خرج سيدريك من غرفته بعد أن انتهى من استعداداته للمغادرة.
على الرغم من أنه لا يزال هناك وقت طويل على بدء المأدبة، إلا أنه قرر أن الذهاب إلى الشركة لمراجعة تحضيرات المعرض الوشيك أفضل من إضاعة الوقت في المنزل.
وبينما كان يهمّ بالمرور أمام غرفة الاستقبال بخطوات واسعة، تناهى إلى مسامعه أصوات عدة أشخاص بالداخل. يبدو أن إيفون وكاثرين كانتا هناك.
في تلك اللحظة، فُتح باب غرفة الاستقبال المغلق، وخرجت امرأة غريبة تبدو وكأنها من خارج القصر.
التفت سيدريك نحو ذلك الاتجاه دون تفكير، فوقع بصره على امرأة ترتدي فستان زفاف.
كانت عينا إيفون، وهي ترتدي فستان الزفاف الأبيض الناصع، غارقتين في هدوء كئيب لا يليق بعروس جديدة.
ومع ذلك، كانت المرأة جميلة.
بشكل يخطف الأنظار.
***
أصبحت فضيحة ديريك وإيفون حديث الساعة حتى بين عابثي المجتمع المخملي.
“إذًا يا ديريك، هل نمت مع تلك المرأة حقاً؟”
“هل غمرت وجهك في صدرها فعلاً؟”
كانوا يلحون عليه في كل مرة يلتقونه، ويضغطون عليه ليتحدث عما جرى في ذلك اليوم.
لكن ديريك كان يتجنب الإجابة حتى الآن.
ففكرة أن يضطر للكذب بشأن امرأة أهانته وأذاقته المرار عدة مرات، وهو الذي لم يلمسها حتى، كانت تثير حنقه.
وبالطبع، بما أنه لا أحد يعلم حقيقة ما جرى، كان بإمكانه الكذب ببساطة، لكن كبرياءه وحده هو ما كان يمنعه من ذلك.
إلا أن موقفه تغير تماماً في اللحظة التي دخلت فيها مجموعة من الرجال إلى الشرفة المجاورة.
تجمدت نظرات ديريك وبردت تماماً حين لمح أخيه غير الشقيق من بينهم.
ودون أن يلاحظ أحد العابثين الأجواء التي أصبحت حادة بشكل غريب، عاد أحدهم ليدفع ديريك نحو الكلام مرة أخرى:
“يا رجل، لا تكن هكذا وأخبرنا فحسب. دعني أحصل على متعة بديلة بامرأة لن تكون لي أبداً.”
يبدو أن هؤلاء سمعوا ما قيل؛ فقد التفت بعض رفاق سيدريك نحوهم وبدأوا يتهامسون.
حينها فقط، وجه سيدريك – الذي كان يدخن سيجاره بصمت – نظراته نحوهم. نظرة غارقة في السأم واللامبالاة استقرت على ديريك.
وعندما التقت أعينهما، رفع ديريك طرف شفته بابتسامة ملتوية والتفت إلى أصدقائه، وأخيراً أعطاهم الإجابة التي كانوا يتوقون لسماعها.
“كان الأمر ساحراً.”
“واو، يا لك من مجنون! هل نمت مع ابنة الدوق حقاً؟”
“في البداية تدللت قليلاً… لكنها كانت ساذجة، فما إن تلطفت معها بالقول حتى استسلمت بسرعة.”
“وبعد ذلك؟ ماذا حدث؟”
“بعد ذلك، كان الأمر سهلاً. بما أنها كانت عذراء، كانت تذوب وتفقد صوابها من كل لمسة.”
ومع كل كلمة ينطق بها ديريك، كانت بطلة هذا الحديث الغائبة تُجرد من ثيابها طبقة تلو الأخرى.
بمجرد تخيله لذلك المشهد، انتابه وهمٌ وكأنه عانق إيفون حقاً في ذلك اليوم.
تلك المشاعر القذرة التي شعر بها لاضطراره الكذب بشأن امتلاك امرأة لم يمتلكها بعد، تلاشت في لحظة بمجرد تفكيره في تعابير وجه سيدريك وهو يستمع لحديثه.
لكن، وخلافاً لتوقعاته أطلق سيدريك ضحكة خفيفة. ومع تلك الضحكة المنخفضة، انبعث دخان السيجار ليعلق في الهواء بكسل.
“هل أنت متأكد حقاً أنك نمت مع تلك المرأة؟”
“لماذا؟ هل يراودك الفضول؟”
“لأنني رأيتك في ذلك اليوم تبحث عن ابنة الدوق، وفي النهاية عدت إلى قاعة الحفل خالي الوفاض.”
تصلبت ملامح ديريك التي كانت ترسم ابتسامة واثقة في لمح البصر.
سيدريك يعلم ما حدث في ذلك اليوم.
ولكن، حتى لو كان سيدريك قد شهد ما جرى، لم يكن بإمكان ديريك الاعتراف بذلك هنا. فربما كان أخيه غير الشقيق ذو الحدس الحاد يحاول فقط الإيقاع به وتخمين الأمر.
حاول ديريك إخفاء مشاعره والتظاهر بالهدوء قدر الإمكان.
“…ألم تشتبه في شخص آخر؟”
“وهل يُعقل أن يخطئ أخٌ أكبر في معرفة أخيه الأصغر الوحيد؟”
أنت؟ لن تخطىء في معرفتي؟
قبض ديريك على قبضته بقوة. بدا له أن عيني سيدريك الزرقاوين الخاليتين من أي أثر للضحك تسخران منه.
وبينما كان رفاقه يتبادلون النظرات القلقة بعدما استشعروا الأجواء غير العادية بين الأخوين، وضع سيدريك سيجاره في المنفضة ونهض من مكانه.
“على أية حال، أنت أدرى بما حدث في ذلك اليوم، أليس كذلك؟”
بعد أن ترك سيدريك لأخيه غير الشقيق -الذي كان يرمقه بنظرات قاتلة- مساحة أخيرة لاختلاق الأعذار، خرج من الشرفة بخطوات متئدة. ومع ذلك، لم تعد نظراته توحي بالراحة فور خروجه من القصر.
“سيدي!”
في اللحظة التي خرج فيها من القصر وهو يفك ربطة عنقه التي كانت تزعجه اليوم بشكل خاص، سمع صوتاً مألوفاً.
كان بلين.
صعد سيدريك إلى العربة معه بشكل طبيعي. وقبل أن تتحرك العربة، انهمرت تقارير بلين.
“لقد اكتملت جميع تحضيرات المعرض العالمي. إذا استمر الأمر على هذا النحو، يمكننا الاستعداد لحفل الافتتاح غداً دون أي عوائق.”
كان سبب بقاء بلين في العمل لوقت متأخر ومجيئه للقاء سيدريك في هذا الوقت هو التحضير للمعرض الذي سيقام غداً.
وعلى الرغم من أن رئيسه -الذي أمره بالقيام بكل هذا العمل- بدا غارقاً في أفكار أخرى وهو يكتف ذراعيه، إلا أن بلين استمر في تقريره لعلمه أن سيدريك ليس من النوع الذي يهمل أمور العمل مهما بدا عليه التشتت.
“كذلك، عليك التوجه إلى القصر الملكي في وقت مبكر من صباح الغد لمرافقة جلالة الملك وحضور حفل الافتتاح. كما تعلم بالطبع.”
جرت العادة في المناسبات الوطنية أن تقع مسؤولية مرافقة الملك على عاتق المقربين منه، وخاصة النبلاء رفيعي المستوى.
ومع ذلك، لم يكتفِ الملك روبرت الخامس بتكليف سيدريك برئاسة هذا المعرض العالمي، بل أوكل إليه أيضاً مهمة مرافقته في حفل الافتتاح.
وعلى الرغم من معارضة النبلاء الذين اعتبروا هذا الشرف مبالغاً فيه بالنسبة لمجرد “رجل أعمال من عامة الشعب”، إلا أن روبرت الخامس لم يتراجع عن قراره.
يبدو أن الأحداث التي وقعت في مملكة روكس قد تركت انطباعاً عميقاً لدى الملك. وبالطبع، فإن الأموال التي كان يتم ضخها بانتظام لعبت دوراً في ذلك أيضاً.
لكن الشخص المعني، وهو أول رجل من عامة الشعب ينال شرف مرافقة الملك، لم يبدُ عليه أي تأثر.
بل على العكس، بدا مضطرباً قليلاً على غير عادته؛ لسبب ما غير متعلق بالمعرض.
وكأنما ليثبت شكوك بلين، كانت الكلمات التي خرجت من فم سيدريك لا علاقة لها بالمعرض على الإطلاق.
“هل هناك أي تقدم في البحث عن ميلينا وود؟”
“لا توجد أخبار جديدة بعد.”
“انشر المزيد من الرجال وابحث عنها بجدية أكبر.”
بعد أن أصدر سيدريك أمره، عقد ساقيه الطويلتين وألقى بجسده في عمق مقعد العربة. فجأة، تناهى إلى ذهنه صدى صوت إيفون.
“سأرحل أولًا. إلى أبعد مكان ممكن.. إلى مكان لا يعرفني فيه أحد.”
تذكر صورتها وهي تبدو سعيدة وهي ترسم مستقبلها بعد الرحيل.
وتذكر أيضاً صورتها وهي ترتدي فستان الزفاف، بعينين يملؤهما الحزن.
أغمض سيدريك عينيه محاولاً محو تلك الذكريات، لكنه شعر فجأة بجفاف شديد في حلقه وكأنه يشتعل نارًا.
***
أقيم حفل افتتاح المعرض العالمي في ضواحي مدينة لوتسيرن، حيث يُنظم المعرض.
ألقت إيفون نظرة خاطفة من نافذة العربة، واتسعت عيناها من شدة المفاجأة. أدركت حينها تماماً لماذا كانت سيندي تشعر بكل ذلك الضغط وهي تتفانى في تزيينها هذا الصباح.
‘يا إلهي، الناس هنا كثر جداً.’
كانت الساحة المركزية لموقع المعرض تعج بالحشود؛ من الوفود الدبلوماسية لمختلف الدول، إلى نبلاء هيرينغتون، ورجال الأعمال المحليين والأجانب المشاركين في أقسام المعرض، وصولاً إلى الصحفيين والمتفرجين الذين جاءوا لمشاهدة هذا الحدث العالمي.
ومن بين تلك الحشود، برزت فتيات هيرينغتون اللواتي ظهرن لأول مرة في المجتمع، وقد بذلوا جهدًا كبيرًا في زينتهم.
المعرض العالمي حدث يستمر لثلاثة أشهر، وهو بمثابة ملتقى يجمع القارة بأكملها؛ مما يعني أن الناس من شتى بقاع القارة يتدفقون إلى لوتسيرن في هذا الوقت. وكان من البديهي وجود الكثير من الخاطبين المميزين من دول أجنبية بين هؤلاء.
لهذا السبب، بذلت فتيات هيرينغتون قصارى جهدهن في هذا المعرض العالمي.
وبالطبع، كان هذا الأمر لا يعني إيفون التي لديها خطيب بالفعل، لكن سيندي اشتعلت حماساً، قائلة “يجب أن تصبحي يا آنستي ألماسة المجتمع الراقي!”.
ابتسمت إيفون بهدوء وهي تتأمل نتيجة ذلك الحماس في انعكاس صورتها على نافذة العربة.
‘بفضلها، ربما لن أكون ألماسة المجتمع، لكنني قد أصل لمكانة الزمردة على الأقل.’
وجهت إيفون شكراً صامتاً لسيندي في قلبها، ثم ترجلت من العربة برفقة لوغان.
كانت الحشود التي واجهتها في الواقع أكثر ضخامة مما بدت عليه من العربة. ولأول مرة في حياتها، شعرت بالخوف والرهبة من هذا التجمع الهائل، وفي الوقت نفسه، تسلل إلى قلبها القليل من الحماس.
توجهت إيفون نحو مقعدها المخصص تحت حماية مرافقيها. لكنها توقفت فجأة فور وصولها.
“أوه، لقد وصلت يا سمو الدوق. تفضلي بالجلوس أيضاً يا آنسة إيفون.”
“أحيي سمو الدوق.”
بجانب مقعدها، كانت عائلة غلاستون بأكملها تجلس هناك؛ ديريك، وكاثرين، وحتى كارلايل.
“يبدو أن منظمي حفل الافتتاح قد اختاروا هذه المقاعد عن قصد. إنهم حقاً يتقنون عملهم.”
ربما فعلوا ذلك مراعاةً منهم للعلاقة بين العائلتين، لكن بالنسبة لإيفون، لم تكن هذه المراعاة سارة على الإطلاق.
تبادلت إيفون التحية مع الثلاثة وجلست في مكانها. كان الدفء المنبعث من المقعد المجاور يزعجها رغم عدم وجود تلامس.
وعندما اكتمل توافد النبلاء والبعثات الدبلوماسية تقريباً، تعالت الجلبة فجأة في الأرجاء.
التفتت إيفون نحو مصدر الصوت فأدركت سبب ذلك الضجيج.
التعليقات لهذا الفصل " 30"