تحرّك أستان على الفور تاركًا الأمر لكولين، وانطلق نحو مقاطعة الكونت.
داخل العربة المتوجّهة إلى مقاطعة كابيلا كان يجلس كلٌّ من غلوريا، التي رافقته احتياطًا لأي طارئ، ولوغان الذي انضمّ كذلك للسبب نفسه.
وبما أنّ الزيارة سرّيّة، فقد استأجروا عربةً وسائقًا من الخارج حتى لا يتعرّف أحد على دوق شولتسمير. وهكذا أُتيح للوغان أن يستمتع بالرحلة براحة، فبدت عليه علامات السرور.
“لا بدّ أنّ الكونت كابيلا سيُفاجَأ عند رؤيتك فيهرب.”
“ولماذا؟ هل لأنّه يخشاك يا سمو الدوق؟”
“نعم. لعلّه لم يتوقّع أبدًا أن يتعنّى الدوق بنفسه فيأتي إليه بعد أن ارتكب ما ارتكب.”
لوّح لوغان بالرسالة في يده ضاحكًا بخفّة.
كانت الرسالة قد سُحقت بين أصابع أستان من قبل، لكنّ السيدة ميريوذار أعادت تسويتها بعناية عبر الكيّ. غير أنّ طرف الورقة احترق قليلًا مع الأسف.
“أتراه أقدم على ذلك دون أن يحسب أي عاقبةٍ تالية؟”
“قطعًا لم يحسبها.”
هزّ لوغان كتفيه وصرّح بثقة.
“فالدوق لم يغادر إقطاعيته منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره.”
“كلّ هذا الوقت؟”
ستة عشر عامًا… أي أكثر من عشر سنواتٍ مضت، ولم يبرح حدود الدوقية طوال تلك المدّة!
“هكذا هي الظروف.”
وأشار لوغان بعينيه إلى سوار غلوريا.
وبالفعل، إن كان الوضع في الإقطاعية نفسها كذلك، فلا عجب أن يكون الحال في الخارج أشدّ.
نظرت غلوريا نحو أستان بعينين يملؤهما الأسف. غير أنّه أعرض عنهما محدّقًا في النافذة.
فكما قال لوغان، لم يغادر أستان دوقية شولتسمير منذ أن بلغ السادسة عشرة.
في حياة أبيه، كان قد رافقه أحيانًا لزيارة إقطاعيات بعض النبلاء المقرّبين أو البلاط الإمبراطوري، لكن بعد وفاته قطع كل صلاته بالخارج ولزم دوقيته وحدها.
كان يخشى أن تتجلّى اللعنة أمام الناس فجأة.
ومن ثمّ شاع بين الناس أنّ لعنةً تمنعه من مغادرة دوقية شولتسمير.
ويبدو أنّ الكونت كابيلا استغلّ هذا الاعتقاد فأرسل ذلك الإشعار الأحادي الجانب.
“لقد أساء الكونت التقدير حقًّا.”
قال لوغان مبتسمًا ابتسامة واسعة.
فما ارتكبه كان جهلًا منه بأنّ أستان قد وجدني بالفعل.
بادلت غلوريا ابتسامةً رقيقة بعينيها، ثمّ سألت:
“كيف هو الكونت كابيلا؟”
“همم، لنرَ… كيف أصفه…”
“رجلٌ دنيء.”
قاطع أستان كلامه بصرامة.
“طماع، فطن، وما يظهر على وجهه يخالف ما يضمره في قلبه.”
“يا لها من كلماتٍ قاسية! هل لك معه ذكرى سيئة؟”
“بحسب ما قال لي ليز، عندما وُلدت أنا أصرّ الكونت على أبي أن يقتلني.”
“آه…”
“وربما إن فكّرتُ الآن، لم يكن كلامه بعيدًا عن المنطق.”
“كلا!”
قاطعت غلوريا بسرعة.
“لا أحد يملك الحقّ في تقرير مصير حياة إنسان آخر! فكيف بطفل بريء؟!”
رمقها أستان بنظرةٍ متأمّلة، بينما ارتفع صوتها وهي تواصل كلامها بانفعال.
“لا أعلم بأي حقّ تفوّه بمثل هذا الكلام، لكن حتى إن كان حسن النية، فلا يجوز له قول ذلك!”
ازداد احمرار وجنتيها الصغيرة مع الغضب.
“لم يكن حسن نيّةٍ قط.”
هزّ أستان كتفيه بلا مبالاة.
“فلعلّه كان يتمنّى موتي حتى وهو يعلم أنّي بخير.”
“ولماذا؟”
“حتى يضع يده على الدوقية.”
شهقت غلوريا تنهيدةً قصيرة.
“كان يطمع في مناجم الجمشت إذن؟”
“ذكيّة.”
رغم أنّ الناس ظنّوا دوقية شولتسمير أرضًا قاحلة لا تنفع بسبب البرد القارس والثلوج، إلا أنّها كانت أثمن من أيّ أرضٍ أخرى.
ففيها المناجم التي طمع فيها الإمبراطور المؤسّس ذاته، والتي جلبت على البلاط مآسي كثيرة.
ورغم استخراج الإمبراطورية لكمياتٍ ضخمة من الجمشت طوال مئات السنين، ظلّ الاحتياطي وفيرًا.
ومن ثمّ عاشت أسرة شولتسمير في بحبوحةٍ عظيمة بفضل تلك المناجم.
وكان الكونت كابيلا يطمع علنًا في الاستيلاء عليها.
فقد حاول مرارًا إقناع الدوق الراحل بالتنازل عن حقوق التعدين، لكنه رفض دائمًا.
وظنّ أنّه إن استغلّ كره الدوق لابنه فقد ينجح، إلا أنّ الدوق لم يكن قاسيًا لدرجة قتل وريثه.
وبعدما آل اللقب إلى أستان بسلام، غاظ ذلك الكونت غيظًا عظيمًا.
غير أنّ غياب وريثٍ للدوقية بسبب عدم زواج أستان جعل الاحتمال قائمًا أن تؤول الأرض يومًا إلى بلا وريث.
وعندها، ستعود من الناحية القانونية إلى التاج الإمبراطوري. لكن الواقع أنّ البلاط لن يبعث أحدًا ليحكم أرضًا خطرةً كهذه، لذا فالأرجح أن تُفوّض إدارتها إلى أقرب وأغنى جار، أي الكونت كابيلا.
“إنّه رجل أسود القلب.”
قالت غلوريا باستياء.
“وفوق ذلك، يدهُ طويلةٌ في الشرّ.”
أضاف لوغان وهو يدخل في الحديث.
“لقد حاول مرّة مضايقة إحدى الشابّات رغم رفضها، فما كان منّي إلا أن لقّنتُه درسًا.”
“وهل كان مسموحًا لك؟”
“بالطبع لا. دفعت ثمنًا غاليًا؛ إذ سُجنت بتهمة إهانة النبلاء وكدتُ أُعدم لولا أن نجوت بأعجوبة.”
“عُدّ الأمر حسن الحظٍّ إذن.”
“فلو لم أتدخّل، لربما قتلتَه بنفسكَ يا سيدي.”
“لستُ واثقًا أنّي كنت سأقتله، لكنّي كنت لأبرّحه ضربًا حتى الموت على الأرجح.”
أجاب أستان بابتسامةٍ محرجة.
“بعد وفاة أبي، ظلّ هادئًا فترةً من الزمن…”
ثمّ نظر إلى الرسالة في يد لوغان.
“وسأراه وجهًا لوجه بعد عشر سنوات.”
كان صوته العابر باردًا يحمل شيئًا من الوحشة.
***
كلّما اقتربت العربة من مقاطعة كابيلا، بدا الطقس أنقى وألطف.
لا يزال الهواء باردًا، لكن ليس بتلك القسوة التي تكاد تمزّق الجلد كما في شولتسمير.
أخذت غلوريا نفسًا عميقًا من الهواء المنعش وأمعنت النظر في المشاهد من النافذة.
وعلى عكس المرّة السابقة حين قدمت إلى دوقية شولتسمير مسرعةً، كانت هذه المرّة تتأمّل كلّ منظر جديد بفضول.
وبينما كانت العربة تجتاز السهول الواسعة، توقّفت فجأة.
أوصلوا؟
أزاحت غلوريا الستار إثر الأصوات في الخارج، فشهقت.
كان عند بوابة مقاطعة كابيلا حشدٌ كبير من الناس كالنمل.
وتمتم السائق بضجر أنّ إجراءات التفتيش أصبحت مشدّدةً منذ فترة.
“هذا يبعث على الريبة.”
تمتم أستان بعينين حادّتين، عابثًا بسواره.
صار يوشك أن يفكّه في كل حين…
رجَت غلوريا في نفسها ألا تُجرح شفتيها ثانية، وأسدلت الستار لتستند إلى المقعد.
أصدر أستان صوت طحن أسنانه، وقد تجعّد جبينه.
“ما بك؟ هل تؤلمك معدتك؟”
“أصابني الدوار من طول الطريق.”
“كان يجب ألا آخذكِ إذن.”
انتقل أستان إلى جانب لوغان وأعطاها وسادة.
“استلقي.”
“لا بأس، انا مرتاحةٌ أكثر هكذا. إن كنتَ مصرًّا، فأعرني كتفك فقط.”
“كحّم.”
التفت أستان محرجًا إلى مكانه بعدما لاحظ نظرة لوغان.
فضحكت غلوريا وأسندت رأسها إلى كتفه.
“أخبِرني إن ساءت حالكِ، لا تكبتي المرض.”
“حسنًا.”
‘كأنّ من يخلع سوارَه عند كلّ صغيرة وكبيرة هو آخر من يحقّ له النصح!’
كتمت غلوريا هذا التعليق وأغمضت عينيها محاولةً تهدئة معدتها.
وفي تلك اللحظة، طرق جندي باب العربة.
“أبرزوا تصاريح المرور.”
جاء صوته خشنًا من خلال النافذة المفتوحة قليلًا.
ناول لوغان التصريح باسم غلوريا.
“وما سبب زيارتكم للمقاطعة؟”
“ماذا؟”
تجمّد لوغان بدهشة.
فالعرف أنّ تصريح المرور يكفي دون سؤال، ما لم تكن البلاد في حالة حرب. أمّا الاستفسار عن الغرض فتصرف غير مألوف البتّة.
‘أيعرفون أنّ أستان قادم؟’
خطر التساؤل في ذهن غلوريا، تمامًا كما في ذهن لوغان الذي بدا عليه الانزعاج وهو يجيب:
“جئنا لزيارة أحد المعارف.”
“معارف؟ مَن؟”
“وإن قلتُ، هل ستعرفونه؟”
“نسمع ونُقيّم، فقط أجيبوا.”
“هو… في الحقيقة…”
تردّد لوغان ونظر إلى أستان.
‘سيدي، بماذا نجيب؟’
لكن أستان صرف بصره.
فلو قالوا إنّهم جاءوا للقاء الكونت، فلن يسمحوا لهم بالدخول، ولا يمكنهم كشف هويتهم الآن.
وبينما هم يتردّدون في الإجابة، فتحت غلوريا الستار بجرأة.
التعليقات لهذا الفصل " 26"