8
### الفصل الثامن: النفاياتُ يجبُ معالجتُها بالحرق
“أجل. لقد قررتُ المضيَّ قدماً دونَ تراجع.”
وكما هو متوقعٌ من عالمِ الرواياتِ المأساويةِ ذاتِ التصنيفِ المقيد، لم يكن حولَ إيهيلي أيُّ شخصٍ سويّ.
والأمرُ سيانُ بالنسبةِ لعائلتِها.
فقد اعتادَ كين معاملةَ أختِه الصغرى إيهيلي كخادمةٍ منذُ نعومةِ أظفارِها.
وإذا لم تطعْ أوامرَه، لم يكن يترددُ في رفعِ يدِه عليها وضربِها.
أما والداها، فكانا على علمٍ بكلِّ ذلك، لكنهما اكتفيا بدورِ المتفرج.
‘لأنني لستُ ابنتَهما الحقيقية.’
لقد عرفتْ هذه الحقيقةَ بفضلِ استعادتِها لذكرياتِ حياتِها السابقة.
وعرفتِ السببَ الذي جعلَ أولئك البشر—الذينَ لا يستحقونَ حتى لقبَ “والدين”—يميزونَ بينَها وبينَ كين بهذا الشكلِ الصارخ.
كانا يمنحانِ طفلَهما الحقيقيَّ كين الخبزَ الطريَّ واللحمَ الشهي، بينما لا تنالُ إيهيلي سوى الأعشابِ الذابلةِ والحساءِ الخفيف.
“عليكِ الحفاظُ على رشاقتِكِ من الآن، لتتمكني من الزواجِ برجلٍ غنيٍّ مستقبلاً.”
كان كين يرتدي دائماً ثياباً جديدةً ونظيفة، بينما كان على إيهيلي ترقيعُ ثيابِها الباليةِ التي تشبهُ الأسمال.
“إذا أسرفت المرأة، فخرابُ البيتِ محتوم.”
“كوني رصينةً وهادئة.”
“أطيعي والديكِ وأخاكِ الأكبر.”
نشأت وهي تتلقى تعاليمَ أشبهَ بغسلِ الدماغِ منذ طفولتِها.
ولو لم تستعدْ ذكرياتِ حياتِها السابقة، لظنتْ أنَّ هذا هو النظامُ الطبيعيُّ للحياة.
“لقد سئمتُ تماماً من فكرةِ أنَّ هذا الكائنَ العنيفَ الذي يعاملُ أختَه كخادمةٍ ويضربُها هو أخي. إنهُ أمرٌ مقززٌ ومروع.”
“ماذا؟ عنيف؟ هيي، ثمني كلماتِكِ جيداً! هل سبقَ لي أن ضربتُكِ دونَ سبب؟”
برقَ كين بعينيهِ بغضب.
“لأنكِ غبيةٌ ولا تفهمينَ الكلام، كان عليَّ كأخٍ أكبرَ أن أعلمَكِ الأدب، أليس كذلك؟”
في صغرِها، كانت تطلبُ العفوَ منه بمجردِ أن يصرخَ بوجهِها كما يفعلُ الآن.
لكنَّ الوضعَ تغير.
حدقت إيهيلي في عيني كين مباشرةً وقالت بوضوحٍ تام:
“كفاكَ هراءً. أنتَ لا تملكُ ذرةً من الموهبةِ والجميعُ يتجاهلُكَ في الخارج؛ لذا تعودُ إلى المنزلِ لتفرغَ غضبَكَ في أختِكَ الضعيفة.”
“ها! إيهيلي، يبدو أنكِ فقدتِ صوابَكِ تماماً.”
“أجل، لقد فقدتُه. كيفَ يمكنُ لشخصٍ عاشَ في ذاك المكانِ المقززِ حتى الآن أن يظلَّ سوياً؟”
“أيتها اللعينة……!”
رفع كين يدَه الغليظةَ عالياً.
كان هذا متوقعاً.
دائماً ما كان ينتهي الأمرُ هكذا؛ فلم يكن كين يترددُ أبداً في ضربِ إيهيلي كلما عكرتْ صفوَ مزاجِه منذُ صغرِهما.
‘أتحسبُ أنني سأقفُ مكتوفةَ الأيدِ لأتلقى ضرباتِكَ كالعادة؟’
هرعت إيهيلي نحو داخلِ المنزلِ بسرعة.
“إلى أين تهربينَ أيها الجرذ! تعالي إلى هنا فوراً!”
هروب؟
مستحيل.
ما الذي قد يدفعُني للهربِ من أخٍ أحمقَ لا يتقنُ سوى الصراخ؟
ذهبت إيهيلي فحسب لتبحثَ عن سلاح؛ فهي لم تعد تنوي استقبالَ ضرباتِ كين بصمت.
اتجهت مباشرةً نحو المطبخِ واستلتْ مقلاةً حديديةً ثقيلة.
حين رآها كين، ضحك بخسةٍ ونذالة:
“ها! وماذا تنوينَ الفعلَ بهذا الشيء؟ أستلوحينَ به في وجهي؟”
اقترب كين بخطواتٍ واسعةٍ ومدَّ يدَه نحوها.
لكنَّ إيهيلي لم تتردد، فهوت بالمقلاةِ بكلِّ قوتِها.
**بااااخ!**
دوى صوتُ ارتطامٍ ثقيل.
رغم أنها استهدفت رأسَه بدقة، إلا أنَّ كين رفعَ ذراعَه ليحمي نفسَه، ثم انقضَّ على شعرِ إيهيلي وجذبَه بقوةٍ وعنف.
“آآآه!”
شعرت بألمٍ حادٍّ في فروةِ رأسِها كأنما ستقتلعُ من مكانِها بسببِ قبضتِه التي لا تعرفُ الرحمة.
انتهز كين فرصةَ ارتخاءِ يدِ إيهيلي، فانتزعَ المقلاةَ منها وقذفَها بعيداً بخشونة.
“أيتها الغبية. أكنتِ تظنينَ حقاً أنَّ مقلاةً تافهةً ستنفعُكِ كسلاح؟”
وبينما كان كين يرفعُ يدَه ليضربَها مجدداً…
**طااااخ-!**
دوى صوتٌ معدنيٌّ صاخب.
وفي اللحظةِ ذاتِها، ارتختِ القبضةُ القويةُ التي كانت تجذبُ شعرَ إيهيلي، وسقطَ جسدُ كين الضخمُ فوقَ الأرضِ كجذعِ شجرةٍ هامدة.
رفعت إيهيلي عينيها المغرورقتينِ بالدموعِ لتتبينَ ما حدث.
رأت ريك واقفاً خلفَ كين الساقط، وهو يمسكُ بالمقلاةِ التي انبعجتْ من قوةِ الضربة.
كانت عيناهُ الحمراوانِ اللتانِ تنظرانِ إلى كين تفيضانِ باشمئزازٍ وحقدٍ وكأنهُ ينظرُ إلى حشرةٍ مقززة.
“ريك……؟”
تحولت نظراتُ ريك نحوها فورَ سماعِ صوتِها المذعور.
وفجأةً، ذابَ الجمودُ الذي كان يكسو وجهَه، وحلَّت مكانَه رقةٌ بالغةٌ وكأنَّ شيئاً لم يكن.
“هل أنتِ بخير، إيهيلي؟”
“آخ.. أيها اللعين.. ماذا فعلتَ……”
تأتأ كين وهو يمسكُ برأسِه محاولاً النهوضَ بترنح.
حينها، بردت نظراتُ ريك مجدداً.
رفع المقلاةَ ببرودٍ تام.
هذه المرة، لم يكتفِ كين بتلقي الضربات، بل حاولَ حمايةَ رأسِه بذراعيهِ والمقاومة.
ولكن……
**طاااخ-!**
“آآآه! لـ، لحظةً واحدة!”
**طاخ!**
“آآآخ! لماذا تفعلُ هذا بي!”
**طاخ!**
“كـ، كفى! دعنا نتفاهم، انتظر.. لنتحدثْ قليلاً……!”
**طاخ! طاااخ! طاخ، طاخ، طاخ!**
“أنا آسف، أنا آسف! يا أخي، أنا المخطئ! اهدأْ ودعنا نتفاهم، حسناً؟”
كان لوقعِ الضرباتِ إيقاعٌ ممتعٌ بشكلٍ غريب.
أخذ ريك يوسعُ كين ضرباً وكأنهُ يعزفُ على الطبولِ بانتشاء.
والعجيبُ في الأمر، أنَّ عينيهِ كانت مثبتةً على إيهيلي طوالَ الوقت.
أما وجهُه وهو يلوحُ بالمقلاة، فقد كان هادئاً بشكلٍ يثيرُ القشعريرة.
“آاااه……”
أدركَ كين، الذي كان يتوسلُ بذل، أنَّ الكلامَ مع ريك لا يجدي نفعاً، فبدأ يزحفُ نحو إيهيلي بيأس.
“إيهـ، إيهيلي. أرجوكِ.. أنقذيني. افعلي شيئاً لهذا المجنون……!”
من شدةِ خوفِه، بدأ لعابُ كين يسيلُ دون إرادةٍ منه.
نظرت إيهيلي إلى أخيها الذي كان يصرخُ في وجهِها منذ قليل، وهو الآن يتوسلُ إليها بذلة، وفكرت:
‘آه، حتى في موقفٍ كهذا، لا يفكرُ في طلبِ العفوِ مني.’
لقد توسلَ لريك واعتذرَ له بيأس، لكنه حتى وهو يواجهُ الموت، لم يفكرْ في الاعتذارِ لأختِه الصغرى.. أو بالأحرى، للمرأةِ التي عاشتْ معهُ في نفسِ المنزل.
كان هذا التصرفُ يشبهُه تماماً.
ابتسمت إيهيلي.
كانت تلك أولَ ابتسامةٍ حقيقيةٍ تظهرُ على وجهِها أمامَ كين.
“ولماذا أفعل؟”
“…… ها؟”
وبينما كان كين يرمشُ ببلادة، هوتِ الضربةُ القاضيةُ على رأسِه.
**طاااااخ-!**
ومع ذاك الصوتِ المعدنيِّ المجلجلِ الذي يثلجُ الصدور، انقلبت عينا كين وغابَ عن الوعي.
سقطَ جسدُه الضخمُ ككتلةٍ واحدة.
قذفَ ريك المقلاةَ التي لم يعد يُعرفُ شكلُها الأصليُّ من كثرةِ الانبعاجات.
انحنى برفقٍ ومدَّ يدَه ليصلحَ خصلاتِ شعرِ إيهيلي المبعثرة، وقال:
“إيهيلي، لقد أمسكتُ بالجرذ.”
وبسببِ نظراتِه التي كانت تنتظرُ الثناء، أجابت إيهيلي دون وعيٍ منها:
“آه، نعم.. أحسنتَ صنعاً.”
ارتسمت على شفتي ريك ابتسامةٌ راضية.
ثم أمسكَ بتلابيبِ كين الغائبِ عن الوعي، ورفعَه بيدٍ واحدةٍ بمنتهى السهولة.
كان كين رجلاً أكولاً يتناولُ سبعَ وجباتٍ في اليوم؛ لذا كان جسدُه ضخماً وثقيلاً للغاية.
ومع ذلك، حملَه ريك بتلك الهيئةِ الثقيلةِ بيدٍ واحدةٍ دونَ أن يبدو عليهِ أيُّ مجهود.
‘هذا الرجلُ الذي انكسرَ معصمُه لمجردِ تلويحةِ فأس، كيفَ يحملُ هذا الكائنَ الثقيلَ هكذا؟’
هل هي قوةٌ مفاجئةٌ نبعت من الغضب؟
قال ريك لإيهيلي التي كانت تنظرُ إليه بذهول:
“سأعودُ سريعاً.”
“إلـ، إلى أين؟”
“لا يمكنُنا تركُ مثلِ هذه القذارةِ داخلَ المنزل، أليس كذلك؟ سأذهبُ لأرميَها في الخارج.”
كان ردُّه بسيطاً وكأنهُ خارجٌ لرميِ النفايات.
“انتظر لحظة، ريك!”
صرخت إيهيلي بلهفة:
“إيـ، إياكَ أن تقتلَه.”
لا تدري لِمَ قالت ذلك، لكنها شعرت بضرورةِ التنبيه.
أمال ريك رأسَه بتعجب.
وبوجهٍ بريءٍ لا يعرفُ شيئاً، سألَها:
“ولماذا؟”
“نعم؟ ماذا تقصدُ بلماذا……”
داهمَ إيهيلي شعورٌ مفاجئٌ بأنَّ هذا الرجلَ لا يملكُ ذرةً من الترددِ أو تأنيبِ الضميرِ تجاهَ فكرةِ القتل.
رغم القشعريرةِ التي سرت في جسدِها، إلا أنها حاولت التماسَ العذرِ له.
‘…… لا بدَّ أنهُ أصبحَ هكذا لكي يتمكنَ من النجاةِ وسطَ عائلةٍ تحاولُ قتلَه منذ صغرِه.’
كان شعورُ الشفقةِ تجاهَه أكبرَ من الخوفِ من طبيعتِه غيرِ البشرية.
“في الحقيقة…… إنهُ أخي.”
“أخوكِ؟ ألم تقولي إنهُ ليس لديكِ عائلة؟”
“أنا آسفة. لقد كانت كذبة. والدايَ لا يزالانِ على قيدِ الحياة، لكنهما بالنسبةِ لي كالغرباء……”
أومأ ريك برأسِه دون أن يبديَ أيَّ انزعاج:
“أتفهمُ ذلك؛ فلا أحدَ يرغبُ في اعتبارِ ذاك الكائنِ العنيفِ والخسيسِ الذي يضربُ أختَه الضعيفةَ فرداً من عائلتِه.”
“هـ، هل سمعتَ ذلك؟”
“أجل.”
شعرت إيهيلي بالخجلِ الشديدِ لأنَّ ريك اكتشفَ تاريخَ عائلتِها المخزي، فلم تقوَّ على رفعِ رأسِها.
وبينما كانت تحدقُ في الأرض، تناهى إلى مسامعِها صوتُه الرخيمُ وهو يقول:
“إيهيلي. مَن يجبُ عليهِ خفضُ رأسِه ليس أنتِ، بل هذهِ النفايات.”
كان تصريحاً لاذعاً لا يتناسبُ مع أسلوبِه المهذبِ في الحديث.
“لا داعي لأن تشعري بالخجلِ أبداً.”
لا تدري لماذا، لكنَّ كلماتِه تلك كانت بمثابةِ عزاءٍ كبيرٍ لها.
لطالما تمنتْ سماعَ هذه الكلماتِ في حياتِها السابقةِ وفي هذه الحياة؛ أنَّ الأمرَ ليس خطأَها.
“هل معصمُكَ بخير؟”
لقد لوحَ بذاك المعصمِ الذي انكسرَ سابقاً بسببِ الفأسِ بكلِّ تلك القوة.
خافت إيهيلي أن يكونَ ريك قد ضغطَ على نفسِه أكثرَ من اللازم.
ابتسم ريك وكأنهُ سعيدٌ باهتمامِها:
“أنا بخير، لا تقلقي. والآن، سأذهبُ لأتخلصَ من هذه النفايات.”
“…… تتخلصُ منها؟ ماذا تنوي أن تفعل؟”
“أفضلُ طريقةٍ للتخلصِ من النفاياتِ هي حرقُها.”
“…… هل نسيتَ أنني طلبتُ منكَ ألا تقتلَه؟”
“آه، صحيح.”
أومأ ريك برأسِه بنبرةٍ تحملُ بعضَ الأسف، وأردف:
“حسناً إذاً، سأذهبُ لأدفنَه.”
كلا، لقد قلتُ لكَ لا تقتلْه!
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 8"