إنّ مقاعد الاجتماع الهولوغرامية في قاعة المثول المهيبة ليست سوى خدعةٍ بصرية.
فالإمبراطور لم يعد يستخدم هذا المسار الرسميّ للاتصال. فمع امتداد الحرب طويلًا، نجحت الإمبراطورية في زرع جواسيسها عميقًا في صفوف العدو، وكان الحال ذاته لدى الطرف الآخر.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كُشفَت بالكامل الاستراتيجيات الكبرى التي جرى تداولها في قاعة المثول هذه، وكادت الإمبراطورية أن تفقد خمس عشرة سفينةٍ عملاقة، بل وتُباد قيادتها العليا، لولا أنّ بايك إيهيون أنقذ الموقف في اللحظة الأخيرة. ومنذ ذلك الحين، استخدم الإمبراطور هذه القاعة فقط لبثّ معلوماتٍ زائفة للعدو، ثم كفّ عن ذلك هو الآخر منذ زمن.
وهكذا، لم يكن في قاعة المثول الواسعة، الشاسعة كبحرٍ لا ساحل له، سوى بايك إيهيون، وروبوت تنظيفٍ واحد، يكنس الأرض التي لا ذرّة غبار فيها ويمسحها بجدٍّ لا يكلّ.
اقترب روبوت التنظيف، ثم غيّر اتجاهه قبل أن يصطدم بمقدّمة الحذاء العسكري. ضغط بايك إيهيون على ساعته وأخرج وحدة الذاكرة، ثم فتح اللوحة الأمامية لروبوت التنظيف الذي كان يتحرّك بنشاط، وأدخل الذاكرة فيه.
كانت ذاكرةً تحتوي تسجيل اختبار سيو آيون.
توقّف الروبوت عن حركة المسح السريعة، وأصدر أزيزًا ميكانيكيًّا خافتًا.
ثم، فجأةً، امتدّ من أسفل الروبوت قدمان نحيلتان، فوقف منتصبًا وشرع يرقص رقصة تابٍ بحماس.
-أخيرًا وجدتها!
دوّى صوتٌ مرحٌ من الروبوت. صوتٌ نقيٌّ وجافّ في آنٍ واحد، لا يُعرَف له عمرٌ ولا جنس، ارتدّ صداه عاليًا في أرجاء قاعة المثول.
-شخصٌ يرى نافذة الحالة الحقيقية!
انفتح لوح الروبوت بطقةٍ خفيفة، وانشقّ إلى الجانبين متّخذًا هيئة جناحين، ثم اندفع محلّقًا في الهواء.
-أخيرًا سأجعل أولئك العجائز يذوقون الويل! أنا سعيد! سعيد جدًّا! سعا! دا! ة!
دار روبوت التنظيف حول بايك إيهيون عدّة دورات، ثم توقّف فجأة عند مستوى صدره.
انفتح حاوي الغبار بطقة، وانفجرت في الهواء شظايا لامعة متناثرة. كانت قصاصاتٍ صغيرة من الورق الملوّن، تلك التي نُثرت في قاعة الولائم احتفالًا بسلسلة الانتصارات قبل أشهر.
حدّق بايك إيهيون بصمتٍ في القصاصات الصغيرة وهي ترفرف في الهواء كأسراب فراشات.
‘إذًا كنتَ حاضرًا في قاعة الولائم أيضًا.’
لو كان روبوت تنظيف يُدار إدارةً طبيعية، لكان أفرغ حاوية الغبار مرّاتٍ عدّة في اليوم، وما كان ليحتفظ بقصاصاتٍ التقطها قبل أشهر. فضلًا عن أنّه لم يكن هناك أيّ نفايات أخرى.
ما يعني أنّ الإمبراطور، منذ أشهرٍ على الأقل، كان يتّصل بهذا الروبوت، ويجوب به أنحاء السفينة، ولا يجمع سوى ما يريد جمعه بنفسه.
كان ذلك ممكنًا لأنّ الإمبراطور يتجاوز الزمان والمكان. فهم بايك إيهيون الأمر، لكن ذلك لم يكن مريحًا.
‘ربما كان قد عرف أمر سيو آيون منذ البداية.’
كان الإمبراطور يصغي دائمًا لتقارير بايك إيهيون كما لو أنّه يسمعها للمرّة الأولى، غير أنّ الحديث كثيرًا ما يكشف أنّه كان يعلم مسبقًا، وأحيانًا كان يمتلك من المعلومات أكثر ممّا لدى الطرف الآخر.
ولم يكن يتكلّف إخفاء ذلك. وفي كلّ مرّة، كان بايك إيهيون يشعر بقذارةٍ كأنّه دمية تُحرَّك في كفّ اليد.
-من كان ليتوقّع أنّ المنسّق الذي بحثنا عنه طويلًا سيكون غريبًا؟ ألهذا لم نجده؟ لأنّنا كنّا نقتل الغرباء جميعًا؟
ربّما. وافقه بايك إيهيون في داخله، لكنّه لم يجد داعيًا للنطق. كان يفضّل دائمًا تقليص الحديث، ولا سيّما في لقاءاته المنفردة مع الإمبراطور.
-أحسنتُ حين أرسلتك إلى هناك. حتى عمل البوابات التافه، حين تتولّاه أنت يا إيهيون، يُخرج لنا منسّقًا على طبقٍ من ذهب. فعلًا، بايك إيهيون، كنزي الصغير!
اندفع الروبوت فجأة نحو وجهه، واصطدم بخدّه اصطدامًا خفيفًا، ثم ابتعد. شعر بايك إيهيون بالإرهاق من تلك القبلة السخيفة، لكنّه لم يُظهر شيئًا.
موروها. امبراطور بدون هيبة.
-والآن، دعنا نرى… كيف نروّض هذا المنسّق النفيس؟
راح الروبوت يهتزّ ويرقص بخفّة وهو يدور حول بايك إيهيون. وفي صمت، نزع بايك إيهيون قصاصةً ورقية التصقت بخدّه.
-أنت ستتدبّر الأمر، أليس كذلك يا إيهيون؟ أليس كذلك؟ يبدو الأمر معقّدًا جدًّا. غريبة، فوق ذلك… وابتلعت رتبة S أيضًا، فسترفع رأسها ولا تخضع لنا بسهولة، أليس كذلك؟ لكنّك قادر على تليينها وجعلها في صفّنا، صحيح؟ هاه؟ كم يومًا تريد؟
“مولاي.”
-هاه! ترفض مجدّدًا!
“بموجب قانون الإمبراطورية، متى خرج الغريب من دائرة الإعدام، لم يعد من اختصاصي. وإن كانت منسّقًا، فليس لي أصلًا مبرّر لإدارتها.”
-آه، لما هذا الجفاء؟ أنت تؤذيني!
“غير أنّه، إن رغبتم بتفويض الأمر إليّ…”
-هكذا، هكذا. كدتَ تخيّب أملي.
“أطلب منحنا حكمًا ذاتيًّا، يقتصر على سفينتنا الحربية.”
توقّف الروبوت عن الخفقان، ثم هوى فجأة. ومع ذلك، وكأنّه يخشى أن يتحطّم، هبط في اللحظة الأخيرة بسلاسةٍ صامتة، في مشهدٍ لم يكن مضحكًا بقدر ما كان مفتعلًا.
كان يتظاهر بالصدمة من الطلب. دلالٌ اعتاده منذ زمن.
-هذا… صعب قليلًا.
“لا يمكننا استخدام القوّة لجذب سيو آيون إلى صفّنا. فهي محميّة بنافذة الحالة. لذا نعتزم تقديم شروطٍ والتفاوض.”
-شروط؟
“جسد سيو آيون لا يزال في بُعدٍ آخر. سأجعل الشرط هو مساعدتها، بأقصى ما نستطيع، على العودة إلى موطنها.”
لم يصدر عن الروبوت أيّ ردّ. أدرك بايك إيهيون أنّ الإمبراطور يعرف عن سيو آيون أكثر ممّا يُظهر.
“وإن فشل الإقناع، أو حتى إن نجح، فسأستخدم الغرباء الذين خرجوا معها أحياءً كطُعمٍ للسيطرة عليها. غير أنّ التعامل مع الغرباء يتطلّب في كلّ مرّة موافقتكم، ما يقيّد قدرتنا على الاستجابة السريعة للحالات الطارئة.”
-…….
“وأتوقّع أنّ الحاجة إلى استثناءاتٍ وطلبات إذن لن تقتصر على هذا وحده. لذا أرجو الموافقة على الحكم الذاتي، لأتمكّن من إدارة سيو آيون، وسائر الغرباء، إدارةً محكمة.”
-مع أنّ أسياد البيوت لا يكفّون عن اتهامي بمحاباتك.
“من دون الحكم الذاتي، يصعب عليّ إدارة سيو آيون بسبب قصوري.”
-تتظاهر بالضعف؟
“وإن رغبتم بإسناد الأمر إلى غيري، فسأتولّى شخصيًّا نقل سيو آيون إلى المنطقة المعنيّة.”
-حقًّا…
نقر الإمبراطور لسانه، وقال كمن يحدّث نفسه:
-أمرٌ مُحيّر.
“إن كان القرار صعبًا، فلكم أن تؤجّلوه. لقد أمرتُ بالحفاظ على السريّة، لكن خبر سيو آيون سينتشر قريبًا. وسيتنافس الجميع على إدارتها، وعندها يمكنكم المقارنة بين المرشّحين—”
-لا أقصد ذلك. ألم تقع في حبّها من النظرة الأولى؟
ضيّق بايك إيهيون حاجبيه. لم يفهم ما الذي يُقال.
“من يقول ماذا لمن؟”
-أنت، لسيو آيون.
اندفع الروبوت عاليًا فجأة، ودبّت الحيوية في صوته.
-يبدو الأمر واضحًا لي.
“مزاحكم تجاوز الحدّ. والأهم، يبدو أنّكم كنتم في الموقع؟”
-أنت أكثر ما يُمتعني هذه الأيّام.
“إن كنتم تعلمون ذلك مسبقًا، فأرجو إعلامي. سأختصر التقارير غير الضرورية.”
-أنا لا أستمع لتقاريرك. أنا أراها. ثم إنّ موقفك الآن…
أمال الروبوت جسده كمن يفكّر، ثم غيّر الموضوع قبل أن يُتمّ كلامه.
-لا داعي للتعقيد. أرسل شخصًا يلازم سيو آيون. تخيّل كم هي وحيدة ومتعبة الآن؟ وقتٌ مثاليّ لسرقة قلبها. إن تعلّقت بأحدٍ منّا وأحبّته، انتهت المشكلة، أليس كذلك؟
ومن غير قصد، خطر كيم دوون ببال بايك إيهيون.
فذلك الرجل الذي يكره تضاعف الأعباء، أبقى سيو آيون وسائر الغرباء أحياءً حتى وصوله، وهو أمرٌ لا يشبهه. وفي الاجتماع، لم يفلح في إخفاء انزعاجه، وفي غرفة التحكّم لم يستطع أن يصرف نظره عن سيو آيون على الشاشة.
غير أنّ المشكلة كانت: هل ستقع سيو آيون في حبّ كيم دوون…؟
لا. شدّ بايك إيهيون على شفتيه. لم يكن يفضّل هذا النوع من الاستراتيجيات أصلًا. قالها بصرامة:
“لا أرغب في الزجّ بأحد من مرؤوسيّ في أمرٍ كهذا.”
-كنتُ أعنيك أنت.
زفر بايك إيهيون ببطء.
-أليست مستعدّة للانهيار عند أول لمسة؟ لقد بكت بجنونٍ لمجرّد رؤيتك.
حاول بايك إيهيون ألّا يستحضر ذلك الوجه اليائس الذي كان يحدّق به بعينين متعلّقتين. لكنّه لم ينجح.
“أفضّل إقصاء العاطفة عن الاستراتيجيات. فهي صعبة الضبط وغير قابلة للتوقّع.”
-لا هواية لك بلعب المشاعر؟
ضحك الإمبراطور ضحكة طفل.
“مولاي، أنا—”
-أمنحك الحكم الذاتي.
حدّق بايك إيهيون في الروبوت. لم يصدّق. حتى وهو يطلب، لم يتوقّع القبول. كان الحكم الذاتي حبل شدٍّ طويلًا بينه وبين الإمبراطور.
-لكن بمهلة. حسنًا، يا إيهيون الذكيّ، كم تحتاج لتحويل سيو آيون إلى أحدنا؟ يوم؟ يومان؟
“امنحني شهرًا.”
-ماذا؟ طويل جدًّا.
تنفّس الإمبراطور بعمق.
-ألن أخشى أن أُسلّمك الحكم الذاتي لشهرٍ كامل، فتقلب عليّ الطاولة بانقلابٍ عسكري؟ آه، مخيف.
“مولاي.”
-كنتُ أمزح.
ضحك الإمبراطور بخفّة. تحمّل بايك إيهيون.
“شهر واحد. هو الحدّ الأدنى لتدريب سيو آيون وإقحامها في الميدان.”
-أمتأكّد؟
كان في نبرته شيءٌ غريب. لم يكن يشكّ في قدرته على الإنجاز، بل كأنّه يقلق من أمرٍ آخر.
ومهما يكن السؤال، ما دام الطرف الآخر هو سيّد الإمبراطورية، فالجواب محسوم. دفع بايك إيهيون ذلك الشعور المريب جانبًا، وأجاب بصفاء:
“ثقوا بي، وسأفي بوعدي.”
—————–
أظن سيناريو الوضع بعد شهر واضح، شهر واحد كفيل جدا أن إيهيون يكون مشاعر ل آيون.
꧁ترجمة موروها꧂
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"