“شخصية غير لاعبة؟”
“ليست مجرد شخصية غير لاعبة عادية، بل كانت الشخصية الواجهة. تظهر عند تسجيل الدخول، وتظهر أيضًا أثناء التحميل، لكنها بلا اسم، لذلك كان الجميع يناديها: نو نيم.”
قال جينغ جين وون: “آه”، وقد ارتسم على وجهه تعبير يدل على أنه فهم. وكان الآخرون على الحال ذاته؛ منهم من أومأ برأسه، ومنهم من تبادل النظرات مع غيره.
غير أن قلةً منهم عقدت حواجبها استغرابًا. فسأل أحدهم:
“هل كان لنو نيم اسم يُدعى ‘المنسّق’؟ هذه أول مرة أسمع بذلك.”
لكن الرجل لم يُجب. ظل جالسًا، رافعًا بصره إليّ في صمت. وأنا بدوري حدّقت فيه بلا كلمة.
حينها حدث الأمر. قطّب الرجل حاجبيه، ثم نهض فجأة من مكانه، وأمسك بذراعي وشدّني إليه بقوة. انجذبت دون وعي، ولم أتوقف إلا قبيل الاصطدام به بصعوبة. كان وجهه على بُعد أنفاس.
حاول من حولنا التدخل لثنيه، لكني هززت رأسي مانعة. كنت واثقة أنه لن يؤذيني.
راحت عيناه المحتقنتان تمسحان ملامحي بتمهل، نظرة لزجة لا هوادة فيها، غير أني لم أُشِح ببصري. وبعد أن تفحّص تقاطيع وجهي مرارًا، زفر نفسًا طويلًا.
“نعم… نو نيم.”
قالها ببطء.
“تصميمها كان أسطوريًا، لكن بلا اسم، ولا تظهر داخل اللعبة نفسها، فاستغرب الجميع. ومع ذلك، عند التحميل تظهر بحجم يملأ الشاشة. وكأنها، بنظرة واحدة، الشخصية الممثلة للعبة كلها…….”
كان واضحًا أن شيئًا ما قد انقدح في ذهنه. ومع ذلك، بدا عليه شيء من الخوف، كأنه يتكلم على أمل أن يُثبت له أحد أن ما يفكر فيه خطأ.
“في السابق، كان هناك حدث معيّن، وخرجت فيه روايات غريبة.”
ثبتت حدقتاه عليّ، كأنهما تخترقانني، بنظرة تقول: ‘أنت تعرفين، أليس كذلك؟’
“كان الحدث يسمح بأن يُفتح الزعيم النهائي—الذي لا تصطاده إلا النقابات—للاعبين الأفراد أيضًا. وقيل إن من يهزمه أولًا سيحصل على سلاح من رتبة S، فاشتعلت العيون طمعًا. لكن ما إن بدأ الحدث حتى لم يستطع أحد دخول منطقة الزعيم أصلًا. لم يكن الدخول ممكنًا من الأساس.”
راح يتكلم كمن يفرغ حملاً دفعة واحدة.
“قامت القيامة. قالوا خطأ، قالوا خللًا. انهالت الاستفسارات على لوحة الإعلانات. لكن إدارة اللعبة لم تُجب بشيء. وبما أن تجاهل المستخدمين لم يكن جديدًا عليهم، بدأ الناس يستسلمون… إلى أن نُشر منشور واحد.”
اشتدت قبضة الرجل على ذراعي.
“قال فيه صاحبه إنه رأى الزعيم. كان شخصًا عنيدًا بحق. بما أن شخصيته الأساسية لم تستطع الدخول، أنشأ شخصية جديدة من الصفر. افترض أن الشخصيات التي أُنشئت بعد بدء الحدث هي وحدها القادرة على لقاء الزعيم.”
تسارعت كلماته.
“كان ذلك شبه مستحيل، لكنه أنجزه. لم ينم أيامًا، ورفع الشخصية حتى الحد الأقصى، وحين حاول بعدها… فُتح له الطريق مباشرة.”
تعالت همهمات خافتة من حولنا. بدا أن بعضهم يتذكر تلك الحادثة، فيما يسمعها آخرون للمرة الأولى.
“لكن الزعيم لم يكن كما اعتادوا. كان في الأصل وحشًا، إلا أنه حين اقترب منه، صغر حجمه وتحول إلى امرأة بشرية. وكانت… نو نيم.”
حاولت أن أستدعي صورة المرأة التي رأيتها في شاشة تسجيل الدخول. لكن، عدا أجواء الجمال والبذخ التي أحاطت بها، لم تبقَ تفاصيل واضحة في ذهني.
لم أكن قد أوليتها اهتمامًا كافيًا آنذاك؛ ما كان يهمني فقط هو: هل يمكنني تسجيل الدخول باسم بايك إيهيون أم لا.
“ثم حاولت التحدث إليه. عرّفت نفسها بأنها ‘المنسّق’. لم يعرف ماذا يفعل، فهاجمها… فانتهت اللعبة فورًا. وعندما أعاد الدخول، كانت الشخصية التي قابلت الزعيم قد اختفت تمامًا.”
خفض الرجل صوته.
“لم تكن هناك لقطات شاشة، فانتهى الأمر كحادثة عابرة، لكنه ظل حديث الناس مدة. فذلك اللاعب لم يكن عاديًا. كان اسمًا لامعًا، مشهورًا بإنجاز كل شيء لأول مرة. لقبه: جوغلر.”
انطلقت صيحات دهشة من حولنا. بدا أن الاسم معروف لدى أغلبهم. أما الحائرون، فكانوا—مثلي—ممن لا يعرفون اللعبة جيدًا.
“وبالنظر إلى تاريخه، لم يكن شخصًا يمكن أن يكذب. ومع ذلك، كان كلامه أشبه بالهذيان، فاشتد الجدل فترة. لكن…….”
تابع بصوت أجش:
“بعد ذلك، وقع أمر أغرب. الشركة المصنّعة وزّعت بطاقات رسومية كحدث خاص. قالوا إنهم سيصنعون بطاقات لأشهر الزعماء.”
كانت البطاقات تتضمن في خلفها رمز فوز بعنصر عشوائي، وتُرسل بالبريد. وحين وصلت، راح الناس يحتفلون ويثبتون حصولهم عليها.
“لكن…… لم يحصل أحد على بطاقة الزعيم النهائي الأقوى.”
أومأ بعضهم موافقًا، وكأنهم عاشوا الأمر بأنفسهم.
“وبدلًا من ذلك، انهالت بطاقات نو نيم. تساءل الناس: لماذا ترسلون نو نيم وقد وعدتم ببطاقات الزعماء؟ هل هذا خطأ في التصنيع؟ لكن لم يتلقَّ أحد ردًا.”
فهمت ما يرمي إليه. أن الزعيم النهائي، في الحقيقة، هو نو نيم، وأن اسم نو نيم—كما صرّحت بنفسها—هو المنسّق.
“الآن، حين أفكر في الأمر، أجد أن نو نيم كانت دائمًا على الحدود. تسجيل الدخول، التحميل، الإعلانات، الأحداث، الدعاية…… لا تظهر داخل اللعبة نفسها، لكنها كانت دائمًا الجسر الواصل بين الواقع واللعبة.”
كان ذلك يتطابق مع ما شرحه بايك إيهيون. أن المنسّق يشرف على عوالم متعددة. ومع ذلك، لم أستطع أن أتخلص من شعور العبثية؛ كان فهمًا ذهنيًا هشًا لا أكثر.
“إذًا… هل أنا شخصية غير لاعبة؟”
“أنت تشبهينها.”
قال الرجل بحسم. ارتبكت.
“ماذا؟”
“تشبهين نو نيم.”
نظر حوله كمن يطلب التأييد. لم يعترض أحد. ساد الصمت. زفرت نفسًا.
“أتقصد أني لست إنسانة؟”
“لا أعلم. يجب أن نترك الاحتمال مفتوحًا. لا شيء مؤكَّد الآن.”
“أنا حقًا…….”
“هل أنتِ متأكدة أنكِ لا علاقة لكِ باللعبة؟”
“لم ألعبها أصلًا. كل ما فعلته أني سجلت الدخول مرة واحدة.”
“أنتِ الوحيدة التي تستطيعين رؤية نافذة الحالة، وهؤلاء الناس يسمّون من يرى نافذة الحالة ‘المنسّق’، لذلك أقول هذا.”
انحبس الكلام في حلقي. سألني الرجل:
“ألا يخطر ببالكِ شيء؟”
لا شيء إطلاقًا. كل ما في الأمر أني أتشابك مع لعبة لم ألعبها قط، وهذا وحده يبعث على الذهول. وبينما أنقّب في ذهني الخاوي، خطر لي أمر مختلف تمامًا. سألت على عجل:
“هل أنتم… تتذكرون كل شيء؟”
“الذاكرة؟”
كرر الرجل.
“حياتنا السابقة. أنا نسيت شيئًا واحدًا. والدا صديقي. لا أستطيع تذكر ملامحهما جيدًا، ولا حتى ماذا كانا يعملان.”
أفلت الرجل ذراعي.
“ألا يمكن أنكِ متوترة منذ جئتِ إلى هنا، فحصل نسيان مؤقت؟”
“لا يمكن. هذا شيء لا يُنسى. مهما حاولت التذكر، لا أستطيع. كانا بمثابة والديّ. شخصين عزيزين. أن أنساهما… هذا غير معقول.”
تسلل القلق إليّ. نظرت حولي. بدت الدهشة جلية على وجوه الجميع. هوى قلبي ثِقلاً.
“هل أنا الوحيدة التي لا تتذكر؟”
لم يُجب أحد. تراجعت خطوة. انساب عرق بارد على عمودي الفقري.
كان خوفًا لم أختبره قط. أن أفقد الذكريات، ثم أنسى في النهاية كل ما يُكوّنني، وأصير شخصًا آخر، أو لا أكون أنا على الإطلاق—ذلك القلق كان يعصر قلبي.
رفع الرجل يديه كمن يهدّئ، واقترب خطوة. لم أكن أعلم أي تعبير يرتسم على وجهي. سأل بحذر:
“هل تتذكرين أشياء أخرى؟”
“أشياء أخرى…….”
“نسيان والدي صديقك قد يحدث. ماذا عن والديكِ أنتِ؟”
“والداي؟”
كان وجهه ممتلئًا بالقلق.
“هل تتذكرين وجه أمكِ؟”
“أمي؟”
رمشت بعيني. كان ذهني كأنه مغمور بضباب كثيف. تمتمت بلا وعي:
“هل كان لي… أم؟”
——–
وبكذا ينتهي دوري~
اشوفكم في الفصول 51+
لمتابعة الفصول المتقدمة حتى الفصل 55 تابعونا على قناة تلغرام على الرابط
https://t.me/+joDHE7_PVuA4YTRk
꧁ترجمة: موروها꧂
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 20"