والآن، لم تحاول حتى إخفاء الطريقة التي كانت تمسح بها جسد إيفون بعينيها.
“سمعتُ أنك كنتِ مريضة كثيرًا في طفولتك. هل أنتِ بخير الآن؟ هل دورتكِ الشهرية منتظمة؟”
“نعم، في العادة.”
“تملكين جسد جميل وصحي فعلًا.”
ابتسمت إيفون تلقائيًا على هذا المديح.
لكنها لم تشعر بأي سرورٍ منه.
“أخطط لبدء دروس العروس الرسمية بعد أسبوعين. أظن أنكِ ستكونين مشغولة بالتحضير للحفل من الأن حتى ذلك الحين.”
وبالفعل، كانت عائلة لوروا تخطط لإقامة حفل الأسبوع التالي—
حدثٌ يجمع بين أول ظهورٍ لإيفون في المجتمع والإعلان الرسمي عن خطبتها بديريك.
تساءلت إذًا عن السبب الحقيقي وراء استدعائها اليوم.
وكأن كاثرين قرأت أفكارها، تابعت قائلة.
“ومع ذلك، أردت أن أدعوكِ اليوم لأقدّم لكِ هدية صغيرة.”
رنّت الجرس الموضوع على الطاولة، فدخلت خادمة تحمل صندوقًا مخمليًا مسطحًا وضعته أمام إيفون.
كان في الداخل، ملفوفًا بورقٍ رقيق، عددٌ من الحبوب العشبية الصغيرة.
“إنها تساعد على الحمل. ببساطة، فكّري بها كدواءٍ يحافظ على صحتكِ.”
“آه…”
حدّقت إيفون في الحبوب بدهشة. لم تكن الهدية التي توقعتها.
“سأعلمك كل شيءٍ آخر خطوةً بخطوة، لكني فكّرت أنه من الأفضل أن تركّزي على الاستعداد للحمل أولًا.”
“المنزل أصبح كئيبًا جدًا منذ رحيله. ويبدو أن أبي يتوق إلى حفيدٍ من الجيل الرابع.”
“…أفهم.”
“لهذا فالمسؤولية الملقاة على عاتقكِ كبيرة، يا آنسة إيفون. كما تعلمين، الزواج اتحاد بين عائلتين، والطفل هو من يُكمل هذا الاتحاد. وذلك الاتحاد يعتمد عليكِ.”
سواء كانت “إيفون” النبيلة أم “أديل” العامية، لم يكن ما يتوقعه الناس من فتاةٍ شابة مختلفًا أبدًا.
وحين أدركت تلك الحقيقة مجددًا، لم تعلم إن كان عليها أن تشعر بالأسى أم بالاستسلام.
“لهذا، لا أرى ضررًا في العناية بجسدكِ من الآن. ما رأيكِ يا آنسة إيفون؟”
كانت كاثرين تتظاهر بسؤالها عن رأيها، لكن في الحقيقة لم يكن هناك سوى إجابةٍ واحدة ممكنة.
ابتسمت إيفون بتكلف وأجابت: “شكرًا لاهتمامكِ يا سيدتي.”
“أرأيتِ؟ البنات دائمًا طيّبات وعاقلات. أنتِ تعرفين أني أقول هذا فقط من أجلكِ. ليت إبني ديريك العزيز يفهم قلب أمّه أيضًا…”
ورغم أن كلمات كاثرين بدت تذمّرًا، إلا أن نبرتها كانت مليئةً بحبٍ واضحٍ لابنها.
ومن ذلك الحبّ نفسه، قدّمت لإيفون الدواء.
“هل تودّين أن تجربي واحدة الآن؟ إن كانت صعبة البلع، يمكنني تدبير أمرٍ آخر.”
تناولت إيفون حبةً صغيرة بحذر.
كانت بحجم عقلة إصبع، وتفوح منها رائحة عشبية مُرّة—رائحة مألوفة جدًا لأديل، التي كانت تعمل يومًا في متجرٍ للأعشاب.
كما كانت الرائحة نفسها التي تنبعث من جسد أمّها المريضة في ذاكرتها.
لكنها لم تكن قد تناولت تلك الأدوية من قبل،
بل كانت دائمًا تحضرها لأمها فقط.
“شكرًا لكِ، يا ابنتي العزيزة.”
استحضرت وجه أمها المليء بالامتنان والاعتذار وهي تمضغ الحبة ببطء.
كان طعمها مُرًّا بشكلٍ لا يُحتمل.
***
كان الوقت الذي تلوّن فيه الغروب بالذهب.
بعد أن أنهى مفاوضاته في الفندق، فكّ سيدريك ربطة عنقه وصعد إلى العربة التي كانت بانتظاره.
وبذلك انتهى جدول أعماله لليوم.
وبينما وضع سترته إلى جانبه دون اهتمام، توقفت عيناه عندها.
تلك السترة—المرتبطة بتلك المرأة.
المرأة التي رفضته.
تذكّر وجهها الشاحب الذي تظاهر ببرودٍ في الجنازة وكأنه لا يعرفه، فانعوجت شفتاه بابتسامة ساخرة.
وفي الوقت نفسه، تذكّر ما عليه أن يفعله لاحقًا.
توجّه إلى بلين الذي صعد إلى العربة خلفه.
“ما جدول الغد؟”
“اجتماع مع شركة هيلبورن عند الظهر، وحفل عشاء في قصر كونت سيمور مساءً.”
“…حفل؟”
قطّب سيدريك حاجبيه.
فابنة الدوق، الآنسة لوروا، لم تظهر رسميًا في المجتمع بعد.
وكان من المقرر أن يكون حفل الأسبوع المقبل هو حفل ظهورها الرسمي.
لذا لم يكن هناك أي سببٍ لحضوره حفلًا قبل ذلك.
كما أنه لم يكن من الممكن أن يكون قد رتّب شيئًا كهذا بنفسه—خصوصًا في هذا الوقت المزدحم بعد جنازة والده.
عندها، وكأن بلين كان ينتظر السؤال، قال محتجًا: “الدوق كارلايل هو من رتّبه! في الآونة الأخيرة، كلما رآني، عيناه تصبح هكذا!—تحدق بي وكأنها ستقتلني! وكأنني أنا من منعتك من الزواج!”
قلّد بلين نظرات الدوق الحادة بأصابعه، ثم ارتجف مبالغًا وهو يفرك ذراعيه.
تنهد سيدريك بصوتٍ متعب.
“إنه حقًا متسرع. عليه أن يعرف أني سأتدبر الأمر في الوقت المناسب.”
“ستتدبر الأمر؟ لا تقل لي… أنك تنوي الزواج من صاحب السمو الأمير فعلًا؟”
ماذا يظنني؟ رجل مجنون بالمنافسة؟
رمقه سيدريك بنظرةٍ باردة دون أن يكلّف نفسه الرد.
وتراجع بلين، مذعورًا من تلك النظرة، ثم تنحنح وعاد إلى صلب الحديث.
“على أي حال، عليك أن تختار شابةً مناسبة وتتزوج بسرعة. بهذا الوضع، قد تسيطر خطيبة السير ديريك على غلاستون بنفسها.”
“تلك المرأة؟ ولماذا؟”
“ألم تسمع؟ إنها تبدأ دروس العروس في القصر اليوم. ولقد وافقت السيدة كاثرين على أن تكون معلمتها.”
“وماذا عن الدوقة؟”
“سمعت أن الدوقة ليست بكامل قواها العقلية… لكن من يدري؟ ربما كانت مجرد ذريعة، حجة للتدريج في السيطرة على غلاستون.”
كان الجميع—بمن فيهم كاثرين—يعلم أن دوق لوروا رتب هذا الزواج طمعًا في ثروة غلاستون.
ومع ذلك، كان للطرفين ما يكسبانه من هذا الزواج، فمدّا أيديهما لبعض.
لكن ماذا عنها هي؟
هل كانت مثل أبيها—جشعةً ماكرة؟
أم ضحيةً بريئة طحنتها رغباته؟
حسنًا… وما الفرق؟
سواء كانت هذه أو تلك، يمكن استمالتها باللطف والتظاهر.
على أي حال، إرسال الدوق لابنته إلى قصر غلاستون كان فرصةً بالنسبة لسيدريك.
وبينما كان غارقًا في التفكير بكيفية استغلالها، لمح من نافذة العربة مركبة غلاستون تعبر الساحة.
توقفت العربة في الزاوية، ونزلت امرأة قصيرة القامة منها.
إيفون لوروا. تلك المرأة.
وبمجرد أن غادرت العربة، نظرت حولها بحذر، ثم وضعت غطاء الرأس بإحكام، ودخلت أحد الأزقة.
راقبها سيدريك، ثم ضحك بخفوت.
امرأة رفضته—وفوق ذلك تحمل أسرارًا.
التفت إلى بلين، الذي كان ينظر إليه بدهشة بسبب ابتسامته المفاجئة،
التعليقات لهذا الفصل " 6"