الحلقة 41
‘لا يوجد ألم حتى.’
قمتُ بثني وبسط أصابعي التي التحمت مجدداً. أشعر بها تماماً، وهذا يعني أنها ليست مجرد وهم.
“شـ- شكراً لك….”
كيف حدث هذا؟ حتى حين رفعتُ يدي وتفحصتُها عن قرب، كانت ثابتة في مكانها بشكل سليم.
“هل أنت من فعل هذا؟”
اقترب دان سوهيوك، الذي كان يراقب الموقف، وسأل شبح التوصيل السريع.
[نشكركم بصدق على استخدام خدمة “4-4-4” للتوصيل السريع.]
لقد تم تجاهله ببراعة.
بقي شبح التوصيل يحدق بي. لقد شكرتُه بالفعل، فهل هناك شيء آخر يريد سماعه؟
لم أفهم قصده، فبقيتُ أنظر إلى حاجب خوذته بصمت حتى سمعتُ صوته.
[…… أرجو أن تستخدمي خدمتنا في المرة القادمة أيضاً.]
ثم أحنى رأسه بخفة واتجه نحو دراجته النارية.
أحنيتُ ظهري بدوري تحيةً له وهو يبتعد.
بووووم.
سمعتُ صوت المحرك، وفي لمح البصر اختفت الدراجة من الوجود.
لم يتبقَّ في الزقاق سواي أنا ودان سوهيوك.
“إنه يتجاهلني علانية.”
“اوه، لا بأس، على الأقل لم يؤذِنا. اعتبر الأمر عادياً!”
“أرى أنكِ تدافعين عنه وكأنه يكنّ لكِ بعض الود؟”
امتعض وجه دان سوهيوك. لكنه لم يقل جملته المعتادة: “هل ستطمئنين لشبح مجدداً؟”.
بعد كل ما مررنا به، لابد أنه أدرك أيضاً أن شبح التوصيل ليس كياناً خطيراً.
“رغم أنها كانت تجربة مرعبة، لا أظن أنه أوصلني هناك بنية سيئة.”
عندما فتحتُ أصابعي العشرة أمامه بتباهٍ، تنهد دان سوهيوك. ثم فجأة، أمسكت يده الضخمة بيدي.
“حسناً، لم أستطع سؤالكِ وسط تلك الفوضى، لكن ما الذي فعلتِه بحق خالق الجحيم لتفقدي أصابعكِ؟ هل كنتِ تلعبين ‘لعبة المستشفى’ مع الأشباح؟”
يا له من أسلوب تهكمي متقن.
“لقد استعدنا بعض ذكريات الطفولة.. لعبنا لعبة ‘طي الأصابع’ والبحث عن الكنز فقط؟”
“والكنز الذي قدمتِه كان أصابعكِ هذه…! تنهد.”
أوه، لقد كتم صرخته.
لكن لماذا كتمها؟
‘لو كان بطبعه المعتاد لثار غضباً فوراً؟’
برود أعصاب دان سوهيوك هذا كان غريباً لدرجة جعلتني أرتاب. بقيت يدي حبيسة قبضته فلم أستطع الهرب.
‘يا لها من يد ضخمة بشكل مبالغ فيه.’
صحيح أن يدي صغيرة مقارنة بفتيات جيلي، لكن أن تُطبق عليها يد واحدة بهذا الشكل..
‘لحظة، هل أنا مجرمة؟ لماذا يمسك بي ولا يتركني؟’
بينما كنتُ أفكر في متى سيترك يدي، قال دان سوهيوك:
“من الآن فصاعداً، لا تتخذي قراراتكِ وحدكِ، ناقشيني قبل أن تتحركي.”
“هاه؟ وما الفائدة؟ حتى لو ناقشتك ستعارضني على كل حال.”
“…….”
“يا، واترك يدي الآن. هذا مقزز، لماذا لا تزال تمسك.. آياياي!”
قام دان سوهيوك برفع ذراعي الممسوكة بقوة للأعلى، لدرجة أنني اضطررت للوقوف على أطراف أصابعي!
“آه، فجأة شعرتُ بحكة في رأسي.”
لماذا تتظاهر بالحكة وأنت تمسك بيدي!
وأنت لا تنوي حتى حك رأسك!
“هل تتفاخر بطولك الآن أيها المجنون؟!”
“هل تقولين ‘مجنون’ لشخص لحق بكِ خوفاً عليكِ؟”
“لقد شكرتُك على ذلك بالفعل!”
“وهذا الامتنان لم يصمد ليوم واحد حتى.”
“أوه، بحقك!”
ركلتُ ساق دان سوهيوك بانزعاج، حينها فقط ترك ذراعي.
تراجعتُ للخلف بسرعة ونظرتُ إليه بحدة، لكنه بدا وكأن الركلة لم تؤلمه؛ بل بقي واقفاً بميل ينظر إليّ من الأعلى. هاا؟
“لماذا تنظر إليّ باستعلاء وكأنك فعلت شيئاً صحيحاً؟”
“وهل تريدينني أن أنظر للأعلى وأنتِ تحتي؟”
حسناً، معه حق في هذه.
خطا دان سوهيوك خطوة واسعة نحوي.
أصبح مستوى نظره غريباً جداً.
“…… في أي بلد يعتبر التحدث مع قمة رأس الشخص نوعاً من الأدب؟”
“كنتُ أتساءل إن كنتِ تريدينني أن أنظر إليكِ باستعلاء أكثر وضوحاً.”
هذا الوغد!
رفعتُ رأسي بشدة للأعلى. لم أقف على أطراف أصابعي هذه المرة؛ فقد كان ذلك آخر معاقل كرامتي.
“لماذا تم أعطاك الطول وحرمك من الأخلاق؟ هل تظن أنني قصيرة لأنني أريد ذلك؟! ثم إن طولي يعتبر متوسطاً!”
“إن كان لديكِ اعتراض، كان عليكِ طلب ‘توصيل طول’ بدلاً من الأصابع.”
غطى دان سوهيوك فمه بيده بملامح بدت وكأنها أسى صادق. لكنني رأيتُه. رأيت طرف شفتيه يرتفع قليلاً قبل أن يغطيه!
“وأعتقد أنكِ تفهمين معنى كلمة ‘متوسط’ بشكل خاطئ.”
“يااا!!”
“أيتها الفول السوداني.”
“ماذا!”
“المكان الذي ذهبتِ إليه كان خطيراً حقاً.”
تراجع دان سوهيوك خطوة للخلف، حينها فقط أصبح من السهل التقاء أعيننا.
بينما كنتُ أدلك عنقي المتصلب، قال بجدية:
“لقد كنتِ على وشك الموت فعلاً. أتعلمين كم أنتِ محظوظة لأن الأمر انتهى بالأصابع فقط؟”
“أعلم ذلك.”
“تعلمين ماذا؟ أنتِ إذا مِتِّ، ينتهي كل شيء!”
كانت هذه أول صيحة توبيخ أسمعها منه.
انكمش جسدي لا إرادياً وأغمضتُ عينيّ بشدة.
عندما فتحتهما قليلاً، رأيتُ دان سوهيوك يقطب جبينه بملامح نادمة وكأنه أدرك خطأه.
“…… أنا آسف لأنني صرخت.”
يبدو أنه ظن أنني ارتعبتُ حقاً. والحقيقة، لقد فعلت.
‘واااو.. حين يتصرف شخص بضخامته بتهديد، يصبح الأمر مرعباً جداً. ربما عليّ أن أخفف من مشاكستي له؟’
بالطبع، لن أتمكن من تنفيذ ذلك بمحض إرادتي.
لكن قوله “إذا مِتِّ ينتهي كل شيء”.. شعرتُ لوهلة أنه ربما يكون قد عاد بالزمن فعلاً….
‘يبدو أن دان سوهيوك قد دخل ذلك المبنى وخرج منه من قبل.’
وهذا يعني، كما رأيتُ في العمل الأصلي، أنه اختبر الموت مرتين هناك.
ولابد أنه واجه ميتات أخرى أيضاً.
‘أنا ارتعبتُ هكذا لمجرد فقدان أصابعي.’
لا يمكنني تخيل الطريقة التي مات بها، ولا أريد أن أعرف.
أغلقتُ فمي الذي كان يهم بالرد.
في الواقع، كنتُ أعرف سبب رد فعله الحساس هذا. لابد أنه قلق لأنني أتصرف بتهور رغم أنني لا أملك قدرة العودة بالزمن مثله.
‘لكنني لم أتوقع أن يملك دان سوهيوك جانباً كهذا.’
لقد كان بطلاً لا يهتم بالآخرين ولا يعطي مشاعره لأحد بسهولة، باستثناء ما يخص والديه.
‘شخص كهذا لم يتجاهلني وأتى لمساعدتي؟’
بصراحة، لو كنتُ مكان دان سوهيوك، هل كنتُ سأفعل ما فعله اليوم؟ هل كنتُ سأخاطر بحياتي في موقف خطر لا مصلحة لي فيه لمجرد أنني واجهتُ بعض الأشباح؟
‘لا أظنني أستطيع.’
حين تحركتُ لإنقاذ “يو تشاي-سونغ”، كم كنتُ خائفة وأريد الهروب.
فعلتُ ذلك مع صديقة مقربة، لكن هل كنت سأخاطر من أجل دان سوهيوك؟ صدقاً، لا أعتقد. ربما كنتُ سأتجاهل الأمر من شدة الخوف.
“هاااا.”
تنهدتُ بعمق. لم يعد دان سوهيوك يتكلم.
كان يراقب رد فعلي.
“أعرف كم أنا محظوظة لأن الأمر انتهى بالأصابع. أنا أيضاً ندمت.”
ترددتُ قليلاً قبل أن أنطق بالكلمات التي منعتني كرامتي من قولها. بقيت أنظر إلى طرف قدمي وهي تنقر الأرض.
“…… لقد كنتُ خائفة جداً أيضاً.”
“أنتِ……”
“أنا ممتنة جداً لأنك جئت لمساعدتي رغم توقعك للمخاطر. ولكن!”
رفعتُ رأسي فجأة فرأيت دان سوهيوك يجفل. هل تفاجأ من التقاء أعيننا المفاجئ؟
“إذا كانت هناك ولو فرصة ضئيلة للعثور على أخي، فسأفعل هذا التهور مراراً وتكراراً!”
“ماذا؟”
“أنا أحذرك مسبقاً لأنني لا أستطيع قول جملة ‘لن أكررها ثانية’!”
“هاه.”
مسح دان سوهيوك على شعره الأمامي للخلف.
“…….”
ساد الصمت في الزقاق.
“ما السبب الذي يجعلكِ تقولين هذا؟”
سأل دان سوهيوك أخيراً.
“هاه؟”
“هل تقصدين أن أتوقف عن التدخل في شؤونكِ؟”
“ليس هذا! في النهاية، هناك احتمال كبير أن يكون والداك أيضاً متورطين مع الأشباح. لنحصل على دلائل بطرقنا الخاصة.”
لم أتوقع أن يفهم الأمر بهذا الشكل! تابعتُ كلامي بسرعة كأنني أبرر موقفي.
“الأفعال المتهورة سأقوم بها أنا. أما أنت، فاجمع دلائل بطريقتك الخاصة. ثم لنتشاركها.”
“نتشاركها؟”
“أجل. في النهاية، هدفنا واحد.”
“العثور على العائلة.”
أومأتُ برأسي ببطء لدان سوهيوك. مهما اختلفت شخصياتنا وتصرفاتنا، فما العمل؟
ما دام الهدف واحداً، فلا مفر من توحيد القوى.
“نعم. لأنني بصدق، لا أريد العثور على أخي فحسب، بل أريدك أن تجد والديك أيضاً.”
حتى حين قرأتُ الرواية الأصلية لمنتصفها، لم يحصل دان سوهيوك على أي دليل حول مكان والديه. كل ما عرفه هو أنهما على قيد الحياة في “لعبة الهروب”.
أغلق دان سوهيوك فمه بإحكام. وبينما كنتُ أراقبه بحذر، رأيتُ شفتيه تنفتحان ببطء.
“لا تفعلي شيئاً متهوراً وحدكِ.”
هل سيبدأ بالتوبيخ مجدداً؟
‘كنت أحاول نقل مشاعري الصادقة بصعوبة……’
وبينما كنتُ على وشك الشعور بالإحباط.
“…… من الآن فصاعداً، لنتحرك معاً. لا أطمئنّ عندما تكونين وحدكِ.”
كانت كلمات غير متوقعة لدرجة أنني ظننتُ للحظة أنه ممسوس بشبح. لكن برؤية أذنيه المحمرتين، يبدو أن الأمر ليس كذلك!
“اوه.. هل هذا يعني… أنك قلق عليّ؟ كإنسان؟ أم كزميلة؟ …… أم كصديقة؟”
سألتُه وأنا أبتسم بخبث، فاستدار دان سوهيوك بانزعاج.
وقال وهو يبتعد:
“الثلاثة معاً!”
بقيتُ أحدق بظهره وهو يبتعد بخطوات واسعة ليغادر الزقاق.
كانت الشمس التي أشرقت لتوها تضيء الزقاق المظلم بنور ساطع.
‘لقد تقبل مسمى الصديقة إذن؟’
في الرواية الأصلية، كان بطلاً يسير في طريقه الخاص واستغرق وقتاً طويلاً جداً ليفتح قلبه للآخرين.
لسبب ما، أشعر الآن أنني أرى دان سوهيوك الحقيقي. ليس كبطل رواية، بل كصديق يشاركني نفس المعاناة.
“يا، دان سوهيوك! أنت تسبقني الآن لأنك تشعر بالخجل، صح؟”
“لا تتحدثي بكلام فارغ.”
“ايه، ولكن لماذا أذناك محمرتان إذن؟”
“أرجوكِ اصمتي، أيتها الفول السوداني.”
في هذه اللحظة، ولسبب ما، كان الوقت الذي أقضيه مع دان سوهيوك ممتعاً.
التعليقات لهذا الفصل " 41"