الفصل الرابع: روزيتا كوك بينيترا⁴.
تلك الرائحة الواخزة… يبدو أنَّ تلك الخبيثة قد خلطت الخل بماء الاستحمام بدلاً من الزيت العطري.
“أخبريني، كم قضيتِ من الوقت في العمل هنا؟”
“هه… أكثر من سنة بقليل.”
أجابت الخادمة ببرود، بل تنهدت بملل وكأنَّ قوة الصفعة لَمْ تكن كافية لردعها.
“أرى ذَلك. أكثر من سنة… فترة كافية لتعرفي ذوق سيدتكِ حتى وأنتِ مغمضة العينين.”
نظراتها تقول “وماذا في ذَلك؟”، وكأنها هي السيدة هنا، أيتها السافلة. تظاهرتُ بالهدوء، لكن داخلي كان يغلي غضباً، فغرزتُ أظافري في فخذي مجدداً لأتمالك نفسي. لقد امتلأ جسدي بالندوب من كثرة فعل ذَلك.
“ما اسمكِ؟”
“… تيماري.”
“حسناً يا تيماري. اذهبي واستدعي رئيسة الخادمات فوراً.”
“رئيسة الخادمات في إجازة، وليست موجودة حالياً.”
إجازة؟
لا عجب أنها تتصرف بكل هَذهِ الوقاحة. يبدو أنها ظنت أنَّ غياب المسؤول سيميع الأمر، وسينتهي كالعادة بمجرد “نوبة غضب” أخرى مني.
“ومتى ستعود؟”
“هاا… أظن أنها ستعود قبل ظهر اليوم، لكنني لا أعلم التفاصيل.”
“حقاً؟ إذن لا حيلة لي. اذهبي واستدعي كبير الخدم فوراً.”
إذا غاب مسؤول، نأتي بمسؤول آخَر، أليس كذَلك؟ اتسعت عينا تيماري من الصدمة عند سماع أمري.
“…… الآن؟”
“هل تراجعين أمري؟”
“كبير الخدم مشغول جداً بـ-“
قاطعتُ كلماتها بصفعتين متتاليتين، واحدة على الخد الأيسر وأخرى على الأيمن. لا أعلم إنْ كان وجهها قد احمرَّ من الغضب أم من أثر الضرب، لكن تيماري نظرت إليَّ بعينين تشتعلان شرراً.
“آموركِ للمرة الأخيرة. استدعي كبير الخدم.”
لَمْ تمر سوى دقائق حتى سُمع طرق على الباب. أومأتُ برأسي للخادمة الأخرى لتفتح. كان مظهر كبير الخدم وهو يحاول غض بصره بتبجيل حين رآني بملابس الاستحمام مضحكاً للغاية. خلفه، كانت تيماري تقف بملامح واثقة، وكأنها عشيقة حصلت على ظهر تستند إليه؛ يبدو أنها أخبرتْه بما يحلو لها أثناء الطريق.
“قيل لي إنكِ طلبتِني يا آنسة.”
“هذه الخادمة التي تقف خلفك وتنظر إليَّ بكل صلف… هل صحيح أنها تعمل هنا منذ أكثر من سنة؟”
“نعم.. هكذا يبدو.”
“إذن يا كبير الخدم، هل تعلم ما هو الزيت العطري الذي أستخدمه؟”
“… على حد علمي، أنتِ تفضلين (روميو جاردن) من ماركة أورفيدوم.”
“تعلم ذَلك جيداً. إذن أسألك: هل هناك سبب لإبقاء خادمة غبية في بيت الدوق، لَمْ تستطع حفظ نوع عطر سيدتها طوال سنة كاملة؟”
هل الفضل يعود لحرق زهور البانيلنيا؟ قبل عودتي، كان السم قد أفسد قدرتي على التفكير أو التصرف بوضوح، لكنني الآن أشعر أنَّ لساني ينطلق ببراعة.
‘اليوم، سأسحق الجميع.’
انتظرتُ رد كبير الخدم بملامح منتصرة. رمقني بنظرة غامضة؛ فمن الطبيعي أنْ يرى “سيدته الصغيرة” التي كانت تكتفي بالصراخ والركل، وهي اليوم توبخ بمنطق سديد وحجج دامغة.
“… سآخذها معي لأؤدبها جيداً، فهل لكِ أنْ تغفري لها هَذهِ المرة يا آنسة؟”
قال ذَلك وهو يرمق تيماري بنظرة لوم. ممم، يبدو أنَّ كبير الخدم أيضاً يستخف بي ويحاول وضع شروط. تنهدتُ وكأنني أشعر بالأسف وأجبته:
“لا أظن أنَّ مَن فشل في التعلم طوال سنة من التدريب الصارم سيتعلم في بضعة أيام. إن لَمْ تنفذ أمري، سأذهب بنفسي وأخبر والدي.”
بمجرد أن استدرتُ نحو الحمام، صرخت تيماري بقهر:
“التصرف في شؤون الخدم من صلاحيات السيدة (زوجة الدوق)!”
تجرات على الصراخ في وجه سيدتها وهي ترتجف غضباً، فقام كبير الخدم بتوبيخها فوراً. لا، لا تفعل ذَلك، أنا ممتنة جداً لهَذهِ السافلة لأنها نطقت بهذا الكلام الآن.
“قلتِ إنها من صلاحيات والدتي؟”
“…… آه! لَمْ أقصد… لقد، لقد زلَّ لساني.”
“زلَّ لسانكِ؟ إذن تقصدين أنها ليست من صلاحياتها.”
“……”
“تؤ تؤ، يا لكِ من متهورة.”
في النهاية، خفضت تيماري رأسها وهي تشبك يديها بقوة، غير عارفة ماذا تفعل. هززتُ رأسي بأسى ووضعت يدي على جبهتي.
“خطؤكم أيها الخدم هو دليل على أنَّ سيدة القصر أهملت إدارة البيت. لذا عليَّ الذهاب فوراً لوالدي وأخبره بكل تفاصيل إهمال والدتي ليجردها من صلاحياتها، وأنزِل بكِ العقاب المستحق.”
شحب وجه تيماري ونظرت إليَّ وإلى كبير الخدم بذهول. الدموع تجمعت في عينيها؛ لَمْ تتوقع أبداً أنَّ جملة متهورة منها ستجعلني أشكك في أهلية ريانا، زوجة الدوق الحالية. شعر كبير الخدم أنَّ الأمر سيتفاقم، فحنى رأسه بسرعة وناشدني بصوت مخلص:
“آنسة، لقد أخطأتُ في تقديري بسبب قلة خبرتي. سأخبر السيدة بكل ما حدث اليوم بالتفصيل وسأعاقب تيماري.”
“… من المحزن أنْ تكون حتى أنت يا كبير الخدم غير خبير.”
“أعتذر بشدة. سأتخذ إجراءات صارمة لضمان عدم تكرار ذَلك.”
“خذها واخرج.”
بكت تيماري أخيراً وهي تُساق خارج الغرفة. ساد الصمت بيني وبين الخادمة ذات الشعر البرتقالي. كانت الفتاة الصغيرة تراقب سقوط زميلتها السريع أمام عينيها، فظلت صامتة تنتظر مصيرها.
“ما اسمكِ؟”
“…… اسمي فيني هافني، يا آنسة.”
“حسناً يا فيني. ماذا تريدين أن تفعلي الآن؟”
“الـ، الماء قد برد، لذا سأعيد تسخينه… وسأجهز الزيت العطري الذي يناسبكِ.”
كانت ترتجف كالأرنب لكنها تتحدث بذكاء، يبدو أنها سريعة البديهة. أوكلتُ لفيني مهمة الاستحمام والتزيين مؤقتاً. ويبدو أنَّ وعدها بخدمتي بصدق لَمْ يكن كذباً؛ فقد غسلتني بعناية لدرجة أننا اضطررنا لتغيير الماء مرتين. كانت رائحة جسدي منعشة لأول مرة منذ زمن.
* * *
بينما كنتُ أتوجه للمبنى الرئيسي، كنتُ أشعر بانتشاء بسيط بسبب هَذا الانتعاش. فيني هَذهِ تملك يداً بارعة. في العادة، تحتاج سيدة النبلاء لثلاث أو أربع خادمات للتزيين، لكن فيني فعلت ذَلك وحدها. استغرق الأمر وقتاً، وتغاضيتُ عن حقيقة أنني لا أملك فساتين منزلية مناسبة بسبب عزلتي الطويلة. كنتُ سأستشيط غضباً لو اضطررتُ لارتداء فستان قديم الطراز أمام أوديت التي ستمثل دور القديسة.
– “شهيق، أختي روزيتا. إنْ أعجبكِ أي فستان من فساتيني، يمكنكِ أخذه.”
مستحيل، لا أريد! أفضّل الذهاب عارية على أنْ أرى أوديت وهي تثير شفقة الخدم وتكسب ودهم. فكرتُ في اختلاق عذر بأنني استيقظتُ باكراً ثم عدتُ للنوم، لكن فيني أخرجت فستاناً بلون أزرق تيفاني جميل جداً من الخزانة.
“يبدو أنها هدية، لَمْ تُفتح بعد. لذا فهي نظيفة جداً ولَمْ يصبها الغبار.”
هل تخبرينني بكسل زميلاتكِ هكذا؟ بدت فيني سعيدة وهي تضع بعض الحلي المتناسقة أمام المرآة. كان لديها حق في السعادة؛ فالخادمات اللاتي يخدمن الآنسات يستمتعن برؤية الأشياء الجميلة واللامعة، بينما ما كنتُ أريهنَّ إياه سابقاً هو غرفة فوضوية وملابس نوم مصفرة.
“ألا يوجد اسم لِمَن أرسل الهدية؟”
“نعم، لَمْ تكن هناك أي ملحوظة.”
بما أنَّ هناك شخصاً واحداً فقط في العالم يمكنه إرسال هدية دون اسم، قررتُ ألا أسأل أكثر. بعد مدة، أخبرتني فيني أنني يمكنني فتح عينيَّ لآرى انعكاسي في المرآة.
【أوه، أنتِ جميلة.】
لستُ أنا مَن قال ذَلك. كان سينغ هو مَن يتحدث، فقد ظهر فجأة خلفي وبدأ يتغزل كأنه رجل لعوب: “هوي، أيتها الآنسة الجميلة، ما اسمكِ؟ أين عنوانكِ؟”. لَمْ أرد عليه لأنني لا أريد أنْ أبدو مجنونة تتحدث مع الفراغ أمام فيني.
‘قبل قليل كنتُ أبدو كجثة هامدة…’
لكن بعد أن وضعت فيني لمسات من اللون الوردي على وجنتيَّ وعظمة الترقوة البارزة، بدوتُ بصحة جيدة وجمال لافت. بشرتي الشاحبة أصبحت تلمع، كما وضعت فيني شالاً سميكاً على كتفيَّ ليخفي هزالي. ضحكتُ بخفوت؛ فقد استعدتُ شكلي الذي كنتُ عليه قبل أنْ أطلب الحبس.
“لديكِ مهارة رائعة.”
“آه… شـ، شكراً لكِ يا آنسة.”
ما خطبها؟ لِماذا يحمر وجهها هكذا؟ بدت فيني وكأنها فتاة صغيرة في أول حب لها، وبدأت تضع لي عقد اللؤلؤ بعناية. كان مظهراً مشرقاً وبسيطاً يليق بالمناسبة، فأثنيتُ عليها وأمرتها بأن تتولى تزييني دائماً. حينها لمحتُ سينغ وهو ينظر إليَّ بتركيز شديد، فنظرتُ إليه بحدة، لكنه همس بجدية وهو يسند ذقنه بيده:
【يجب أنْ تصبحي عزيزتي حقاً…】
ماذا يهذي هَذا المجنون؟ لزمتُ الصمت كالعادة، ثم توجهتُ نحو المبنى الرئيسي وخلفي فيني وسينغ، حتى وصلنا أمام غرفة الطعام.
“كنتُ بانتظاركِ يا آنسة.”
حنى كبير الخدم رأسه حين رآني. فُتح باب غرفة الطعام ببُطء شديد… ربما بسبب ترددي في الدخول، أو بسبب نظرات الحارس المزعجة.
“لقد تأخرتِ يا روزيتا. أليس جسدكِ متعباً؟ كان يمكنكِ تناول الطعام في غرفتكِ…”
“كان يجب أنْ نذهب معاً. أختي، اجلسي بسرعة، الجميع كان بانتظاركِ.”
لكن المهم الآن، هو أنَّ قلبي بدأ ينبض بعنف بمجرد رؤيتهما. ريانا وأوديت. تلك الأفاعي التي دخلت بيت بينيترا كالفئران، وتسببت في دمار والدي ودماري.
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"