عند سماع الصّراخ الممزِّق، تفرّق الخَدَم الذين كانوا يترقّبون قرب غرفة الضيوف هاربين بسرعة.
“اللعين ابن شولتسمير!”
كنتُ أظنّه سيظلّ قابعًا هادئًا في دوقيّته.
“أيُّ أحمقٍ سمح لذلك الوغد بأن يخطو داخل إقليمي! ابحثوا عنه فورًا واقطعوا رأسه!”
تشرّخ!
صرخ الكونت كابيلّا صرخةً هستيريّة وهو يرمي الأشياء من حوله.
كنتُ أظنّها فرصةً ممتازة لترك دوقيّة شولتسمير تجفّ وتموت، لكن أن يظهر مثل هذا المتغيّر المفاجئ…!
كيف خرج بعد أن ظلّ محشورًا في دوقيّته لعشر سنوات؟
ألم يُخفِ اللعنة؟ أم لعلّ موعد موته قد اقترب فلم يعُد يخشى شيئًا؟
مهما حاول أن يحدّد من أين بدأ كلّ شيء يختلّ، لم يجد في النهاية إلّا الضّجر.
ورغم أنّه ظلّ مختفيًا طويلًا، إلّا أنّه كان يعلم أنّ أَستان ما يزال على قيد الحياة وبخير.
لم يستبعد تمامًا احتمال أن يأتي أَستان إلى القصر للبحث عنه.
كان رجلًا خطيرًا، لكنّه لن يتحرّك ما لم يُمَسّ أحدٌ رجاله، لذا لم يكن الكونت قَلِقًا كثيرًا.
وفوق ذلك، لم يكن أَستان بارعًا في الكلام، لذا ظنّ أنّ مواجهته لن تكون صعبة.
لكن أن يأتيه هذا المتغيّر غير المتوقَّع…!
“ما شأن تلك الفتاة المتعجرفة؟”
تلك الصغيرة التي لم تتراجع بكلمة، وردّت على حديثه بكلّ وضوح ودون خوف. ما كان اسمها؟
هدأ الكونت كابيلّا قليلًا محاولًا استعادة ذاكرته.
ذا… غراي؟ غلوري؟ آه، غلوريا.
“غلوريا ماكّين.”
قالوا إنّها خطيبة دوق شولتسمير.
كانت جميلة الملامح إلى حدٍّ ما، لكن مهما بلغ نقص النساء، من أين ظهرَت له فتاةٌ لا اسم لها ولا أصل…!
“مهلًا.”
فجأةً لمعت فكرة في رأس الكونت كابيلّا، فانطلق إلى مكتبه وبدأ يقلب صندوق الرسائل.
غلوريا ماكّين. ماكّين. أسرة الكونت ماكّين.
“ها هو.”
وبعد بحث طويل، أخرج الكونت رسالة.
كانت رسالة من أسرة الكونت ماكّين يبحثون فيها عن ابنتهم التي اختفت.
وكان اسم الابنة التي قيل إنّها اختفت في يومٍ واحد…
“…غلوريا ماكّين.”
ارتسمت ابتسامةٌ خبيثة على وجه الكونت ماكّين. شدّ الجرس مستدعيًا كبير الخَدَم.
“أرسِل ردًّا إلى أسرة ماكّين حالًا. قل لهم إنّنا وجدنا غلوريا ماكّين.”
***
“رأيتموه، صحيح؟ ذلك الوجه المذهول. لم يستطع الردّ على كلمة من الآنسة وصار وجهه يحمَرّ ويزرَق، هاه!”
راح لوغان يضحك وهو يمسك بطنه.
فتح أَستان فمه بوجه خالٍ من الابتسام.
“قال إنّه سيلغي قرار رفع الضّرائب اليوم، فلننتظر لنتأكّد فقط أنّه سيفعل حقًّا قبل أن نعود.”
سألت غلوريا بوجهٍ قَلِق:
“هل تُراه يغيّر كلامه؟”
“ليس غبيًّا إلى هذا الحدّ. ولكن…”
قال أَستان وهو يحدّق بعيونٍ حادّة نحو قصر الكونت:
“إن بدأ يتهرّب ثانية… فلن يكون أمامنا إلّا أن نعلّمه درسًا حقيقيًّا.”
راحت غلوريا تضحك بخفّةٍ وهي تراه يعبث بحلقة السّوار.
وبعد أن كتم لوغان ضحكه بصعوبة، سأل بفضول:
“لكن كيف عرفتم أنّ تكاليف الدفاع عن القصر مرتفعة؟”
“كبير الخَدم أراني الدفاتر. فوجدت أنّ جزءًا كبيرًا من النّفقات يذهب للدّفاع، فوضعته في بالي.”
“أوصلتِ إلى الدفاتر بالفعل؟ كما هو متوقّع من سيّدة القصر…”
وقبل أن يكمل لوغان كلامه، قاطعه أَستان بصوتٍ منخفض:
“لا تعودي لتدخُّلٍ كهذا في المستقبل.”
“كنتُ أتوقّع المديح.”
“تندفعين بلا تروٍّ ثم تنتظرين المديح؟”
“كلّ ما فعلتُه أنّي قلتُ ما يجب قوله، فأين الاندفاع هنا؟”
نقر أَستان بلسانه وهزّ رأسه.
ثمّ نظر إلى الجنود وهم يتجوّلون بالدّروع اللامعة وقال:
“مهما بدا أحمق فهو رجلٌ مخيف. يملك المال والرّجال، وفوق ذلك لديه خدمٌ مستعدّون للتخلّص من أيّ إزعاج. فتاةٌ صغيرة حمقاء مثلكِ قد تُمحى من الوجود دون أن يشعر أحد.”
“لكن ذلك لن يحدث.”
رفعت غلوريا يدها وقد لمع سوار الأماثيست.
“فأنت إلى جانبي، يا دوق.”
“لستُ إلهًا. لا تتصوّري أنّي قادرٌ على حلّ كلّ شيء.”
التعليقات لهذا الفصل " 29"