الفصل الحادي عشر: لنلقِ نظرةً أخرى على القمامة الملقاة¹.
“…… بيني.”
“نعم، يا آنستي!”
“عودي إلى غرفتي فوراً.”
“ماذا؟”
“اذهبي واستمتعي بمشاهدة صناديق الهدايا مع زميلاتكِ الجديدات.”
دون أن أعطيها فرصةً للرد، أمسكتُ بكتفي بيني ودفعتها داخل الغرفة. سمعتُ صرختها وهي تنادي “آنستي!”، لكنني أغلقتُ الباب بقسوة. لمحني أحد الفرسان الذين يحرسون الممر بنظرةٍ توحي بأنه يتساءل: “هل بدأت نوبات هيسترياها مجدداً؟”.
‘تباً، أيُّ آنسةٍ نبيلةٍ تتجولُ في القصر دون وصيفةٍ خاصةٍ تلازمها؟’
سرْتُ في الرواق حتى تأكدتُ من غياب الأعين، ثم قلتُ:
“أين كنتَ تتسكعُ منذ الصباح؟”
【هل اشتقتِ إليَّ؟】
“……”
【اممم، أرى وجهكِ يحتقنُ غضباً، يبدو أنَّ تخميني خاطئ.】
“…… إذا لَمْ تكن ترغبُ في رؤيتي وأ أنا أصبُّ جام غضبي هنا وأتحولُ مجدداً إلى ‘وردة بينيترا المجنونة’، فعليك الإجابة عما أسأل.”
برقتُ عينيَّ بحدةٍ وأنا ألحُّ عليه، فأعطاني سينغ إجابةً صادمةً بنبرةٍ عاديةٍ كأنه كان يراقبُ قطةً تمرُّ في الطريق:
【لقد ذهبتُ لزيارة شقيقتكِ قليلاً.】
“؟”
【هي الآن تتزينُ بملابسها الفاخرة الطويلة.】
…… أيُّ هراءٍ هذا؟
لَمْ أدرِ هل أوبخه لأنَّه تجرأ على تركي واللحاق بـ أوديت، أم أنَّه مجرد شبحٍ “زير نساء” يرغبُ في التودد لكل امرأةٍ يراها. لَمْ أستطع تقدير رد الفعل المناسب تجاه اعترافه الصريح بالتجسس على الآخرين.
【لا أعلمُ ما الذي تتخيلينه يا عزيزتي، لكنني ذهبتُ فقط لعلي أسمعُ لكِ خبراً ثميناً أنقله إليكِ.】
“……”
【ما هذه النظرة المليئة بالشك؟ هذا يسيءُ إليَّ كثيراً.】
لَمْ يكن كلامه يوحي بالثقة تماماً، لكنني وجدته سبباً منطقياً إلى حدٍ ما.
‘على أي حال، بما أنَّ الأعداء الذين سأدعسهم كثر، فلا بأس من الاستفادة من ميزات الأشباح.’
أحياناً أنسى أنَّ سينغ شبحٌ لأنَّه يتصرفُ كالبشر تماماً؛ فهو يستطيعُ الدخول والخروج كما يشاء وتجاوز الجدران. بالتفكير في الأمر، لَن أجد مصدراً للمعلومات أفضل منه.
“حسناً، إذا كان لديك خبرٌ ثمين، فهاته.”
سألتُه بنبرةٍ متعالية، فأجابني سينغ ببساطةٍ وتجردٍ تامٍ من الحذر:
【سيأتي فودكوس تشيسيا خلال هذا الأسبوع.】
“؟”
【ما رأيكِ؟ ألم أبلِ بلاءً حسناً؟】
يا له من رجلٍ خفيفٍ ومبتهجٍ بشكلٍ مبالغٍ فيه. وقبل أن أتعجب من براءته المصطنعة، تابع كلامه:
【روزي، كانت هناك رسالةٌ من فودكوس يقول فيها إنه سيأتي لعيادتكِ في مرضكِ. يبدو أنه لَمْ يعلم بعد أنَّ قرار الإقامة الجبرية قد أُلغي.】
“بالطبع، فقد حدث الأمر صباح أمس فقط، ومن المستحيل أن يصل النبأ إليه بهذه السرعة. لكن الأهم من ذلك، هل تتبادل أوديت وتشيسيا الرسائل؟”
غلى الدمُ في عروقي. كنتُ أتساءلُ متى بدأت علاقتهما القذرة……. وعند هذه النقطة، يمكنني أن أصدق أنَّ شرارة الحب بينهما اشتعلت منذ لحظة دخول أوديت إلى هذا المنزل. ولعلَّ سينغ لاحظ مرارة ضحكتي، فأضاف جملةً أخرى:
【معظم الرسائل المتبادلة بين شقيقتكِ وفودكوس كانت تتحدثُ عنكِ وأنتِ مريضة.】
“…… لا داعي لمحاولة مواساتي بلا فائدة.”
【اممم؟ معذرةً، لكنني لا أملكُ من الرأفة ما يكفي لمواساتكِ بمثل هذه الأمور يا روزي. أنا فقط أنقلُ لكِ الحقائق.】
“هل تعلمُ أنك ثقيلُ الظل حقاً؟”
رغم أنني زمجرتُ في وجه سينغ الذي يختارُ كلماته المستفزة بعناية، إلا أنَّ تأكيده على الحقيقة جعلني أهدأ قليلاً. فمن شبه المستحيل أن يبدأ تشيسيا بإرسال رسائل لـ أوديت؛ لأنَّ رجلاً مثله يهتمُّ ببرستيجه لَن يسمح لنفسه بالتواصل سراً مع شقيقة خطيبته.
‘إذن، لا بد أنَّ أوديت اتخذت من أخباري ذريعةً لتبادل أي حديثٍ معه.’
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمالية أنها كانت تستخدم أخباري كخلفيةٍ لتهمس له بمشاعرها الخاصة تدريجياً.
【ويبدو أنَّ كل الرسائل القادمة إليكِ تذهبُ إلى شقيقتكِ، هل كنتِ تعلمين ذلك؟ هذه الرسالة التي أرسلها فودكوس كان اسمكِ مكتوباً عليها كمرسلٍ إليه.】
“…… ماذا؟”
【يا للهول……. يبدو أنَّ شقيقتكِ قد أحكمت قبضتها على شؤون المنزل جيداً.】
حينها فقط تذكرت. عادةً، تصلُ جميع الرسائل الواردة للعائلة إلى رئيس الخدم أولاً. ورئيس الخدم يوزعها بدوره على المسؤولين المعنيين. لو سارت الأمور بشكلٍ صحيح، لكان من المفترض أن تحضر الوصيفات أو الخادمات الرسائل الموجهة إليَّ.
– “أختي، لقد وصلت رسالةٌ من السيد تشيسيا. هل تريدين مني أن أقرأها لكِ؟”
في اللحظة التي أدركتُ فيها أنَّ كل الأخبار التي كانت تصلني كانت تمرُّ عبر أوديت، شعرتُ بخزيٍ شديدٍ من نفسي.
“هاها، صحيح……. لقد كانت أختي دقيقةً جداً في خطتها.”
إلى أي مدى كانت أوديت تتلاعبُ بي طوال ذلك الوقت؟ فكرةُ أنَّ كل شيءٍ حولي مصبوغٌ بلون أوديت جعلتني أشعر بالإهانة والقشعريرة. أيُّ حقدٍ هذا الذي جعلها تنتظر بصبرٍ كوحشٍ كاسرٍ حتى تنقضَّ على حياتي وتقتلعها دفعةً واحدة؟ تملكني الرعبُ لدرجة أنني تراجعتُ عن طريقي نحو مكتب والدي وعدتُ أدراجي. بمجرد دخولي غرفتي، التفت إليَّ أولئك الذين كانوا منهمكين في الترتيب. في تلك اللحظة، شعرتُ بغضبٍ عارمٍ وأنا أفكرُ أنَّ بينهم مَن يخططُ لإيذائي بمساعدة أوديت.
“اخرجوا جميعاً.”
“لكن، لم ننتهِ من الترتيب بعد…….”
“ألم تسمعوا؟ قلتُ اغربوا عن وجهي!”
صرختُ في وجههم بقبح، ففروا هاربين من الغرفة وهم يرتجفون ذعراً. لمحتُ نظرة ارتباكٍ في عيني بيني وهي تمرُّ بجانبي، لكنني لَمْ أملك رفاهية مراعاة مشاعرها الآن. عندما أدركتُ أنني عدتُ مجدداً لتمثيل دور الشريرـة التي كنتُ أحاول تغييرها، انهمرت دموعي قهراً وحزناً.
【…… من السيء أن تستسلمي لليأس هكذا، يا عزيزتي.】
بدا صوت سينغ المستاء وكأنه توبيخٌ لي. وكأنَّ هذا الذي اعتبرتُه في صفي يسألني: “هل هذا هو الوقت المناسب لدفن وجهكِ في الوسادة والنحيب؟”. صرختُ بمرارةٍ وسط دموعي:
“ماذا تريدُ مني أن أفعل! ما الذي أخطأتُ فيه ليحدث لي كل هذا؟ أنا فقط……”
【وهل هذا مهم؟】
“…… ماذا؟”
عقدت الدهشةُ لساني بسبب لهجة سينغ الباردة التي تخلو من أي مشاعر. أن يبدي رد فعلٍ لائمٍ بدلاً من المواساة لشخصٍ محطمٍ يبكي بحرقة! رفعتُ رأسي بأسى، لكن ملامح سينغ ظلت غير مرئية كما كانت. كان الأمرُ محبطاً حقاً.
【… ما أقصده هو، هل سيتغيرُ شيءٌ إذا وضعنا سبباً لكل غصةٍ تكسرُ قلبكِ؟】
“……”
【إذا تابَت شقيقتكِ فجأةً واعترفت بأخطائها وطلبت العفو، هل تملكين القدرة على مسامحتها؟ وإذا وقع فودكوس في حبكِ بشدة في هذه الحياة، هل تملكين الجرأة لقبول مشاعره؟】
المسامحة…… مستحيل أن أفعل. لقد عدتُ فقط لأذيقهم نفس اليأس الذي جرعوني إياه، ولأحمي ما هو لي. جلس سينغ الذي كان ينظرُ إليَّ بجمودٍ بجانب السرير وتنهد بخفة. وخلافاً للكلمات القاسية التي نطق بها فمه الماكر، شعرتُ بحرارةٍ في لمسة يده وهو يمسحُ دموعي.
【قد يكون الحقد المجهول السبب مخيفاً. لكن استسلامكِ للتشاؤم هكذا هو ما تريده شقيقتكِ، وليس ما ترغبين فيه أنتِ. فكري جيداً في السبب الذي جعلكِ تقررين التغيير.】
“……”
【إذا كنتِ تصرين على سماع سبب كرهها الشديد لكِ من فمها……. فعليكِ التغلب على خوفكِ الحالي، يا عزيزتي. الإجابات يكتبها المنتصرون، وليس الضحايا.】
نظم سينغ خصلات شعري المبعثرة وهو يحرضني بنبرةٍ خافتة. شعرتُ بطيف ابتسامةٍ في صوته. حينها فقط أدركتُ أنَّه يواسيني بطريقته الخاصة. ورغم أنَّ أسلوبه التعليمي جعل دموعي تجفُّ فجأة، إلا أنَّ الموقف كان نقيضاً تماماً لوالدي الذي كان يهرعُ لترضيـتي عند أدنى تذمرٍ مني. شعرتُ ببعض الغصة من أسلوبه؛ فقد كانت مواساةً “حادةً” للغاية.
【هيا، هيا! انهضي الآن. إلى أين كنتِ ذاهبةً منذ قليل؟】
“…… إلى والدي. لأخبره أنني أريدُ الذهاب إلى المأدبة أيضاً……”
【يا للهول، مَن تجرأ وأحبط عزيمة حبيبتي هكذا؟ تبدين محطمةً تماماً!】
أنتَ هو الفاعل، أيها النذل…….
بسبب ذلك البكاء، خارت قواي ولَمْ أعد أملكُ طاقةً سوى لشمّ أنفي. أصدر سينغ صوتاً يدلُّ على الحيرة، ثم فجأةً حملني عالياً كطفلةٍ صغيرةٍ وبدأ يرفعني وينزلني مراراً.
“أيها المـ… المجنون! أنزلني فوراً!”
【يا إلهي، يبدو أنَّ روزي مستمتعةٌ جداً بنشاطها هذا.】
هذا الرجل عديم الأدب، كيف يتجرأ على وضع يديه تحت إبطيَّ! وبما أنه أطول مني برأسٍ كامل، فقد شعرتُ وكأنني معلقةٌ في الهواء بعيداً عن الأرض.
‘هذا الشعور يشبه تماماً الرعب الذي كنتُ أشعرُ به حين كان أحدهم يحملني فوق أكتافه في صغري!’
ركلتُه بضع ركلاتٍ لأعاقبه على تعديه على “منطقتي المقدسة”. ومن الغريب أنَّ تلك المشاعر المظلمة التي تملكتني قبل قليل قد تلاشت حقاً بفضل حركته هذه وهو ينزلني قائلاً إنني استعدتُ نشاطي. تذمرتُ من هذا الشبح الذي يتلاعبُ بالبشر ببراعةٍ، لَمْ أعرف إن كان طيباً أم بارداً، لكنني نهضتُ في النهاية.
“تباً، كيف علق بي كائنٌ كهذا……”
【إنه القدر، يا عزيزتي.】
يا له من قدرٍ يجعلني أرغبُ في صفع وجه مَن كتبه. في تلك اللحظة، قرعتُ الجرس ثلاث مرات لاستدعاء بيني والخادمات الخاصات. طلبتُ منهنَّ إعادة إصلاح مكياجي الذي أفسدته الدموع وترتيب شعري الذي أصبح مشعثاً، بينما كنتُ أراقبُ نظراتهنَّ الحذرة تجاهي. طمأنتهنَّ بأنَّ مزاجي متقلبٌ هذه الأيام وطلبتُ منهنَّ تفهم ذلك، ثم توجهتُ مجدداً نحو مكتب والدي.
“إذا ذكرتِ غرضكِ، سأقوم بنقله.”
لكن الحارس اعترض طريقي بوقاحة. يا فتى، لقد كنتُ أبكي للتو ولا أملكُ طاقةً، لذا دعنا ننهي الأمر ودياً. صرختُ بأعلى صوتي أمام المكتب:
“أبيـييـي! ابنتكِ روزيتا كوكو ستدخلُ الآن!”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"