1
الشعورُ خانق… أجل، إنه كذلك.
عشرون عامًا وهي معتادة على أحاديث الجميع من حولها… لكنها الليلة تشعر بأن الأصوات تضغط على رأسها، تختنق داخل صدرها كأن الهواء صار أثقل من المعتاد.
جلست إڤانيا في مكانها الدائم أمام البحر—المكان الوحيد الذي تهرب إليه عندما تحتاج أن تلملم أجزاء قلبها البريء—وتركت دموعها تنساب بلا توقف.
بكت كثيرًا… حتى ظهرت قطرات الدموع على ثياب فخذها وهي تخفض رأسها، فيغطي شعرها البني وجهها من كلا الجانبين كستار يحميها من العالم.
وخلال بكائها، كان جسدها يتصرف وحده كما يفعل دائمًا في لحظات الانهيار؛
إصبعها السبّابة يتحرك لا إراديًا بجانبها، يخدش السطح القريب منها بخطوط صغيرة متكررة، حركة تعرفها جيدًا… لم تكن تنظر، ولا تشعر بما تلمسه، فقط تستمر بالخدش كأن هذه الحركة تُعيد إليها قدرًا من التوازن وسط الفوضى.
مرت دقائق… وبدأت شهقاتها تهدأ، وأنفاسها تعود ببطء.
ومع الهدوء… عاد وعيها حاسة بعد أخرى.
وفجأة… انتبهت.
الملمس تحت إصبعها ليس الملمس المألوف لخشب المقعد.
كان باردًا…
وصلبًا…
لكن لزجًا….
تجمدت يدها.
رفعت إصبعها ببطء، تتبعت السطح بعينيها، ثم استدارت ببطء ثقيل… وكأن قلبها يعرف أنها على وشك رؤية شيء لا يجب أن يكون موجودًا.
كانت تخدش يد رجل.
يد تنزف بالفعل.
يد لم تدرك وجود صاحبها وهي تهرول للبكاء دون وعي.
رفعت رأسها بسرعة، فرأت الرجل يجلس بجانبها، رأسه مسند للخلف على الكرسي، وفكه الحاد متصلب في صمت ثقيل.
ثم تحدث… بصوت منخفض هادئ، لكن هدوءه كان مخيفًا:
“ولكن… هذا كثير….. ألا توافقينني؟”
شهقت إڤانيا بقوة، كأن الهواء انقطع عنها، وقفزت واقفة في عجل، وصوتها يتكسّر من التوتر:
“آ… آسفة… سيدي… أنا آسفة… الدماء… الدماء خرجت بسببّي… أنا لم—لم أقصد…”
وعيناها تتحركان بسرعة بين يده ووجهه دون أن تجرؤ أن تثبت نظرها على أيٍّ منهما، كأن المواجهة أصعب من أن تتحملها.
بعد أن كان مغمض العينين، فتح بصره عليها ببطء.
نظرةٌ باردة… ثابتة… تفحصت ملامحها كما لو أنه يقرأ فوضى روحها من فوق جلدها مباشرة.
رأى وجهها المبعثر:
خصلات شعر مبللة، خدود متوردة من البكاء، شفتان ترتجفان محاولة الثبات.
كانت كثيرة الحركة بشكل لا يمكن تجاهله—أصابعها تنقبض على ثوبها، عيناها تهربان منه كل ثانيتين بل تتجه إلى أي شيءٍ على الأرض عداه، وقدماها ترتجفان كأن الأرض نفسها تهتز تحتها.
رفع يده المصابة قليلًا، نظر إلى ظهرها الملطخ بالدماء، وتنهد… تنهُدًا عميقًا أثقل الهواء بينهما.
ثم أعاد يده إلى موضعها وأغمض عينيه مرة أخرى، وكأنه لا يهتم..
أما إڤانيا…
فوقفت مكانها لحظة، تتنفس سريعًا، أصابعها متشابكة بعصبية في ثوبها.
ثم… أخذت خطوة صغيرة نحوه، خطوة بالكاد تُسمع، وكأن الأرض ستعترض طريقها إن تحركت بسرعة أكبر.
مدّت يدها المرتجفة إلى جيبها الداخلي، أخرجت منديلاً قماشيًا صغيرًا مرتبًا بعناية كما اعتادت دائمًا أن تحفظ أشيائها.
وقفت أمام يده المصابة…
لكنها لم تستطع لمس بشرته.
كان ذلك صعبًا عليها—ليس فقط لأنها تخاف إيذاءه، بل لأن اللمس المفاجئ يربكها ويفقدها اتزانها.
اقتربت أكثر… لكن من دون أن تلمسه.
أمسكت طرف المنديل من زاويتين فقط، وبدأت تلفه حول جرحه بحذر شديد، حركة بطيئة محسوبة، كأنها تربط قطعة زجاج قابلة للكسر.
كانت يدها ترتعش مع كل محاولة لتجنب ملامسة جلده.
وعندما اقترب المنديل من بشرته لدرجة خيوط قليلة… سحبت أنفاسها، تكتم نفسها لكي لا ترتبك أكثر، ثم أربطته بإحكام دون أن تلمسه فعليًا، فقط باستخدام أطراف المنديل نفسها.
رفعت عينيها إليه لجزء من الثانية—ثم هربت نظرتها بسرعة.
همست بخفوت، يكاد لا يُسمع:
“آسفة… يجب… يجب أن توقف الدم.”
وبينما كانت إڤانيا تقترب بارتباكٍ حذر، تلفّ المنديل حول يده دون أن تلمسه، راقبها هو بنصف نظرة… بطرف عينه فقط، دون أن يحرّك رأسه أو يظهر أي اهتمام زائد.
رأى ارتجاف أصابعها، وتجنّبها للّمس، وتشتّت نظراتها التي لا تستقر على شيء.
لاحظ طريقة تنفّسها السريع… وكيف تمسك بثوبها كلما زاد التوتر.
كل حركة فيها كانت تقول شيئًا بوضوح لمن يعرف كيف يقرأ.
وفي داخله، بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا هو، قال:
“فتاةُ توحّد…”
لم يكن وصفًا عابرًا، بل استنتاجًا تامًا؛
فهو يعرف هذه التفاصيل جيّدًا، يعرف أنماط السلوك الدقيقة تلك، بحكم عمله الذي يجعله يرى الكثير من الأشخاص ذوي السمات المشابهة.
ظلّ يتابعها بنظرة جانبية ساكنة حتى انتهت من ربط المنديل، ثم تراجعت بخطوات صغيرة، خافتة، وغادرت وهي تحاول الاختفاء من العالم كله.
حين ابتعدت خطواتها، تنفّس هو بعمق، وحدقت عيناه إلى الأمام.
رفع يده قليلًا ونظر إلى المنديل الملفوف بإتقان رغم ارتجافها، ثم ابتسم ابتسامة ساخرة باهتة:
“حتى في لحظة راحتي القصيرة من العمل… أُصاب.
كم أنا محظوظ.”
و في هذه الأثناء لم يكن يعلم أنه مراقب منذ وصولة من المطار.. كانت مراقبة لا تهدف إلى الخيرِ أبداً…
“جاء إلى البحر ليقابل إحداهن… أظن أنها القاضية الجديدة و كان يحاول إقناعها أن ترفض الدعوة”
“القاضية؟!.. ألم تظهر صورتها بعد؟!..”
“كلا سيدي.. لن يفصحوا عن صورتها حتى تحضر المحكمه أولاً”
“أحضر من كانت معه إذاً… سأقنعها بنفسي”
التعليقات لهذا الفصل " 1"