تَطلّعَ جايدن نَحوَ مَصدرِ الصّوتِ بَعدَ تلكَ الكلماتِ غيرِ المتوقّعة. المرأةُ التي ظنَّها ذَهبت لِتتلقّى العلاجَ كانت لا تزالُ واقفةً هناكَ لسببٍ ما.
“ماذا؟”
“لقد كان السيدُ الصغيرُ يحاولُ الإمساكَ بي. أنا مَن تعثّرتُ فحسب.”
بصوتٍ لم تَهتزَّ نبرتُه، كانت تلكَ المرأةُ تَحميِه لسببٍ لا يدركه.
لم يكن جايدن وحدَه مَن شَعرَ بالارتباكِ جَرّاءَ كذبةِ فيولا.
تَوقّفَ كاين عن الحركةِ هو الآخرُ جَرّاءَ هذا القولِ المباغت.
‘… لماذا؟’
لماذا تَنطقُ بكذبةٍ كهذهِ؟ رُغمَ أنَّ كلَّ شيءٍ كان جليًّا أمامَ الأعيُن.
حتى وإنْ لم يَكن مَوجودًا في الغُرفةِ منذُ البداية، فذلكَ لا يَعني أنَّه يجهلُ ما حدث.
لقد دَفعَ جايدن فيولا.
سواءٌ أكانَ خَطأً ناتجًا عن ذُعرٍ لَحْظيٍّ، أم فِعلًا مَشوبًا بسوءِ نيّة، لم يَعُدِ الأمرُ ذا أهميّة.
في نهايةِ المَطاف، جايدن هو مَن حطّمَ الفازة، وهو مَن تسبّبَ في سُقوطِ فيولا فوقَ شظاياها.
والمسؤوليّةُ عن تركِ جايدن يَتصرّفُ هكذا تَقَعُ على عاتقِهِ هو بصفتهِ وليَّ أمرِه.
كان كاين عازمًا على تَقويمِ شَخصيّةِ جايدن مَهما كَلّفَ الثّمن. فحادثةٌ واحدةٌ كهذهِ كانت كافيةً وزِيادة.
لكن، في تِلكَ اللحظةِ تمامًا…
‘ثِقْ بي، أرجوك’.
تفوّهت فيولا بتلكَ الكلماتِ سرًّا بحركةِ شفتيها لِيراها هو وحدَه، ثم ابتسمتْ برِقّة.
تعبيرٌ يفيضُ بالهدوءِ والحنان، لدرجةِ أنَّه لا يُوحي أبدًا بأنَّها شَخصٌ مُصاب.
رُغمَ الدماءِ التي تَنزفُ من ذراعِها، كانت تبتسمُ بلُطفٍ وكأنَّها لا تَحملُ ذَرّةَ غَضبٍ تجاهَ جايدن.
ازدادَ عجزُهُ عن الفهم. كيفَ تَحمي غريبًا التقتهُ اليومَ للمرّةِ الأولى، لدرجةِ المُخاطرةِ بجسدِها؟
تَراجعَ هدوءُ كاين المُرعِبُ تِلقائيًّا. وبَدأ لونُ وجهِ جايدن الشاحبُ يعودُ لطبيعتِهِ تدريجيًّا.
قالت ثانيةً بحركةِ شفتيها:
‘شكرًا لك’.
تَقوّستْ عيناها، اللتان تُشبهانِ البراعمَ الغضّة، بجمالٍ وهي تَنظرُ إليه.
لم يكن هذا ما يَنوي فِعلَه، لكنَّه شَعرَ بالفضولِ تجاهَ ما ستفعلهُ. وبدونَ أن يَشعر، وَجَدَ كاين نفسَه يَتغاضى عن تَصرّفِها.
وكذلكَ كان حالُ جايدن.
“سيدي الصغير. المكانُ هُنا خَطرٌ، فهل تتكرّمُ بالمجيءِ إلى هُنا؟”
رُغمَ حَذَرِهِ، انصاعَ جايدن لِكلماتِها بهدوء. بَدا وديعًا لدرجةِ أنَّه لا يُمكنُ تَصوّرُ أنَّه الطفلُ نفسُه الذي كان يَفتعلُ الشغبَ قَبلَ قليل.
“سِيادةَ الدوق، أعتقدُ أنَّ السيدَ الصغيرَ يحتاجُ لِلعلاجِ أولاً. هل يمكنكَ الانتظارُ في مَكانٍ آخَرَ لِلحظة؟ والسيد كونراد أيضًا.”
بصوتٍ ناعمٍ وكأنَّهما تَعرضا لِسِحرٍ ما، خَرجَ كاين وكونراد من الغرفةِ بشكلٍ طبيعيّ.
ثم أُغلقَ البابُ بَعدَهما بـ ‘صوتِ صريرٍ خفيف’.
“لحظةً واحدةً يا سيدي الصغير. سأقيسُ درجةَ حرارتِكَ أولاً.”
تَردّدَ صَوتُ المرأةِ العذبُ من خلفِ الباب.
وَقفَ كاين أمامَ البابِ شاردَ الذهن.
“…”
“أعتذرُ منكَ يا سِيادةَ الدوق. لقد تَسبّبَ إهمالي في إصابةِ السيدة فيولا.”
“اصمتْ الآن.”
في العادة، لَكانَ قد وَبّخَ كونراد بكلمةٍ حادّة، لكنَّ كلامَه الآن لم يَدخلْ عقلَه حتّى.
كانت ابتسامةُ المرأةِ هي تِلكَ التي تَهيمُ في مُخيّلتِه فحسب.
غادرَ الرواقَ بصُحبةِ كونراد، تَمامًا كما طلبتْ فيولا.
—
رُغمَ أنَّ جايدن انقادَ لِفيولا بهدوء، إلا أنَّ وَخزَ الضميرِ جَعلهُ يَعجزُ عن رَفعِ رأسه.
ما وَقعتْ عليهِ عيناهُ المُنكسرتان هو كُمُّ ثوبِ المرأةِ الأيسر.
كان الكُمُّ مُمزقًا ومُلطخًا بالدماءِ القانية، في تَباينٍ صارخٍ مع هِندامِها المُرتب. كان من الواضحِ أنَّها أُصيبت بجرحٍ بليغٍ حتّى دونَ تدقيق.
“سيدي الصغير، هل تسمحُ لي بتفحّصِ حالتِكَ؟”
“…”
لم يُجبْ جايدن، لكنَّه لم يُبدِ أيَّ مقاومةٍ أيضًا.
وكأنَّها فَهِمَت أنَّ صمتَه يَعني الموافقة، بَدأتْ تَتفحّصُ جسدَه شِبرًا بشِبرٍ وبمنتهى الدّقة. وفجأةً، اتسعتْ عيناها وهي تَنظرُ إلى باطنِ كفّه.
“يا إلهي. كنتُ أخشى هذا. يَبدو أنَّ شظايا الزجاجِ تَناثرتْ فوقَ السجادةِ أيضًا.”
“…”
“إنَّها تؤلمُكَ كثيرًا، أليس كذلك؟ لا تقلق. سأعالجُها لكَ فورًا ولن تَشعرَ بأيِّ وَجع.”
خَفَضتِ المرأةُ رأسَها على الفور، وانهمكتْ في عِلاجِ الجرح.
أزالتِ الشظايا بحذرٍ ثم عَقّمتِ المكان. وَضعتِ المَرهمَ وضَمّدتِ الجرح، ثم رَفعتْ رأسَها أخيراً.
ورَسَمَتِ ابتسامةً رقيقةً على شفتيها في الوقتِ ذاتِه.
“ما رأيك؟ لم تَشعرْ بأيِّ ألمٍ، صَح؟ أنا مُتخصصةٌ في هذهِ الأمور.”
امتزجَ صَوتُها بنبرةٍ من الدُّعابةِ تَتجاوزُ حدودَ الهدوءِ الطبيعيّ.
لم يَستوعبْ جايدن هذا المَشهدَ أبدًا.
فالجرحُ الذي تتحدّثُ عنهُ لم يكن سِوى خَدشٍ تافِهٍ لا يُذكر.
فوقَ كونِهِ مُصابًا بمرضِ “تاموتار”، فهو يَنحدرُ من سُلالةِ دَمِ التنين.
جرحٌ كهذا لا يَعني لهُ شيئًا بطبيعةِ الحال.
بينما هي مَن تَعرضتْ لإصابةٍ أشدّ، بل وأُصيبت بسببهِ هو.
لماذا تبتسمُ هذهِ المرأةُ هكذا؟
شَعَرَ بالوَخزِ في صَدرهِ وكأنَّ قَلبهُ يُعصَرُ كقطعةِ قماشٍ جافة.
لكن، وعلى عَكسِ ما يَشعرُ بهِ قَلبُه، خَرجتْ من فَمِهِ كلماتٌ حادّة:
“هل أنتِ حمقاء؟”
“عفوًا؟”
أمالتِ المرأةُ رأسَها وكأنَّها لم تفهمِ المَقصد.
“لماذا تُساعدينني؟ أنا مَن تَسببتُ في إصابتِكِ. لستِ حتّى حمقاءَ طيّبةَ القلبِ…!”
بينما أنتِ في هذهِ الحالةِ المزرية.
كلّما نَظرَ إلى ذراعِ المرأة، تَمزّقَ فؤادُهُ من شِدّةِ الشّعورِ بالذّنب. أحسَّ بصداعٍ في رأسِه. وضيقٍ في صَدرِه، وبَدأتِ الدنيا تَدورُ أمامَ عَيناه.
أغمضَ جايدن عَيناهُ بشدّة. ما هو الجوابُ الذي كان ينتظرُه من سؤالٍ أحمقَ كهذا أصلاً؟
وعندما هَمَّ بالالتفاتِ نادِمًا، كانت تِلكَ اللحظة.
تنهّدتْ برفقٍ وكأنَّها فَهِمَت مَقصدَه أخيراً، ثم قالتْ بنبرةٍ تُوحي بأنَّ الأمرَ بَسيط:
“لأنَّ هذا هو الأمرُ الطبيعيُّ، بكلِّ بساطة.”
تَطلّعَ جايدن إلى عَينا المرأةِ مجددًا بَعدَ تلكَ الكلماتِ الغامضة.
“لأنَّكَ طِفلٌ يا سيدي الصغير.”
وأنا بالغة.
ألحقتْ قَولَها بتلكَ الإضافةِ القصيرة، وفي الوقتِ نفسِه ابتسمتْ بإشراقٍ كبُرعمٍ تَفتّحَ لِتوّهِ في يومٍ ربيعيّ.
“…”
رُغمَ سماعِهِ لِلردّ، إلا أنَّه لم يَفهمْ شيئًا بَعد. فباعتبارِهِ طِفلًا، كان قد بَلغَ السادسةَ من عُمره.
كما أنَّه ليسَ بشرِيًّا عاديًّا، بل هو من دَمِ التنين… ولا يمكنُ لهذهِ المرأةِ ألا تَعرفَ ذلك.
أوه. حاولَ جايدن السؤالَ مجددًا لكنَّه صَمَت. فَقَد دَاهمَه دُوارٌ شديدٌ ومفاجئ.
“لا بأس. ابقَ هادئًا الآن فحسب.”
بصوتٍ ناعمٍ كالأغنيةِ، أغمضَ جايدن عَيناهُ لا إراديًّا.
لامسَ ظَهرُ يَدِ المرأةِ الباردُ جَبهتَه المُشتعلةَ ثم ابتعد.
“الحُمّى شديدةٌ جدًّا. سأعطيكَ مُخفضًا للحرارة، فتناولْه ونَمْ بعمق. حينها ستتحسّنُ حالتُكَ كثيرًا.”
كان جايدن يكرهُ الأدوية. ولم يكن يَرغبُ أبدًا في تناولِ شيءٍ كَمخفضِ الحرارة.
إلا أنَّ الصبيَّ ابتلعَ السائلَ الذي دَخلَ فَمَهُ لا شعورِيًّا بفضلِ ذلكَ الصّوتِ الهادئ.
لم يكن مَذاقُه مُرًّا، بل كان حُلوًا ولم يكن يكرهُه، لكنَّ تِلكَ المرأةَ الواقفةَ أمامَه كانت تَشغلُ بالَه.
‘من المؤكدِ أنَّها حمقاء’.
لن يَنفعَ هذا على أيِّ حال. فجسدي لا يَتأثرُ بالأدويةِ أبدًا.
لكنَّه لم يَنطقْ بتلكَ الكلمات. فَقَد بَدأ وعيُه يَتلاشى تدريجيًّا بَعدَ أن غَلبهُ الإرهاق.
وهكذا غَرِقَ جايدن في نَومٍ عَميق. لقد كان نَومًا هنيئًا لم يَذقْ مِثْلَه منذُ زمن.
—
‘هوف، أخيرًا استقرَّ الوضعُ قليلاً’.
اطمأنَّ قَلبي أخيراً برؤيةِ جايدن وهو يَغطُّ في نَومٍ عَميق.
لقد كان الموقفُ قبلَ قليلٍ مُرعبًا حقًّا.
لقد جئتُ لِلمساعدة، وبمجردِ وصولي استحالَ المكانُ فوضى عارمةً في لَمحةِ بَصر.
ومع ذلك، لا أشعرُ بالندم.
لقد تفحّصتُ حالةَ جايدن كما كان مُخططًا له. وأعطيتُه مُخفضَ الحرارة.
لو كان جايدن قد سَقطَ فوقَ الفازةِ وأُصيب، لكانت كارثةً حقيقيةً. لِحُسنِ الحظِّ، لم تَحدثْ مشاكلُ كبيرة.
‘رُغمَ أنني أُصبتُ قليلاً، إلا أنَّ هذا لا يهمّ. لقد اعتُدتُ على مِثلِ هذهِ الأمور’.
فالأمرُ ليسَ جديدًا عليّ. مِثلُ هذهِ الجروحِ تَشفى بسرعةٍ بمجردِ وَضعِ المَرهم.
نهضتُ من مكاني بهدوءٍ لِكي لا يستيقظَ الطفل، فَوَقعتْ عيناي على شظايا الفازةِ التي لم تُجمعْ بَعد.
حَبستُ أنفاسي وبَدأتُ بتنظيفِ تِلكَ الفوضى.
مَرَّ بعضُ الوقت، وعُدتُ لِأتفحّصَ جايدن مجددًا، فَوَجدتُ جَبهتَه التي كانت كقطعةِ جَمرٍ قد عادت لِدرجتِها الطبيعيّة.
‘الحمدُ لله. يَبدو أنَّ مُخفضَ الحرارةِ قد آتى مفعولَه.’
لقد صَنعتُه مسبقًا بعنايةٍ مَع أخذِ كَونِهِ من دَمِ التنينِ في الحُسبان، ولِحُسنِ الحظِّ نَجحَ الأمر.
‘لكنَّ مفعولَه كان فورِيًّا بشكلٍ غيرِ متوقّع؟’
لقد مَرّتْ خمسَ عشرةَ دقيقةً فقط، وانخفضتِ الحرارةُ إلى هذا الحدّ.
في الواقع، كانتِ الأدويةُ التي أصنعُها تملكُ مفعولاً قوِيًّا بشكلٍ استثنائيّ. رُغمَ أنني أستخدمُ نفسَ طُرقِ التحضيرِ التي يستخدمُها الآخرون.
لكنَّ كَونَ الأمرِ يَنطبقُ حتّى على دَمِ التنين…
سواءٌ أكان هذا أم ذاك، فليسَ بالأمرِ السيئ، لذا قررتُ الابتهاجَ فحسب.
بعدَ ذلك، نَظرتُ إلى وَجهِ الطفل. كان يَقطبُ ما بَينَ حاجبيهِ وكأنَّه يَرى حُلمًا مُزعجًا. رُبما كان يَشعرُ بالذّنب.
‘إذا فكّرتُ في الأمر، فقد بَدت عليهِ علاماتُ الندمِ الشديدِ قَبلَ قليل.’
رُبما لهذا السببِ يَعقدُ حاجبيه.
لم يَهنْ عليّ رؤيتُه هكذا، فَمَسحتُ على جَبهتِه برِفقٍ لِتسترخيَ عضلاتُه، وحينها فقط استكنّتْ ملامحُ وَجهِه.
في الظروفِ العادية، لَكنتُ قد وَبّختُه بصرامةٍ على ما فَعَل. لكنَّني قررتُ ألا أفعلَ ذلك اليومَ خِصيصى. ولهذا السببِ مَنعتُ كاين قَبلَ قليل.
فالطفلُ المريضُ يحتاجُ لِلعلاجِ فورًا، لا لِلتأديب.
صحةُ الأطفالِ هي الأولويةُ القصوى دائمًا.
‘بما أنَّ جايدن بَدا نادِمًا، سأقومُ بالحديثِ معهُ بشكلٍ لائقٍ بمجردِ أن يَتحسّنَ جسدُه.’
حينها، يجبُ أن أحذرَ لِكي لا أُخيفَه أو أضغطَ عليهِ بلا داعٍ.
أحكمتُ غِطاءَ الطفلِ النائمِ مرّةً أخرى. والآن، لم يَبقَ سِوى الخروجِ لِإطلاعِ كاين على مُجرياتِ الموقف.
رتبتُ أفكاري لِبرهة، وبينما كنتُ أنهمُّ بالنهوضِ بحذر…
‘طاخ!’
تَحطمَ سُكونُ الغرفةِ وهدوءُها إثرَ فَتْحِ البابِ بعُنف.
“آه، سيدي الصغير!”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"