1 - ذِكْرَى عابِرَةٌ… ظِلٌّ بَاقٍ.
تحتَ سماءٍ مرصَّعةٍ بالنجوم، بعيدًا عن صَخَبِ المدينة وضجيجِ أنفاسها المتلاحقة، أجلسُ وحيدةً على حافةِ نافذتي، أحدِّقُ في بحيرةٍ ساكنةٍ تعكسُ ضوءَ القمرِ البهيّ، كأنها مرآةٌ لِعالمٍ آخر.
كلما أطلتُ النظرَ إليها، تعاظمت رغبتي في الارتماء في عمقها، لعلّها تنتشلني من هذا الوجود القاسي، وتحملني إلى أحضانِ أمٍّ طالَ شوقي إلى لقياها.
سئمتُ البقاءَ غريبةً في مكانٍ لم يكن لي يومًا وطنًا، مكانٍ لا أحصدُ فيه سوى نظراتِ الكرهِ والازدراء.
لطالما راودتني تساؤلاتٌ مُرهِقة: أيُّ ذنبٍ اقترفتُ لأُواجَه بكل هذا النبذ؟
لم أطلب سوى حبٍّ بسيط، أن أُحَبَّ من أولئك الذين حسبتُهم عائلتي، ممن ظننتُ أنّ الدم يجمعني بهم.
ويا لغرابةِ ما كُتب لي…
في عامي الثامن عشر، وبعد أعوامٍ من الهروب والإنكار، تكشَّفت لي الحقيقة؛ تلك التي لطالما أغضضتُ بصري عنها كي لا ينطفئ آخر بصيصٍ من الأمل الذي ناضلتُ طويلًا للحفاظ عليه.
غير أنّ الأمل — وبكل قسوةٍ وسهولة — خبا، حين أدركتُ أنني مهما بذلتُ ومهما حاولتُ، فلن أُقبَل فردًا من هذه العائلة، لأن الدم الذي حسبتُه رابطًا لم يكن يومًا كذلك.
وهكذا، في هذه الليلة التي تسبقُ بلوغي سنَّ الرشد، اسمحوا لي أن أقدِّم هديتي الأخيرة: هديّةً تبدأ بحزنكم… وتنتهي بتحرُّري.
أسدلتُ عن عينيّ غشاوةَ القماش، وأشرتُ بيدي نحو البحيرة الصامتة، استدعيتُ القوى الكامنة في داخلي، قوىً لم أحلم يومًا بأن أمتلكها، فتكوّمت الماساتُ صغيرة في الهواء حولي، تتراقص كنجومٍ ساقطة، وما إن أطلقتُها حتى امتلأت البحيرة بها، لتصبح سطحًا متلألئًا من الضوء.
غير أنّ ذلك اللمعان لم يلبث أن تبدّل؛ إذ بدأ الألماس يلين تحت وطأة السحر، ويشفّ كأنه يتنفّس، ثم تفتَح ببطءٍ مهيب، متحوّلًا إلى زهورٍ ضوئيةٍ وادعة، تطفو على صفحة الماء كما تطفو الأحلام الهشّة على حواف الوعي. تفتّحت بتلاتها البلّورية في صمتٍ ناعم، تبث نورًا هادئًا لا يؤذي العين، وتترك خلفها تموّجاتٍ خفيفة، كأن البحيرة تُصغي لخطوات الضوء فوقها.
وفوق ذلك المشهد، تعلّقت في الهواء أهِلّةٌ صغيرة ونجومٌ لامعة، تتهادى بين السماء والماء، فتنعكس أنوارها على الزهور الطافية، ويغدو الفضاء كله مرآةً واحدة، لا يُدرى فيها أين يبدأ الأعلى وأين ينتهي الأسفل.
وددتُ لو أن الوقت يطيل أنفاسي، لو يمنحني فسحةً أخرى لأتأمل هذا النور المستدعى على غير أوانه، ذاك البريق الذي لا أعلم إن كان خلاصًا… أم خطيئةً طال صبرها على الانتقام.
غير أنّ شيئًا في الأفق بدأ يضيق!
وكأن الجدران نفسها بدأت تُنصت، وكأن القصر—بصمته العتيق—أحسّ بما جرى في قلب بحيرته، وأدرك أن سرًّا قد طُوي، وأن السحر الذي انبثقَ لم يكن ليظلّ خفيًا إلى الأبد.
كانت اللحظة أثقل من أن تُواجَه بالأسئلة، وبعض الأسرار—حين تُستدعى قبل أوانها—لا تطلب تفسيرًا، بل ثمنًا، صامتًا، يظلّ أثره في النفوس حتى بعد الرحيل.
أمسكتُ بحافة فستاني بأنامل مرتجفة، وأغمضتُ عينيّ المثقلتين بالدموع، ثم ألقيتُ بجسدي نحو البحيرة. احتواني الماء برفقٍ غير معهود، والتفتت الزهور المضيئة من حولي، لا لتغرقني، بل لتحملني، فأحسستُ بخفةٍ غريبة، كأنني أتلاشى في النور، وأذوب في سكينةٍ لم أعرف لها اسمًا من قبل.
وفجأةــ انقطع كلّ شيء.
ارتدّ جسدي بعنف، كأنني أُنتُزِعتُ قسرًا من عمقٍ لا اسم له، فُتحت عيناي على ظلمة الغرفة، وأنفاسي متلاحقة، وقلبي يخفق خفقًا غريبًا لا يمتّ لهذه الحياة بصلة. ظللتُ لحظاتٍ أحدّق في الفراغ، أستعيد إيقاع نبضي، وأنا أعلم—دون حاجةٍ للتفكير—أنني مستيقظة… وأن ما رأيته لم يكن سوى حلم.
لكنّه لم يكن حلمًا عابرًا.
شيءٌ في داخلي أبى أن يعود كما كان، كأن أثرًا شفيفًا ما زال عالقًا بين أضلعي. جلستُ ببطء، وأسندتُ كفّي إلى صدري، أحاول أن أفهم لِمَ عاد إليّ ذلك المشهد تحديدًا، بعد أن ظننته منسيًّا مع حياةٍ انقضت وانتهت. لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الوضوح الذي لا يليق بالأحلام؟
لم أشعر بحنين، ولا بندم، بل بدهشةٍ ثقيلة، تُشبه الوقوف أمام بابٍ كنتُ على يقينٍ أنه أُغلِق إلى الأبد. تسللت دمعةٌ صامتة على وجنتي، لا ألمًا، بل عجزًا عن الفهم، وكأن شيئًا ما—من زمنٍ لم يعد لي—قد مدّ يده، وترك أثره ثم انسحب دون تفسير.
بقي الإحساس حاضرًا، خافتًا، لا يطالب بشيء، ولا يفسّر نفسه، إحساسًا يشبه بريقًا دفينًا لا يُرى، لكنه يُحَسّ. أطرقتُ رأسي، وأغمضتُ عينيّ من جديد، لا لأهرب من الذكرى، بل لأنني أدركت أن بعض الأحلام لا تعود لتُبشّر، ولا لتُنذر… بل لتُذكّرنا بأن ما انتهى، قد لا يكون نُسي تمامًا.
أرخيتُ جسدي للسكون، غير أنّ قلبي لم يرافقه. ظلّ يتلمّس أثرًا لا يُرى، ويتساءل—في صمتٍ يخنق الأنفاس—ما الذي يدفع ذكرى من حياةٍ منقضية لتطرق بابي من جديد… لِمَ الآن؟
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»
“ها قد انتهى الفصل، لكن الرحلة لم تنتهِ بعد… آمل أن تكون رحلتي قد أثارت فضولكم. شاركوني رأيكم بكل صدق ، وضعوا نجمة إذا أحببتم الفصل، فكل تعليقٍ منكم يُلهمني لأكتب المزيد 💕”
ويشرفني كثيرًا مروركم على صفحتي في واتباد، وجودكم يعني لي الكثير🌷 .
واتباد: Ayla-2007
Chapters
Comments
- 1 - ذِكْرَى عابِرَةٌ… ظِلٌّ بَاقٍ. منذ 20 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 1"