركتُ عينيّ وأنا أحدق في الإعلان المعلّق على جدارٍ مغطى باللبلاب.
[تعلن دوقية آشلِن عن حاجتها إلى مُعالجٍ كفء للعمل في القصر.]
لم يكن موجودًا بالأمس، لكنه ظهر بين ليلةٍ وضحاها. تمامًا كما قال الرجل.
‘ما دمتُ أستوفي الشروط، فلا سبب يمنعني من التقديم.’
وبينما كنت أقرأ التفاصيل بعناية، شهقت كاثرين بجانبي.
“ماذا؟ عائلة الدوق تطلب موظفين؟! أعيش هنا منذ عشر سنوات ولم أرَ إعلانًا كهذا قط!”
كاثرين صديقة تعرفتُ إليها في القرية. هي من مواليد هيرون، وتزور والدتها أحيانًا، ونحنُ مُتقاربين في العمر فصرنا صديقتين.
“حتى خطاب التوصية غير مطلوب؟ يبدو أنهم مستعجلون جدًا.”
“حقًا؟ هل استقال أحدهم فجأة؟”
حتى بالنسبة لي كان الأمر غريبًا. فالعائلات النبيلة عادةً لا توظف حتى خادمةً دون تدقيقٍ صارم في الخلفية.
فكيف بمُعالجٍ خاص؟
‘بهذا الشكل… أستطيع أنا أيضًا التقديم.’
في الإمبراطورية يوجد اختبار ترخيص للمُعالجين، يقيّم مهارات العلاج الأساسية وتحضير الأدوية.
بعد اجتيازه يمكن للمرء أن يصبح طبيبًا يعالج المرضى مباشرة، أو صيدلانيًا يتعمق في علم الدواء مثلي.
‘غالبًا يختارون الطب، لكنني ما زلتُ مُعالجة في النهاية.’
صفقت كاثرين فجأة ونظرت إليّ بعينين متحمستين.
“رائع! ستتقدمين، أليس كذلك؟ قلتِ إنك تبحثين عن عمل.”
“سأتقدم، لكن لا ترفعي سقف توقعاتك. بصراحة، من الصعب القبول.”
فهذا منصب المُعالج الخاص لقصر الدوق. وخبرتي ليست طويلة جدًا.
لكنني لم أحبط.
‘لا يهم!’
هدفي الحقيقي ليس الوظيفة، بل فرصة لقاء كاين. إن رُفضتُ فلن أخسر شيئًا.
غير أن كاثرين فهمتني خطأ، وربتت على ظهري.
“بمهارتكِ ستُقبلين بالتأكيد! نسيتِ كيف عالجتِ مرض أمي العام الماضي؟”
“لم يكن مرضًا خطيرًا أصلًا. كان بإمكان أي أحد علاجه.”
هزت رأسها بيأس.
“آه… هكذا هم العباقرة. تواضعهم جريمة.”
حتى ميلودي الصغيرة هزت رأسها تقليدًا لها.
“أليس كذلك يا ميلودي؟ أمكِ مذهلة، صحيح؟”
“ووو!”
نفخت ميلودي صدرها بفخر، كأنها هي من نالت المديح.
ضحكتُ دون قصد، فدفعتني كاثرين نحو الطريق.
“ليس وقت الضحك. سأعتني بميلودي، اذهبي وقدمي الآن.”
“الآن؟”
“الوظائف الجيدة تجذب الزحام. لا تستهيني ببطالة المدينة.”
“ووو!”
وكأنها تفهم معنى البطالة، أومأت ميلودي بجدية.
بعد قليل، كنتُ في طريقي إلى قصر آشلِن، حاملةً أوراقي.
‘حقًا، التوقيت مثالي.’
عائلة آشلِن لا تحتاج عادةً إلى صيدلاني أو طبيب، فدم التنين يمنحهم قدرة شفاء استثنائية.
لكنهم ليسوا محصنين تمامًا.
‘بل يعانون أحيانًا من أمراضٍ خاصة بهم.’
ومع ذلك، لم أتخيل أبدًا إعلانًا كهذا.
‘أنا محظوظة حقًا.’
بفضل ذلك الرجل الذي أخبرني مسبقًا.
‘يا ترى من يكون؟’
لو كان مجرد صياد وحوش عادي، لما عرف شؤون القصر.
إذًا… ربما فارس؟
فرسان التنين الفضي التابعون للدوقية مشهورون بإبادة الوحوش في أنحاء الإمبراطورية.
لكن…
“هاه؟”
لماذا لا أستطيع تذكر وجهه؟
كان مميزًا جدًا، ومع ذلك يبدو الآن كأنه خلف ضباب. حتى صوته لا أذكره.
“هل كنتُ متوترة؟”
لا… الأمر أغرب من ذلك.
وبينما كنتُ أفكر، وصلتُ دون أن أشعر.
“واو.”
ما أمامي لم يكن مجرد قصر، بل حصنٌ مهيب.
واجهته العريقة فخمة، لكنها تبعث رهبةً تخنق الأنفاس. والحراس عند البوابة الحديدية زادوا توتري.
‘لكن لا مجال للتراجع.’
شدّدت قبضتيّ وتقدمت.
“مـ-مرحبًا! جئتُ للتقديم على وظيفة المُعالج!”
كانت نظرات الحراس حادة. شعرتُ وكأنني ارتكبتُ جرمًا.
همس أحدهما للآخر:
“أظنها هي.”
“بالتأكيد.”
هاه؟ هل فعلتُ شيئًا؟
وقبل أن يزداد قلقي، قال أحدهم بأدب:
“تفضلي بالانتظار قليلًا. سنستدعي من يرافقكِ.”
تنفستُ الصعداء.
بعد لحظات، سمعته يقول:
“أبلغوا السيد كونراد بسرعة. السنجابة… نعم، قولوا إن الآنسة السنجابة وصلت.”
“سنجابة؟”
“هذا أمر الدوق!”
سنجابة؟!
أخذتُ نفسًا عميقًا مرارًا.
قادني خادم عبر ممراتٍ طويلة حتى غرفة استقبال فاخرة.
“سيأتي المُحاوِر قريبًا. تفضلي بالراحة.”
‘يجب أن أكون في أفضل حالاتي… من سيأتي؟’
لو كان أحد المقربين من الدوق، لكان طلبي مقابلته أسهل…
كنتُ أراجع في ذهني سيناريو المقابلة حين فُتح الباب.
تجمّدتُ في مكاني.
لم أتخيل أبدًا أن يأتي هذا الشخص تحديدًا.
شعرٌ فضيٌّ لامع كخيوط الحرير، وعينان حمراوان بلون الدم تحت جبينٍ بارد الملامح.
وجهه جميل… لكنه غير بشري حدَّ القشعريرة.
عرفته فورًا.
‘لا شك.’
كاين آشلِن.
الرجل الذي يصبح والد ميلودي في الرواية الأصلية.
ولسببٍ ما… حضر البطل بنفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 4"