4
### الفصل الرابع: ملكُ الشياطين يُخفي قُوتَه
تمتمَ ريدنبرغ بكلماتٍ نضحَتْ بالارتياح دون وعيٍ منه، لكنَّه سرعان ما أدركَ فداحةَ خطئه؛ فقد كان يَعلمُ تمامَ العلمِ أنَّ الروابطَ الأسريةَ لدى البشرِ وثيقةٌ ومقدسةٌ إلى أبعدِ الحدود.
فكيفَ يُعقلُ أن يصفَ موتَ والدينِ في حادثٍ بأنهُ أمرٌ “مُطمئن”؟
“قصدتُ أنني أرى عدمَ وجودِ عائلةٍ من الأساسِ أهون بكثيرٍ من امتلاكِ عائلةٍ تسودُها علاقاتٌ متدهورة.”
حاولَ تداركَ الموقفِ بهذا العُذرِ الواهي، إلا أنَّ ملامحَ إيهيلي لم تشرقْ برغمِ محاولتِه.
‘سحقاً.’
بدأ التوترُ يتسللُ إلى نفسِ ريدنبرغ وسطَ ذاك الصمتِ المُطبق.
كانت هذه هي المرةَ الأولى في حياته التي يختبرُ فيها مثلَ هذا الشعور؛ فلم يسبقْ له قطُّ أن انتقى كلماتِه بعنايةٍ أو اكترثَ لتعبيراتِ وجهِ الطرفِ الآخرِ وردودِ فعلِه أثناءَ الحديث.
لم يكن جرحُ مشاعرِ أحدهم بكلماتِه أمراً يستحقُّ منه الالتفات، فببساطة، حتى لو أبدى الطرفُ الآخرُ استياءَه، كان يكفيهِ أن يسحقَهُ بقوتِه وينتهي الأمر.
لكنَّ إيهيلي لم تكن خصماً يمكنهُ سحقُه بتلك القوة.
‘لا، في الواقعِ يمكنني فعلُ ذلك متى شئت، ولكن—’
لم تكن لديهِ أدنى رغبةٍ في فعلِ أمرٍ كهذا.
“إيهيلي، ما قلتُه للتوِّ كان…”
وقبلَ أن يضيفَ بلهفةٍ أنها كانت زلةَ لسان، لمحَ في عينيها الرقيقتينِ شعاعاً من الأسى والحزن.
“هل كانت عائلةُ ريك من ذلك النوع؟”
“عفواً؟”
“أعني، هل كانوا أشخاصاً وجودُهم أسوأُ من عدمِه؟”
آه، ها هي الفرصة.
لم يُفوِّتْ ريدنبرغ تلك النبرةَ المليئةَ بالشفقةِ في صوتِها، فخفضَ بصرَه ببطءٍ متكلف.
“…… أجل، هذا صحيح.”
ثم رسمَ على وجهِه أقصى تعبيراتِ الانكسارِ والمسكنة، وأخرجَ صوتَه مخنوقاً كأنه يُغالبُ عبراتِه.
“لقد فارقت والدتي الحياةَ في اليوم الذي وُلدتُ فيه، أما والدي، فلم يمنحْني ذرةً من الرعايةِ وأنا وحيد؛ لذا كان عليَّ أن أكافحَ لأنجو بنفسي.”
كانت كلُّ كلمةٍ قالها حقيقةً مجردة، لكنَّ ريدنبرغ الصغيرَ لم يشعر يوماً بالوحدةِ بسبب غيابِ الراعي، إذ كان ذلك أمراً طبيعياً ومُسلماً به في عالم الشياطين.
“عندما كنتُ صغيراً، كان شقيقي الأكبرُ يحاولُ قتلي بين الحينِ والآخرِ بوضعِ السمِّ في طعامي، أما شقيقي الثاني، فقد دفعني ذات مرةٍ من فوقِ حافةِ منحدر.”
“…… وهل كان والدُكَ يعلمُ بذلك؟”
“أجل، لكنه لم يُحركْ ساكناً.”
“ولماذا؟”
“لأنه كان يرى أنَّ بقاءَ القويِّ وموتَ الضعيفِ هو قانونُ الطبيعة.”
لم يكن في حديثِ ريدنبرغ كذب؛ فوالدُه في الحقيقةِ وقفَ متفرجاً على صراعاتِ أبنائه بهدفِ خلقِ أقوى ملكِ شياطين في التاريخ.
وقد ارتقى ريدنبرغ العرشَ بعد أن قتلَ إخوتَه الذين ترصدوا حياتَه، وقتلَ أباهُ كذلك.
“…… أنا آسفةٌ يا ريك، لأنني جعلتُكَ تستعيدُ هذه الذكرياتِ المؤلمة.”
“لا بأس، لم يعدِ الأمرُ يؤلمُني الآن.”
كان صادقاً تماماً في قولِه بأنه لم يعد يشعرُ بشيء، فهو لم يحمل يوماً عاطفةً تجاه عائلته، بل على العكس، شعر براحةٍ عارمةٍ بعد تخلصهِ من كل ما كان يزعجه.
لكن في هذه اللحظة، كان على ريدنبرغ أن يتقمصَ دورَ أكثرِ البشرِ بؤساً؛ الشخص الذي عانى الوحدةَ لفقدهِ حنانَ العائلة، والذي يبتسمُ بمرارةٍ وهو يسترجعُ آلامَ الماضي.
كلُّ ذلك ليواري شكوكَ إيهيلي تحت ستارٍ من الشفقة.
و…
“إيهيلي، هل يمكنكِ غمرِي بعناقٍ واحد؟”
ليُشبعَ رغبتَه الدفينةَ الكامنةَ في أعماقه.
“ماذا؟”
“ظننتُ حقاً أنني تجاوزتُ الأمر، لكنني حين وجدتُ نفسي أسردُ لكِ هذه القصصَ ونحن لم نلتقِ إلا اليوم، أدركتُ أنني لا أزالُ أتوقُ لدفءِ شخصٍ ما.”
—
‘كيف لي أن أشكَّ في أنَّ شخصاً بائساً كهذا يمكنُ أن يكونَ العقلَ المدبرَ للشر؟’
“حسناً، تعالَ إلى هنا يا ريك.”
احتضنتْ إيهيلي ريك برفقٍ وربتتْ على ظهرِه بحنو.
“لقد عانيتَ كثيراً.”
ارتجفَ جسدُ ريك ارتجافاً طفيفاً، وترددتْ أنفاسُه ثقيلةً مضطربةً كأنها تحبسُ فيضاً من المشاعر.
“إن أردتَ البكاء، فلا بأسَ بذلك.”
كم كان وحيداً طوالَ هذا الوقت؟
تعاطفتْ إيهيلي مع وحدتِه بعمق، لأنها هي الأخرى ذاقتْ مرارةَ الوحدة.
في حياتها السابقة، نشأتْ في عائلةٍ أُعيدَ تكوينُها بعد زواج والدها؛ كانت زوجةُ أبيها تتظاهرُ أمامَ الأب بأنها تحبُها كابنِها تماماً دون تفرقة، لكن بعيداً عن أنظاره، كانت تمارسُ ضدها شتى أنواعِ التمييزِ والاضطهاد.
ولم يكن الأبُ جاهلاً بما يحدث، لكنه آثرَ الصمتَ وتجاهلَ الأمرَ رغبةً منه في عدمِ هدمِ العائلةِ التي كونَها بشقِّ الأنفس.
وهكذا عاشتْ وماتتْ وحيدةً دون أن تشعرَ يوماً بمعنى حبِّ العائلة.
‘وفي هذه الحياةِ أيضاً…’
خمدتْ شكوكُ إيهيلي تماماً بعدما شعرتْ بذاك الرابطِ الذي يجمعها بريك ومعاناتِه المماثلة.
وهكذا، مضتْ تلك الليلةُ بسلام.
في اليومِ التالي.
“لقد غمرتِني بفضلِكِ طوالَ اليوم.”
قدمَ ريك شكرَه بوقارٍ وهو يتأهبُ للرحيل، فقالت له إيهيلي مدفوعةً بشفقتِها عليه:
“إذا شعرتَ بضيقٍ في أيِّ وقت، فعدْ إليَّ؛ سأكونُ هنا لأواسيكَ مجدداً.”
“هل يُسمحُ لي بذلك حقاً؟”
“أجل، بالطبع.”
“شكراً لكِ. إذاً، سأراكِ ثانية.”
قالت إيهيلي ذلك، لكنها لم تظنَّ قط أنَّ ريك سيعودُ إلى هذا المكان مجدداً؛ فقد استنتجتْ من هيئتِه وطريقةِ حديثِه أنه من النبلاء.
فثيابُه كانت من قماشٍ فاخرٍ لا يرتديه إلا كبارُ النبلاء، ومفرداتُه كانت تنضحُ بتلك الرسميةِ المعهودةِ في طبقتهم.
‘نبيلٌ مثله لن يعودَ بالتأكيد إلى هذه القريةِ الريفيةِ لمجردِ رؤيةِ امرأةٍ من عامةِ الشعب.’
ودعتْه إيهيلي وهي تتمنى من كل قلبِها أن تملأَ السعادةُ مستقبلَه.
لكنها لم تكن تعلم…
أنها ستلتقي بريك في اليوم التالي مباشرة.
وفي اليوم الذي يليه، والذي يليه أيضاً.
لم يخطر ببالِها أبداً أنَّ ريك سيقصدُ كوخَها كلَّ يومٍ بلا انقطاع.
—
“ما الذي تحبُّه النساء؟”
حين طرحَ ريدنبرغ هذا السؤال، لم يصدقْ هيروند—المساعدُ الذي ينصبُ نفسَه ذراعَ ريدنبرغ اليمنى—أذُنيه.
“هل سألتَ للتوِّ، حقاً، عما تحبُّه النساء؟”
“أجل.”
وقع هيروند تحت تأثيرِ الصدمة؛ فريدنبرغ الذي يعرفُه لم يبدِ يوماً أدنى اهتمامٍ بالنساء، حتى لو وضعوا أمامَه “المعذبة” الأكثرَ جمالاً في عالمِ الشياطين، كان ينظرُ إليها كأنها جمادٌ لا روحَ فيه.
أن يسألَ ريدنبرغ عما تحبُّه النساء؟ هذا أمرٌ لا يصدق.
حكَّ هيروند شعرَه الفاحمَ وسألَ بحذر:
“سموّك، هل يُعقل أنك… وقعت في حبِّ امرأةٍ ما؟”
“أين الإجابةُ عن سؤالي؟ أم أنك آثرت الثرثرةَ فيما لا يعنيك؟”
سرعان ما أجابَ هيروند بلهفةٍ حين استشعرَ هالةَ القتلِ والرعب الحادَّ في عيني ريدنبرغ الحمراوين:
“إذا كان الأمرُ يتعلقُ بما تحبُّه النساء، فهو التنينُ بلا شك!”
للأسف، لم يسبقْ لهيروند—الذي تجاوزَ عمرُه الخمسمائةَ عام—أن خاضَ علاقةً عاطفيةً واحدة، بل لم يذقْ طعمَ الإعجابِ المتبادلِ قط.
ومع ذلك، كان واثقاً تماماً من معرفتِه بشؤونِ الحب.
‘كم شاهدتُ من مسرحياتٍ رومانسيةٍ وقرأتُ من كتبٍ في فنونِ الغرام!’
كان يظنُّ نفسَه خبيراً في العلاقات؛ فرغمَ افتقارهِ للممارسةِ العملية، إلا أنَّ حصيلتَه النظريةَ كانت “مثالية” في نظرِه.
“تنين؟”
“أجل. فمن المعروفِ أنَّ المرأةَ تنجذبُ للرجلِ القوي! والرجلُ الذي يُهدي تنيناً، ألا يُبرهنُ بذلك على مدى قوته؟”
“يبدو كلامُك منطقياً.”
أومأ ريدنبرغ برأسِه بجديةٍ تامة.
“وهل تحبُّ نساءُ البشرِ التنانينَ أيضاً؟”
“نساءُ البشر…؟”
اهتزتْ حدقتا هيروند الأرجوانيتانِ المشوبتانِ بسوادِ الغسقِ باضطرابٍ شديد.
ابتلعَ ريقَه بصعوبة؛ هل يُعقل أنَّ المرأةَ التي سلبتْ لبَّ ملكِ الشياطينِ هي بشرية؟
راودتْه هذه الفكرةُ المجنونةُ للحظةٍ قبل أن ينفضَها عنه بسرعة.
‘مستحيل.’
ريدنبرغ، من بين الجميع، لا يمكن أن يُلقي بالاً لامرأةٍ بشريةٍ تافهة. لا بد أنَّ هناك سبباً آخرَ وراءَ سؤالِه.
أجابَ هيروند بهدوءٍ مصطنع:
“بالتأكيد!”
كانت إجابةً ألقاها دون تفكيرٍ عميق.
“أنتَ متأكد؟”
“أجل، مؤكدٌ تماماً. أنا، هيروند، أفهمُ النساءَ والبشرَ فهماً شاملاً.”
بالطبع كان يقصدُ فهماً “نظرياً”، لكن بالنسبة له، لا فرقَ بين الاثنين.
“سأضعُ ذلك في اعتباري.”
غرقَ ريدنبرغ في تفكيرٍ عميق.
‘تنينٌ إذاً…’
أخيراً وجدَ الحلَّ للمسألةِ التي كانت تشغلُ بالَه. يبدو أنَّ التنينَ سيكونُ هديةً أولى جيدةً لها.
في لقائهما الأول، أظهرَ لها جانبَه الضعيفَ دون قصد—أو بالأحرى تظاهرَ بذلك.
ويبدو أنَّ تمثيلَه قد أتى ثمارَه تماماً، بما أنه نالَ إذنَ إيهيلي بزيارتِها متى شاء.
“لديَّ أمرٌ آخر يثير تساؤلي.”
“أجل، أجل.. تفضل يا سموّك! هيروند مستعدٌ دوماً للاستماع إلى همومك.”
“إذا أظهرَ رجلٌ كان يبدو ضعيفاً في البداية قوةً مفاجئة، ألن تشعرَ المرأةُ بالريبة تجاهه؟”
“يتظاهرُ بالضعف؟ لا يعقل أنَّ سموَّك قد…”
تملك الرعبُ هيروند وهو يتخيل ريدنبرغ يمثل دور الضعيف، لكنه سرعان ما لمح نظرة ريدنبرغ الحادة، فمحا تلك الخيالات الواهية فوراً وقدم الإجابة التي كان ينتظرها سيده:
“على الإطلاق! هذا هو بالضبط ما يسمونه ‘سحر التناقض’!”
عقد ريدنبرغ حاجبيه، وكأن الإجابة لم تكن كافية لتبديد شكوكه. وعندما أدرك هيروند استياء سيده، أسرع في إضافة الكلمات بلهفة:
“سموّك، ألم تسمع قط بمصطلح ‘هيم-سوم-ما’؟”
“هيم-سوم-ما؟”
“أجل، وهي تعني ‘الشيطان الذي يُخفي قوته’.”
“ولماذا يخفي قوتَه من الأساس؟”
بدا ريدنبرغ عاجزاً تماماً عن الاستيعاب؛ ففي عالم الشياطين حيث القوة هي كل شيء، كان إخفاء المرء لقوته عملاً يفتقر للمنطق ولا يجلب أي نفعٍ في نظره.
“بالطبع لإظهار ذلك السحر المتناقض! تخيل شيطاناً أدنى يبدو واهناً، ثم يكتشف الجميع فجأة أنه يخفي قوةً هائلة.. حينها سيتولد لديهم فضولٌ لا يُقاوم!”
“هممم..”
أومأ ريدنبرغ برأسه بعد لحظة من التأمل وكأنه اقتنع أخيراً.
“…… معك حق.”
“بالطبع! فكلُّ شيءٍ يبدأ بالاهتمام والفضول، وينتهي بالحب.”
أصغى ريدنبرغ لكلمات هيروند بجدية بالغة.
كلما زاد في الاستماع، بدا له الأمر منطقياً أكثر؛ فالطريقة التي اختارها لجذب انتباه إيهيلي كانت الشفقة، لكنَّ الشفقة وحدها لا تكفي لصناعة الحب، أليس كذلك؟
لذا كان عليه إظهار “سحر التناقض” ليُثير داخلها مشاعر أعمق، ولتتحول تلك العاطفة التي بدأت بالشفقة إلى حبٍّ أبديّ.
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 4"